اليمن بين السعودية والإمارات..
حين تتقاطع مصالح الحُلفاء مع أعدائهم فمن يطعن من؟
الحروب التي يعرف فيها المُقاتل عدوَّهُ أقلّ خطورة من تلك الحروب او المواجهات التي يكتشف فيها المُقاتِل أن خصومه قد يتبادلون المعلومات رغم اختلاف راياتهم، وأن التحالفات المُعلنة لا تكشف بالضرورة جميع التفاهمات التي تجري وراءها…
تحقيقان صحفيان نُشِرا في السابع والعشرين من أكتوبر يفتحان بابا شديد الخطورة لفهم ما يجري في اليمن وحول السعودية….
الأول لوكالة أسوشيتد برس، ويتحدث عن أنماط نشاط لأقمار استطلاع روسية سبقت هجمات حوثية وعراقية على منشآت سعودية حساسة، وعن معلومات استخباراتية تشير إلى استفادة الجماعات المهاجمة من قدرات روسية وصينية عبر وسطاء إيرانيين.
والثاني لموقع دروب سايت نيوز، ويتضمن اتهامات من مصادر مطلعة بأن قوات يمنية مرتبطة بالإمارات قدمت معلومات استهداف للحوثيين ضد قوات مدعومة من السعودية داخل اليمن، وأن قنوات استخباراتية مباشرة ربما وجدت بين أبوظبي والجماعة.
والاتهامات الأخيرة لم تثبت بصورة مستقلة، وقد صدرت بشأنها أكثر من نفي…
لكن مجرد طرحها على هذا المستوى الصحفي يستدعي تحقيقا جديا، لا أحكاما مسبقة ولا تجاهلا متعجلا.
ما الذي يستحق أن نفكر فيه هنا؟
أن الحروب الحديثة لم تعد مجرد مواجهة بين جيشين، وإنما أصبحت صراعا بين شبكات المعلومات والمصالح والوسطاء، وأن الجماعة المسلحة قد تكون في الظاهر طرفا محليا بينما تتجاوز قدراتها الفعلية حدود الجغرافيا التي تنطلق منها.
ولعل من أهم ما ينبغي استحضاره في هذا السياق ما كتبه المفكر الاستراتيجي توماس شيلينغ في كتابه “استراتيجية الصراع” عن تداخل التعاون والصراع في العلاقات الدولية؛ فالأطراف التي تتخاصم في ملف قد تجد مصالح مشتركة في ملف آخر.
وهذا يفسر إمكانية التقاء مصالح أطراف متناقضة عقائديا دون أن يعني بالضرورة وجود تحالف رسمي بينها.
فإذا ثبت أن دولة حليفة للسعودية تقدم معلومات عسكرية لجماعة تقاتل قوات تدعمها الرياض، فإن القضية لن تكون مجرد اختلاف في قراءة المشهد اليمني، بل مساسا مباشرا بمبدأ الثقة الاستراتيجية.
والثقة بين الدول ليست كلمات تقال في المؤتمرات، بل التزام بألا تتحول أسرار الشريك وثغراته إلى أدوات في يد خصومه.
أما الأخطر في التحقيق المتعلق بالأقمار الصناعية الروسية فهو أن السؤال لم يعد مقتصرا على الجهة التي تمتلك الصاروخ، وإنما يمتد إلى الجهة التي تمتلك المعلومة التي جعلت الصاروخ قادرا على إصابة هدفه.
فمن يزود جماعة إرهابية مُسلحة بمعلومات استهداف عملياتية، وهو يعلم الغرض الذي ستُستخدم فيه، قد يصبح جزءا من سلسلة الفعل العسكري، حتى لو لم يضغط بنفسه على زر الإطلاق….
أما المسؤولية القانونية فتتطلب إثبات طبيعة المساعدة والعلم بها وصلتها بالفعل المرتكب.
وليس كل تقاطع مصالح مؤامرة، وليس كل تراجع ميداني خيانة، وليس كل سلاح يحمل مكونات أجنبية دليلا على تورط الدولة المُصنِّعَة….
لكن الاستهانة بالمؤشرات الخطيرة لا تقل خطأ عن تحويلها إلى حقائق قبل التحقق منها….
لقد دفع اليمنيون ثمنا فادحا لتعدد القوى المسلحة وتضارب مشاريع الخارج، ودفع أمن المنطقة ثمنا آخر لتحول الأراضي اليمنية إلى ساحة تتصارع فوقها حسابات إقليمية ودولية.
وهنا ينبغي ألا تضيع الحقيقة الكبرى وسط أسماء الدول:
لا يجوز أن يصبح أمن السعودية ورقة ضغط في تنافس إقليمي، ولا أن تتحول حياة اليمنيين إلى تكلفة مقبولة في صفقات النفوذ.
إن أمن المملكة ليس ملفا يمكن فصله عن أمن الخليج والممرات البحرية والاقتصاد العالمي….
ومن يعتقد أن إضعاف السعودية سيمنحه نفوذا مستقرا في المنطقة قد يكتشف أنه أسهم في تقويض البيئة الأمنية التي يقوم عليها نفوذه نفسه.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن توجهه هذه التحقيقات إلى جميع الأطراف:
هل نريد يمنًا تستعيد فيه الدولة احتكار السلاح والقرار، أم نريد أرضا تظل مفتوحة لكل قوة تبحث عن نفوذ، ولكل جهاز استخباراتي يبحث عن هدف، ولكل جماعة مسلحة تبحث عن راع جديد؟
فالخطر الأكبر ليس أن تتعدد الأيدي التي تحمل السلاح، بل أن تتعدد العواصم التي تستطيع توجيهه، بينما يظل الشعب الذي تسقط عليه نتائج الحرب آخر من يملك حق تقرير مصيره…
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة