لا تحاربوا التدين بحجة الاعتدال: دروس من شهادة سامر حداد

حين يدافع المسيحي عن حق المسلم في التمسك بقواعد وضوابط إسلامه، ويدافع المسلم عن حق المسيحي في الأمان والاحترام على مسيحيته…

فإننا لا نكون أمام تنازل عقدي من أحدهما للآخر، بل أمام أرقى صور الوفاء بالعدل: أن تصون للآخر حقا لا تشاركه في معتقده…

ولعل من أشد المفارقات إيلاما أن يخرج بعض المسيحيين الأردنيين دفاعا عن الإسلام والمتدينين، بينما ينشغل بعض المسلمين بمحاكمة تدين إخوتهم في الدين، وكأن الجريمة لم تكن كافية لإيلام الوطن حتى نضيف إليها خصومة مع هويته الدينية.

وقد استوقفتني شهادة المواطن الأردني المسيحي النبيل “سامر حداد”، الذي كتب كلاما يستحق أن يقرأه كل من يحاول اليوم تصوير التدين الإسلامي باعتباره تهديدا للمسيحيين.

تحدث الرجل عن أصدقائه المسلمين المحافظين على صلواتهم الخمس، الذين كانوا أول من يستنجد بهم في الشدائد، وعن والده حين احتاج إلى الدم لإجراء عملية جراحية، فكان هؤلاء الأصدقاء أول من لجأ إليهم حتى قبل بعض أقاربه…

واستعاد ذكريات دراسته في مدرسة حكومية وتفوقه في مادة التربية الإسلامية، وكيف كان معلمه يفاخر به أمام زملائه، دون أن يطلب منه أحد أن يتخلى عن مسيحيته.

ثم قال عبارة تستحق التأمل: “أنا كمسيحي شرقي أفضل أن أعيش في مجتمع إسلامي محافظ يحترم الدين والأسرة والقيم، على أن أعيش في مجتمع فقد احترامه لهذه المعاني، حتى لو كان مسيحيا بالاسم” …

يا لها من شهادة تكشف مقدار ما يمكن أن تفسده المزايدات حين تنفصل عن حقيقة المجتمع !

فهذا المسيحي لم يجد في تدين جيرانه المسلمين تهديدا لعقيدته، بل وجد في محافظتهم على دينهم وقيمهم ما أعانه على التمسك بدينه هو…

ولم يحتج إلى أن يصبح مسلما ليحظى بأخوتهم، كما لم يحتاجوا إلى التخلي عن إسلامهم ليكونوا له إخوة وسندا.

فأي عبث أن يصبح المسلم المتدين موضع ريبة عند بعض من يرفعون راية التسامح، بينما يشهد له جاره المسيحي بالأمانة وحسن الجوار؟

وأي مفارقة أن يدافع المسيحي عن حق المسلم في تدينه، بينما يطالبه آخرون بتخفيف تمسكه بدينه حتى يستحق شهادة الاعتدال؟

هذه الشهادة لا تعني تطابق العقائد، بل تؤكد حقيقة أن الاختلاف في الإيمان لا يستلزم الاختلاف في المروءة، وأن الإنسان يستطيع أن يكون راسخا في عقيدته، واسعا في عدله، صادقا في محبته لأبناء وطنه.

ومن يريد اقتلاع التدين ومحاربة المراكز الدينية ومسابقات تحفيظ القرآن الكريم من المجتمع بحجة محاربة التطرف يغفل أن التدين الواعي قد يكون من أعظم الحصون في مواجهة الغلو….

فالعلاج ليس في تجفيف منابع القرآن، بل في تعليمه بفهم صحيح، وفي بناء الوعي الذي يميز بين حرمة الدماء ودعاوى استباحتها، وبين سلطان الدولة وفوضى الجماعات المسلحة.

وليس المطلوب أن نمنح المساجد أو الكنائس حصانة من مساءلة أي تحريض مثبت، وإنما أن نرفض تحويل دور العبادة إلى متهمين جماعيين، وأن نحاسب صاحب الجريمة لا كل من يشاركه الانتماء الديني.

فلا تجعلوا من الإرهاب حجة على الدين، ولا من محاربة الإرهاب حربا على المتدينين. ولا تهدموا الجسور التي بناها المسلمون والمسيحيون عبر الأجيال بحجة حماية العابرين عليها….

وأبلغ شهادة على سلامة التعايش ليست أن يقول المسلم إنه يحب المسيحي، أو أن يقول المسيحي إنه يحب المسلم، بل أن يجد كل منهما في تمسك الآخر بدينه ما يطمئنه إلى أمانته، لا ما يخيفه من اختلافه….

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

أعمار تنفد وسلام معلّق: أين المواطن من حسابات الخريطة؟

لا أريد لليمني أن ينتظر حتى تنتهي إيران من مشروعها، ولا للسعودي أن يُعلّق أمن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *