ما أسهل أن نكون عادلين مع إنسان يشبهنا، يقول ما يُرضينا ويقدس ما نقدسه. الامتحان يبدأ حين يقف أمامنا من يخالفنا في أعظم ما نؤمن به، ثم يحتاج منا شهادة تنصفه أو كلمة تحميه أو موقفا يمنع الظلم عنه.
هناك تنكشف حقيقة ما صنعه الإيمان في نفوسنا.
فقد يحفظ الإنسان أبواب العدل كلها ثم يعجز عن جملة واحدة تنصف خصمه…
وقد يكثر الحديث عن الرحمة ثم تضيق نفسه حين يرى الرحمة تصل إلى من لا يحب…
وقد يدافع عن حرية الاعتقاد حتى يسمع اعتقادا لا يريحه، فيطالب صاحبه بأن يخفيه كي يستحق القبول.
في كل هذه الصور يحاول الإنسان أن يحتفظ لنفسه بحقوق كاملة، وأن يجعل حقوق الآخرين مشروطة برضاه.
في أوقات الفجيعة نحتاج إلى قدر عظيم من الانضباط….
فالحزن يمنح الكلام قوة، لكنه لا يمنحه العصمة….
والغضب قد يكون مفهوما، لكنه لا يجعل كل ما يصدر عنه عادلا.
حين يقتل إنسان في مكان عبادته، يكون أمامنا دم انتهك وأهل فجعوا وأمن تبدد… وللضحية حق في أن نرى جريمتها كاملة، دون أن نحولها إلى مناسبة لمحاكمة معتقدها أو معتقد من حزن عليها…..
وللمؤمن أيضا حق في أن يحزن بصدق دون أن يطلب منه أحد إعادة صياغة إيمانه، أو استعمال تعبير ديني لا يعتقد جوازه، ليحصل على شهادة بحسن المواطنة.
لا يجوز ابتزاز العقائد بدماء الضحايا، كما لا يجوز الاحتماء بالعقائد للتهرب من واجب نصرتهم…..
من الضروري أن نفهم الفرق بين سؤالين:
ماذا أعتقد في دين الآخر؟ وماذا يجب علي تجاهه؟
الأول يتعلق بإيماني الذي ألقى الله به. والثاني يتعلق بحقوق إنسان أعيش معه وأعامله وأشهد له أو عليه.
والخلط بينهما يفسد الدين والاجتماع معا.
فإذا جعلت موافقتي على عقيدة إنسان شرطا لإنصافه، صارت حقوقه رهينة ضميري أنا….
وإذا جعل هو موافقتي على عقيدته شرطا لقبول إنصافي، صار إيماني رهينة رضاه هو.
ولا يستقيم وطن على هذا التبادل في الإكراه.
أستطيع أن أعتقد أنك مخطئ في مسألة دينية، وأن أكون ملزمة بمنع من يعتدي عليك. وتستطيع أن ترفض اعتقادي، وأن تحفظ حقي في إعلانه وممارسته. هذا الوضوح يتيح لنا أن نعيش دون كذب، وأن نختلف دون خوف.
وفي القرآن موضع يستحق أن نتوقف عنده طويلا…
قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
تأمل أن الخطاب عن المجادلة؛ أي عن اللحظة التي يظهر فيها الاختلاف وتعرض فيها الحجج…. في هذه اللحظة نفسها جاء التكليف بإحسان الطريقة.
فإذا كان للجدال أدبه، فكيف بالعزاء؟
وإذا كان الاعتراض على المعتقد لا يبيح سوء الخطاب، فمن أين جاء توهم أن الاعتزاز بالدين يقتضي القسوة على أهله؟
قوة الاعتقاد تظهر في قدرة صاحبه على بيانه، وعلى ضبط نفسه وهو يبينه. أما إهانة المخالف فلا تضيف إلى الحجة برهانا، وقد تكشف عجز صاحبها عن احتمال السؤال.
ومع ذلك، ثمة احتراز لا يستغني عنه من يتحدث باسم الدين:
أن يميز بين قداسة الوحي واجتهاده في فهمه.
فبين النص وبين الحكم على واقعة بعينها عمل علمي ومسؤولية:
فهم للدلالة وجمع للأدلة ومعرفة بالسياق وتثبت من الوقائع….
وقد يكون النص قطعيا، ثم يخطئ إنسان في تنزيله على شخص أو حدث.
لهذا لا يملك المتحدث في الدين أن يجعل كل اعتراض عليه اعتراضا على الله…
ولا يملك ناقده أن يجعل كل خطأ منه حجة على الدين كله.
التواضع هنا أمانة…..
فمن يُعظم الوحي يخشى أن ينسب إليه ما لم يقله، ويخشى أيضا أن يحجب بعض هديه لأن إظهاره لا يخدم خصومته.
والنفس قادرة على الانتقاء في اتجاهات شتى:
قد تستثقل حكما لأنه يقيد رغبتها، وقد تستثقل العدل لأنه ينصف من تكرهه…
وقد تحرص على دقة الألفاظ في حقها، ثم تتساهل في اتهام نيات الناس.
ومن أعمق ما يؤدب هذا التسرع قوله تعالى:
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾،
ثم قوله في الآية نفسها: ﴿كَذَٰلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾.
في هذا التذكير ما يكسر غرور النفس حين تنسى أن ما تعتز به نعمة، فتتصرف كأنها تملك مفاتيح القلوب.
والتثبت أشد وجوبا حين تصبح الكلمة اتهاما، والاتهام تحريضا، والتحريض خوفا يحمله إنسان إلى بيته وأولاده.
ليس كل خطأ في التعبير خيانة، ولا كل تحفظ ديني كراهية، ولا كل دفاع عن مظلوم موافقة على معتقده….
هذه المسافات الدقيقة هي التي يمحوها الغاضبون، ثم يدفع المجتمع ثمن محوها.
ومن الوفاء للدين كذلك أن ننصف من لا يشاركوننا مرجعيتنا….
فلا يصح أن نزعم أن كل من لم يؤمن بما نؤمن به عاجز عن الأمانة، أو أن كل متدين مأمون بالضرورة.
نحن نرى التدين الذي يثمر صدقا ورحمة، ونرى من يستعمل لغته ويخالف تكاليفه….
ونرى عند آخرين وفاء وشجاعة في نصرة المظلوم. والعدل يوجب الاعتراف بما نراه.
إيماني يمنحني سببا عميقا للالتزام، ويضعني أمام مسؤولية لا تسقط حين يغيب الرقيب….
ثم تبقى علي كلفة الامتثال….
فلا يكفي أن أشرح للناس جمال المعيار الذي أحمله؛ عليهم أن يجدوا أثره حين تكون مصلحتي في الكذب، أو تكون لي قدرة على الانتقام، أو أستطيع أن أظلم دون أن أفتضح.
الشعور بسموّ المرجعية لا يعفيني من محاسبة السلوك.
وفي المجتمع الذي يجمع أهل أديان مختلفة، لا يصح أن يعيش إنسان منتظرا حسن مزاج جاره ليطمئن إلى سلامته….
يحتاج إلى قانون يحميه وقضاء ينصفه وخطاب عام لا يتركه وحيدا أمام التحريض.
الرحمة فضيلة نرجو اتساعها، والحقوق واجبات لا يجوز تعليقها على مقدار ما نشعر به من رحمة.
ولهذا فإن حماية الكنيسة وأهلها يجب أن تكون واضحة لا تتلعثم، كما أن حماية المسجد وأهله يجب أن تكون واضحة لا تتلعثم…
ولا يطلب من أي منهما أن يقدم تنازلا عن اعتقاده ثمنا لأمنه.
الدولة مسؤولة عن حماية مواطنيها، وكل صاحب تأثير مسؤول عن الكلمة التي قد تعين على هذه الحماية أو تهدمها.
أعتز بإسلامي، وأريد أن أكون صادقة في هذا الاعتزاز:
أن أثبت حين تضغط علي المجاملة، وأن أنصف حين يضغط علي الغضب، وأن أراجع فهمي حين يظهر لي خطؤه، وأن أقول للمظلوم “لك حق” ولو كان إقراري يحرج من أحب.
وأريد للمختلف معي أن يعرف أن خلافنا لن يتحول في يدي إلى أذى، وأنه إذا احتاج إلى شهادتي فلن أساومه على معتقده، وإذا وقع عليه ظلم فلن أؤجل إنصافه حتى ينتهي جدالنا.
لا أطلب منك أن تصدق إيماني لأنني أُحسِنُ الحديث عنه….
فقط أطلب أن تنظر ماذا يفعل بي – ذلك الإيمان- حين يكون حقك في يدي….
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة