الانتخابات الإسرائيلية…تغيير الوجوه أم السياسات؟

يقوم نظام البرلمان الإسرائيلي على التمثيل النسبي، فمن ثم يمنح الأحزاب الصغيرة والمتوسطة القدرة على التأثير في تشكيل الحكومة، خاصة مع تعثر حزب من الأحزاب الكبيرة في حصد أغلبية مريحة.

لذلك لا تسفر الانتخابات الإسرائيلية في العادة عن فوز أي من الأطراف بما يمكنه من الحكم منفردًا، بل تكون نتائج الانتخابات بداية للدخول في مفاوضات ومباحثات شاقة بهدف تشكيل ائتلاف تتداخل فيه المصالح الحزبية والحسابات الشخصية والاعتبارات الأيديولوجية، ويجد أي زعيم قوي نفسه رهينة لشركاء ائتلافيين أقل حجمًا، وربما وصل حزب ما إلى الحكم بعد طرح برنامج يمثل الاعتدال ثم يضطر إلى تقديم تنازلات لشركاء متشددين.

هذه التوطئة تمس الانتخابات الإسرائيلية التي جرت مؤخرًا، والتي أسفرت نتائجها عن بداية الدخول في أزمة شبه معتادة، فلم يحصل أي من معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ولا زعيم المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت، على العدد المطلوب لتشكيل أغلبية حاكمة في الكنيست، ما يفتح الطريق أمام عدة سيناريوهات من بينها الاتجاه إلى إعادة الانتخابات حال عدم التوصل إلى تشكيل حكومة ائتلافية أو حكومة وحدة أو حتى حكومة أقلية، وكلها سيناريوهات تعترضها عقبات عدة.

ما أود تسليط الضوء عليه خلال هذه السطور، هو التعاطي والتفاعل العربي مع نتائج الانتخابات باعتبارها تمثل نهاية محتملة لنتنياهو بتاريخه الحافل بالسياسات العدوانية والسلوكيات الإجرامية بحق الفلسطينيين والمحيط العربي، والتطلع إلى أن يتم تشكيل حكومة أكثر اعتدالًا بعيدًا عن نتنياهو واليمين المتطرف. ولذلك ما إن تم الإعلان عن نتائج جزئية للتصويت أظهرت تفوق المعارضة في البداية، حتى سارع رواد التواصل الاجتماعي ببث البشريات برحيل نتنياهو – قبل أن تتعدل النتيجة لصالحه- وكأن إنهاء الأزمات المزمنة يتوقف على خروجه من الوسط السياسي.

أتفهم جيدًا أن هناك دافعا يكاد يكون مشتركًا لدى الجميع في هذه التطلعات، وهو حجم الجرائم والانتهاكات التي حدثت بحق الشعب الفلسطيني والأزمات التي داهمت بعض الدول العربية في حقبة نتنياهو، ولكن من الناحية العملية، هل تغيير الوجوه في الحكومة الإسرائيلية كفيل بتغيير سياساتها فيما يتعلق بقضايا فلسطين والمحيط العربي؟

من المفترض أن تداول السلطة وتغيير الحكومات يتيح للجمهور تصحيح المسار ومحاسبة الحكومة السالفة وفرض أولويات جديدة، والتعامل بشكل مغاير مع ملفات السياسة الداخلية والخارجية التي أخفقت فيها الوجوه السابقة.

وكما نقول بشأن تداول السلطة في الولايات المتحدة، من أنها ليست دولة الفرد الواحد، وأن هناك سياسات عامة ثابتة لا تتغير سواء كان من يجلس في البيت الأبيض من الجمهوريين أو من الديمقراطيين، فالحال نفسه في الشأن الإسرائيلي.

نعم قد يحدث مع تغيير الوجوه في الحكومة الإسرائيلية تغييرات في السياسات الاقتصادية والعلاقة بين السلطة والأجهزة الأمنية والعسكرية والعلاقة مع المكونات الدينية والقومية ونحوه، و قد يكون هناك تغييرات أيضًا في بعض ملامح السياسات الخارجية مثل المناورة بخفض حدة الصراع، أو إبداء قدر من المرونة في التعامل مع المجتمع الدولي….

لكن في المقابل، هناك ملفات جوهرية وسياسات عامة تستمر مهما تعاقبت الحكومات أو تغيرت الوجوه، أبرزها ما يتعلق بالقضية الفلسطينية والاستيطان والسيطرة على الأراضي الفلسطينية، وطبيعة العلاقة مع المحيط العربي.

نعم قد يكون هناك فارق بين كل حكومة وأخرى لكنه في شكل هذه الملفات لا جوهرها، لأنها قضايا وجودية، تتعلق ببقاء الدولة الصهيونية، نظرًا لأنها ليست دولة طبيعة، بل هي كيان غاصب محتل لأرض عربية إسلامية، ضرب عرض الحائط بكل المواثيق الدولية، وفرض واقعًا على هذه الأرض بالقوة والدعم الغربي.

لقد نشأت هذه الدولة على عقيدة نبوءاتية استخدمت كرأس حربة للصهيونية العالمية التي جيشت اليهود صوب أرض المعاد أو أرض إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، فلم يكن الهدف العيش في قطعة أرض كوطن جامع للشتات اليهودي وإلا كانت القصة قد انتهت بالتجمع في أراض أخرى، لكن أساطين الصهيونية مع علمانيتهم جمعوا اليهود على الأساطير الدينية المختلقة وادعاء الحق التاريخي والديني في فلسطين، لكي تكون دولة ممتدة الحدود، ومن ثم لا مجال للحديث عن حل الدولتين، ولا يمكن مع تغيير الحكومات التخلي عن الأحلام التي قامت عليها الدولة الصهيونية وتمثل مادة حياتها وبقائها.

فلا عجب إذًا أن نرى نموذجًا فريدًا للتزاوج بين الدين والعلمانية في الداخل الإسرائيلي، فالعلمانيون الصهاينة يعلمون جيدًا أن المكون الديني والنبوءاتي مادة حياة تلك الدولة، ولذا صرح السياسي يئير لبيد المنتمي للتيار العلماني بأنه لن يتم فصل الدين عن الدولة في إسرائيل لأبد الآبدين، ومثله قال أستاذ الفلسفة في الجامعة العبرية شاؤول روزنفيلد صراحة: “نحن العلمانيون في إسرائيل لا يمكن أن نقبل فصل الدين عن الدولة، لأن هذا يمثل خطرًا وجوديًا على الدولة، فهو يعني القضاء على هوية الدولة وطابعها اليهودي” وغيرهم الكثير من رموز دولة الاحتلال.

قد تقبل حكومة ما الدخول في مفاوضات من دون أن تقبل بالضرورة الشروط اللازمة لإنجاز تسوية نهائية، وقد تتحدث قيادة عن السلام بينما تتجنب اتخاذ قرارات مكلفة داخليًا، وقد تعلن حكومة أخرى رفضها للتسوية أو تضيق هامشها السياسي إلى حد كبير. ولذا قد يكون الفارق بين الحكومات مهمًا في تحديد سرعة التدهور أو فرص التهدئة، لكنه لا يضمن وحده تغيير المسار التاريخي للصراع.

القضية الفلسطينية ليست ملفًا خارجيًا منفصلًا عن بنية السياسة الإسرائيلية، بل هي جزء من الصراع الداخلي على هوية الدولة وحدودها ومفهومها للأمن.

من الخطأ في تعامل العواصم العربية مع الانتخابات الإسرائيلية أن تبني حساباتها على افتراض أن وصول قيادة جديدة سيؤدي حتمًا إلى تغيير جوهري في السياسات، أو المراهنة على وصول شخص ما إلى رأس السلطة.

لذا يمكن القول أنه على الرغم من وجود فروق في أداء الحكومات الإسرائيلية، إلا أنها لا تصل إلى حد شق مسار حقيقي للسلام مع الفلسطينيين، بل هي أقرب إلى تبادل أدوار وفق مقتضيات المرحلة. وليست المشكلة محصورة في شخص نتنياهو، وإنما تمتد إلى تلك المنظومة المتطرفة من المتدينين والقوميين التي تسيطر على الدولة الصهيونية، وفي تلك المبادئ الصهيونية التي تم صبغ الحياة الإسرائيلية بها منذ النشأة، وسوْق الجماهير الإسرائيلية بعصا التهديد الإقليمي ورفع مستوى المخاطر في المحيط العربي.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

يبدو أن تهديد #السعودية صار رسالة طمأنة !

يا لها من طمأنة: “لا تقلقوا، الصواريخ موجهة إلى السعودية” ! هذا هو المعنى الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *