لا أريد لليمني أن ينتظر حتى تنتهي إيران من مشروعها، ولا للسعودي أن يُعلّق أمن بيته على نتيجة الانتخابات الأمريكية، ولا للسوري واللبناني أن يقضيا ما بقي من العمر في تفسير ما يريده الآخرون من بلديهما….
لهذه الشعوب أعمار تنفد…
وللطفل الذي انقطع عن مدرسته عمر محدد للتعلم، لا تعيده إليه تسوية تصل بعد عشرين سنة.
استمعتُ إلى نقاش عن مستقبل المنطقة في إحدى المساحات المُهمّة….
تحدث بعض المشاركين عن تحالفات ستردع المُعتدين، وأسواق ستنهض، وموانئ ستزدهر، ونُخب ستكتب رؤية للخلاص….
تمنيتُ كثيرا مما سمعت، لكنني وجدتُّ نفسي أبحث في كل ذلك عن المواطن:
متى يصل إليه شيء من هذه الوعود؟
ومن يضمن ألا يدفع كلفتها ثم يقف خارج بابها يوم توزع مكاسبها؟
أنا منحازة للسعودية في حقها أن تحمي أرضها وأهلها وأن تقرر سياستها دون صاروخ مرفوع فوق رؤوس سكانها….
وأستطيع، من هذا الموقع نفسه، أن أسأل عن قرار وأنتقد تقديرا وأطالب بمراجعة…
لا أحتاج إلى الانتقال إلى صف خصومها كي أحتفظ بعقلي، ولا إلى تعطيل عقلي كي أُثبتُ صدق موقفي معها.
وحين أرفض تدخل إيران في بلادنا، فلا أنتظر من أحد أن يشرح لي أن إسرائيل تعتدي وتقتل وتتجبّر… أعرف ذلك جيدا ولطالما أشرتُ إليه وكتبتُ ضدّه ….
وما زلتُ أبحث عمن أقنع بعضنا بأن الموقف من مُعتدٍ يلزمنا بالصمت عن مُعتدٍ آخر، وأن دم العربي ينبغي أن يمر أولا على خريطة التحالفات حتى نقرر مقدار حرمته.
يقول كلاوزفيتز في كتابه “عن الحرب”: “الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى”.
وحين أضع هذه العبارة أمام ما تعيشه منطقتنا، أبحث عن القرار الذي يراد انتزاعه مع كل اعتداء….
فقد يعجز الصاروخ عن إسقاط حكومة، لكنه قد يحاول إجبارها على تعديل موقفها، أو إرباك اقتصادها، أو استنزاف قدرتها على حماية الحياة اليومية لسكانها.
ولهذا فإن الدفاع عن السعودية يتصل بحق الدولة في ألا تصبح سلامة مواطنيها ورقة تفاوض لدى جماعة إرهابية همجية مُسلحة.
ومن يطلب منها تغيير سياستها تحت التهديد يريد أن يصبح شريكا قسريا في صنع قرارها، دون أن يتحمل مسؤولية واحدة تجاه شعبها.
ويمكن مساءلة أي حكومة عن إدارتها للتحالفات أو تقديرها للمخاطر أو حصيلة خياراتها….. لكن هذه المُساءلة لا تمنح الطرف المعتدي سلطة عليها….
فالسيادة ليست مكافأة تُعطى للحكومات حين تصيب وتُسحب منها حين تُخطئ.
أما تضحيات الحلفاء فلها قدرها، ويجب أن تحفظ لأصحابها….
ويشمل الوفاء لها الصراحة في مناقشة أسباب الخلاف معهم، والإنصاف في تقييم أدوارهم….. ومع ذلك، لا تستطيع أي شراكة أن تعيش على رصيد التضحيات وحده إذا تباعدت أهداف أطرافها…..
فالذين يجتمعون على خصم قد يختلفون على الدولة التي يريدون بناءها بعده، وعلى الجهة التي تملك السلاح، وعلى حدود السلطة وتوزيع الموارد.
هنا ينبغي أن يذهب النقاش، إلى الوقائع والأهداف والالتزامات، بدلا من توزيع صكوك الوفاء والخيانة كلما اختلف الشركاء.
ومن هذه الزاوية أنظر إلى “اتفاق مكة” والتقارب بين السعودية وتركيا وباكستان. فالمعلن رسميا أن الاتفاق دفاعي، وأن غايته تعزيز الردع وحماية السيادة، كما تضمنت بيانات التعاون حديثا عن مؤسسات مشتركة وتطوير للقدرات والصناعات الدفاعية……
وهذه أسس تستحق التحليل والمتابعة.
لكنني لا أملك أن أنسب إلى قادة هذه الدول كل ما توحي به قراءتي للخريطة….
قد أرى في تقاربهم محاولة لتوسيع هامش الاستقلال، وقد أُرجّح أنه استجابة لتحولات أوسع من أزمة بعينها…..
أما أن أجزم بأنني أعرف المقاصد غير المعلنة، وأن كل تحرك في اليونان والهند والسودان والقرن الأفريقي جزء من خطة واحدة، فذلك يحتاج إلى أدلة تتجاوز تشابه الاتجاهات وتزامن الأحداث.
القوى الدولية تتنافس وتتدخل وتساوم، ولها مصالح قد تتعارض مع مصالحنا…
لكن افتراض وجود غرفة واحدة تدير كل ما يجري يمنح خصومنا قدرة تكاد تكون مطلقة، ويترك لنا دور المتفرج الذي يشرح كيف رسم الآخرون مصيره.
وأنا لا أريد أن أبالغ في تقدير نفوذهم حتى أمحو قدرتنا على الفعل.
قيمة أي تحالف، في تقديري، تظهر في الخيارات التي يضيفها إلى أعضائه، وفي الكلفة التي يفرضها على من يفكر في الاعتداء عليهم….
ويختبر استمراره حين تختلف مصالح الشركاء، وحين تصبح للالتزامات أثمان فعلية…..
عندها تتضح قدرة المؤسسات على إدارة الاختلاف، ويتبين مقدار ما تحول من التعهدات إلى قوة جاهزة.
واستقلال القرار يحتاج أيضا إلى ما يسنده في الداخل:
اقتصاد قادر على الاحتمال، وصناعة تتطور، وغذاء ودواء، ومعرفة لا تتوقف على إذن المورد….
فكل حاجة أساسية لا نملك لها بديلا قد تصبح مدخلا للضغط علينا.
وفي ملف إيران، أرى ضرورة التخلص من عادة تربط الموقف منها بالموقف من إسرائيل، وكأن العربي مطالب باختيار الجهة التي يسمح لها بإيذائه.
لا يحق لإيران أن تجعل فلسطين غطاء لتدخلاتها، ولا يحق لإسرائيل أن تجعل مواجهة إيران غطاء لعدوانها…..
وواجب الدولة تجاه مواطنيها لا يقبل أن تؤجل حمايتهم لأن معتديا آخر يحتل موقعا أعلى في قائمة الخصومات.
أريد للشعب الإيراني أن يعيش آمنا، وأن ينصرف إلى بناء بلده….
ولا أجد تناقضا بين هذا الموقف وبين المطالبة بكف يد أي سلطة تعتدي على جيرانها…..
فالشعوب ليست رهائن أخلاقية لدى حكوماتها، ولا ينبغي أن تصبح معاناتها موضع تشف.
لكنني لا أبني هذا الموقف على اطمئنان إلى ضعف إيران، أو على جزم بأنها انتهت ولم يبق لديها إلا عدد من الصواريخ….
تقدير قدرات الدول يحتاج إلى معلومات دقيقة….
وقد تتراجع قدرة دولة على البناء بينما تبقى لديها وسائل للإيذاء، كما قد يدفعها ضعفها إلى سلوك أكثر اندفاعا.
لذلك أرى أن السياسة المسؤولة تجمع بين القدرة على الردع وإبقاء طريق واضح لتغيير السلوك…..
تكون المطالب محددة: احترام الحدود والسيادة، ووقف الاعتداء، والتعامل مع الدول عبر مؤسساتها. وتكون الضمانات قابلة للاختبار، حتى لا يتحول حسن النية إلى فترة انتظار لجولة جديدة.
ثم يأتي الحديث عن سوريا ولبنان واليمن بوصفها امتدادا لنهضة اقتصادية إقليمية منتظرة.
أتمنى أن تمتلئ موانئها بالتجارة، وأن تعود طرقها آمنة، وأن يجد أبناؤها فرصا في بلادهم. لكنني حين أسمع وعدا بالازدهار أفكر في صاحب ورشة صغيرة يريد أن يستورد آلة، وفي مزارع يريد إيصال محصوله إلى السوق، وفي شاب يحتاج إلى وظيفة دون وساطة.
ماذا سيتغير في حياة هؤلاء؟ من يحمي عقدهم؟ ومن يمنع فرض جباية عليهم؟ وأمام أي قضاء يقفون إذا اعتدى صاحب نفوذ على حقوقهم؟
يقول أمارتيا سن: “الحرية هي الغاية الأساسية للتنمية ووسيلتها الرئيسية”.
وهذه الفكرة تعيد الاقتصاد إلى حياة الإنسان وقدرته على الاختيار والعمل، وإلى الفرص التي يستطيع الوصول إليها فعلا.
قد يرتفع حجم الاستثمار وتظل أبوابه مغلقة أمام فئات واسعة….
وقد يزدهر ميناء فيما تبقى المدينة المحيطة به فقيرة….
وقد تُعقد صفقات كبرى دون أن يشعر المواطن بأن حقه صار أكثر أمنا.
لهذا فإن الموقع الاستراتيجي لا يكفي….
فالموقع الذي يجلب التجارة قد يجلب أيضا المتنافسين على السيطرة عليه، إذا غابت المؤسسات القادرة على إدارته وحماية عائداته.
واليمن لا يحتاج إلى من يعده بأن نصيبه سيأتي بعد ازدهار الآخرين…
يحتاج إلى مشروع يحدد كيف يدخل الشراكة، ومن يمثله فيها، وكيف تصان موارده، وكيف توزع فوائدها على أهله….
والبلد الذي يدخل أي ترتيب اقتصادي منقسما على موارده وقراره قد يحمل إلى ذلك الترتيب انقسامه كله.
يقول مكيافيلي في “الأمير”: “للمصلح أعداء في كل المنتفعين بالنظام القديم”.
وأحسب أن من واجبنا أن نسأل أيضا عن المنتفعين من استمرار الفوضى؛ فقد يتحدث بعضهم بمرارة عن خراب البلاد، بينما تتغذى مكانته على هذا الخراب، ويضيق نفوذه كلما اقتربت الدولة من استعادة وظيفتها.
لهذا أريد للرؤية المقترحة تمويلا واضحا، وإفصاحا عن المصالح، وأهدافا يستطيع المواطن متابعة تنفيذها، وحقا معلنا في مساءلة القائمين عليها. ولا أرى مبررا لتأجيل الاستماع إلى الناس بحجة أنهم منشغلون بلقمة عيشهم.
من ينتظر راتبه يعرف معنى اختلال المالية العامة وإن لم يستخدم هذا المصطلح. ومن يقف عند حاجز يعرف أثر تعدد السلطات…
ومن يعجز عن شراء الدواء يعرف كيف يصل فساد المؤسسات إلى جسده.
هؤلاء يملكون معرفة لا تكتمل خبرة الأكاديمي دونها.
ومهمة صاحب الرؤية أن يصل بين هذه المعاناة وأسبابها، وأن يضع أمام الناس خطوات يمكن اختبارها…..
راتب ينتظم، وطريق يفتح، وخدمة تتحسن، وإجراء يطبق على صاحب النفوذ كما يطبق على المواطن العادي.
من هذه الوقائع تنمو الثقة، ويصبح للإصلاح من يدافع عنه لأنه لمس أثره.
لقد تعب الناس من دفع ثمن الأفكار التي لا يملكون مناقشتها….
ومن حقهم، قبل أن يطلب منهم الصبر مرة أخرى، أن يعرفوا إلى أين يذهب بهم هذا الصبر ومن سيحاسب إذا خاب الوعد.
أكتب هذا لأنني أريد للسعودية قرارا تحميه قدرتها، ولليمن دولة تمثل أهله، ولسوريا ولبنان فرصة يشارك مواطنوهما في صنعها وجني ثمرتها….
وأريد لعلاقات المنطقة أن تقوم على حدود محترمة ومصالح معلومة والتزامات يمكن الوثوق بها.
وحين أعود إلى الطفل الذي انقطع عن مدرسته، أجد أن كل هذا النقاش ينتهي عند سؤال بسيط: هل سيعود إلى مقعده قبل أن يكبر خارجه؟
هناك أختبر قيمة التحالف، وصدق الرؤية، ومعنى أن يصبح لنا قرار…
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة