هناك أشخاص حولك لا تعرفهم من ملامحهم، بل من الأشياء التي امتنعوا عن قولها. يحملون في صدورهم تاريخا كاملا من الخيبات، ومع ذلك يحدثونك عن الطقس والعمل وأخبار العالم، ويتجاوزون السؤال الوحيد الذي كان يمكن أن يفتح أبواب أرواحهم: كيف حالك حقا؟
ولعل أكثر ما يثير الأسى في التجربة الإنسانية أن بعض الناس يقضون أعمارهم في إقناع الآخرين بأنهم بخير، حتى يفقدوا القدرة على الاعتراف لأنفسهم بأنهم ليسوا كذلك.
لقد تعلموا مبكرا أن الألم الذي لا يجد من يحتضنه يتحول إلى عبء إضافي على صاحبه، وأن الشكوى حين تقع في الأذن الخطأ قد تصبح إهانة ثانية، وأن بعض القلوب التي حسبوها ملاذا كانت أول من استخدم ضعفهم ضدهم.
وهكذا نشأت داخلهم قناعة قاسية:
أن يكون الإنسان قويا طوال الوقت، حتى حين لا يبقى في داخله ما يكفيه ليواصل الوقوف…..
ولكن ما الذي يحدث للإنسان حين تتحول القوة من فضيلة يختارها إلى سجن لا يستطيع مغادرته؟
حين يضطر إلى أن يكون عاقلا في كل خلاف
ومتسامحا في كل إساءة
ومتماسكا في كل مصيبة
ومتاحا لكل محتاج
ثم يكتشف أن أحدا لم يفكر في السؤال عمن يسند ذلك الذي يسند الجميع؟
هنا تبدأ مأساة من نوع آخر؛ مأساة الإنسان الذي لم تعد له رفاهية الانهيار…
فالناس اعتادوا صلابته حتى حسبوها طبيعة لا جهدا، واعتادوا عطاءه حتى نسوا أن له احتياجات، واطمأنوا إلى قدرته على تجاوز الأزمات حتى صار ألمه أقل استحقاقا للاهتمام من آلام الآخرين……
وكلما نجح في الخروج من محنة، ازداد يقينهم بأنه لا يحتاج إلى أحد…..
يا للمفارقة!
أن يصبح نجاح الإنسان في النجاة سببا في حرمانه من حقه في أن يُنقذه أحد…
والأشد إيلاما أن هذا الإنسان قد يشارك الآخرين في ظلم نفسه….
يعتذر عن تعبه، ويخجل من حاجته، ويؤجل حزنه إلى موعد لا يأتي، ويعامل روحه كما لو كانت مؤسسة لا يجوز أن تتوقف عن العمل.
يخشى أن يطلب الاهتمام فيبدو متسولا للعاطفة، وأن يعترف بالخوف فيفقد صورته، وأن يقول “لقد تعبت” فيسمع ممن حوله ما هو أشد قسوة من التعب نفسه.
ثم تمضي السنوات، ويتحول الكتمان من وسيلة لحماية الكرامة إلى عادة تستنزف الحياة.
ذلك أن المشاعر التي لا نعترف بها لا تختفي بالضرورة، والوجع الذي نؤجل مواجهته لا ينتهي لمجرد أننا أحسنا إخفاءه…..
قد يظهر في نفاد الصبر، وفي العجز عن الفرح، وفي الارتياب من المحبة، وفي الشعور الغامض بالغربة حتى بين أقرب الناس.
وقد يبلغ الإنسان من التكيف مع الحرمان العاطفي درجة تجعله يرتبك أمام الحنان الصادق، ويشك في اليد التي تمتد إليه دون مقابل، ويبحث خلف الكلمات الطيبة عن ثمن مؤجل.
فمن عاش طويلا وهو يدفع ثمن كل شيء، يصعب عليه أن يصدق أن بعض الأشياء الجميلة يمكن أن تُمنح له لمجرد أنه إنسان يستحقها.
وهنا تتجلى إحدى أفدح خسائر القسوة: أنها لا تحرم الإنسان من الطمأنينة فحسب، بل قد تفسد قدرته على استقبالها حين تأتي.
ومع ذلك، ينبغي ألا نُمجّد الصمت لمجرد أنه يبدو نبيلا، ولا أن نخلط بين الصبر وإلغاء الذات…..
فليس كل كتمان حكمة، ولا كل احتمال فضيلة، ولا كل تضحية دليلا على سمو النفس….
هناك صبر يصون الكرامة، وصبر آخر يستهلكها…..
وهناك تسامح يحرر القلب من الضغينة، وتسامح يتحول إلى تصريح مفتوح للآخرين كي يكرروا أذاهم.
وقد تكون أشد صور القسوة على النفس أن يمنح الإنسان الآخرين من الأعذار ما لا يمنح نفسه من الرحمة.
ومن هنا يصبح السؤال الأخلاقي أعمق من مجرد الدعوة إلى الرفق بالمجروحين: كيف نتعامل مع الإنسان الذي لم يخبرنا أنه مجروح؟
هل ننتظر سقوطه كي نصدق أنه كان يحمل فوق طاقته؟
هل نشترط أن يبكي أمامنا حتى نعترف بحزنه؟
وهل أصبح التعب محتاجا إلى شهود، والألم محتاجا إلى أدلة، والاحتياج إلى مرافعة طويلة حتى يستحق صاحبه شيئا من العناية؟
إن كثيرا من الناس لا يحتاجون إلى من يحل مشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى من يرفع عنهم، ولو للحظة، واجب التماسك……
إلى علاقة لا يُمتحنون فيها كل صباح، ولا يُطالبون فيها بشرح أسباب حزنهم، ولا يُحاسبون على لحظات ضعفهم، ولا يضطرون فيها إلى تقديم نسخة ناجحة ومشرقة من أنفسهم حتى يبقوا محبوبين.
فأعظم ما تمنحه المحبة الناضجة للإنسان أن يشعر بأن قيمته لا تنقص حين تتراجع قدرته، وأن مكانته لا تهتز حين يعترف بعجزه، وأن له حقا في الراحة حتى لو لم ينجز شيئا يستحق المكافأة…..
وهذه منزلة من الأمان لا يبلغها كثيرون، مهما ازدحمت حياتهم بالأصدقاء والمعارف والمحبين…..
ولعل ما يجعل هذه القضية أعمق من مجرد تأمل أدبي أن علم النفس وجد ارتباطا بين الاعتياد على كبت التعبير عن المشاعر وبين انخفاض جودة العلاقات والدعم الاجتماعي، وإن اختلفت النتائج باختلاف الأشخاص والثقافات والظروف.
لكن ثمة حقيقة أشد مرارة من كل ذلك:
أن بعض الناس لا يموت فيهم الأمل دفعة واحدة، بل يتنازلون عنه بالتقسيط.
يتنازلون أولا عن حقهم في أن يُفهموا، ثم عن حقهم في أن يُواسَوا ويُخدموا ويُعتنى بهم، ثم عن حقهم في أن يعترضوا، حتى يصلوا إلى مرحلة لا يعودون فيها ينتظرون من أحد شيئا.
وقد يظن المحيطون بهم أنهم بلغوا أسمى درجات النضج والاستغناء، بينما تكون الحقيقة أنهم بلغوا أقصى درجات الخيبة من البشر.
وما أبعد المسافة بين إنسان لا يحتاج إلى السؤال لأنه مطمئن إلى المحبة، وإنسان توقف عن السؤال لأنه لم يعد يثق في الإجابة.
الأول غني بما وجد، والثاني متقشف بما فقد.
ولذلك فإن من أعمق صور الوفاء أن ننتبه إلى الذين لا يلفتون انتباهنا، وأن نسأل عن الذين لا يشتكون، وأن نمنح أصحاب الأكتاف التي اتكأ عليها الجميع فرصة لأن يجدوا كتفا يتكئون عليه.
وأن نفهم أن الإنسان الذي يضحك كثيرا قد يكون حزينا، والذي يعمل بلا توقف قد يكون هاربا من وجع، والذي لا يطلب شيئا قد يكون قد سئم الطلب..
والذي يقول :”أنا بخير” ربما يتمنى، في أعماقه، أن يجد من يعرف أن هذه العبارة ليست دائما جوابا، بل قد تكون آخر ما تبقى له من وسائل الدفاع عن نفسه.
وفي نهاية المطاف، لا ينبغي أن يكون أعظم إنجاز يحققه المرء في حياته أنه استطاع احتمال كل شيء.
فالحياة التي نقضيها في الاحتمال وحده تفقد كثيرا من المعاني التي تجعلها جديرة بأن تُعاش…
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل منا على نفسه ليس:
كم مرة استطعت أن أنهض بعد السقوط؟
بل: كم مرة حرمت نفسي من حق السقوط لأنني كنت أخشى أن أكتشف أن أحدا لن يمد يده إلي؟
وكم من عمر أنفقته في حماية صورتي أمام الناس، حتى أهملت الإنسان الحقيقي الذي يسكن خلفها؟
وكم مرة كنت رحيما بمن خذلني، وقاسيا على نفسي التي تحملت خذلانه؟
أعظم مصالحة يمكن أن يعقدها الإنسان مع ذاته أن يكف عن معاملتها بوصفها خصما يجب إخضاعه، أو آلة يجب تشغيلها، أو جنديا لا يحق له مغادرة المعركة.
أن يتعلم أن يستريح دون شعور بالذنب، وأن يطلب العون دون شعور بالمهانة، وأن يضع حدودا دون أن يخشى خسارة من لا يحترمها.
وأن يدرك أن الله الذي أمر بالصبر لم يأمر الإنسان أن ينكر ألمه، وقد قال يعقوب عليه السلام: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾.
فحتى الأنبياء عرفوا الحزن، وبكوا الفقد، وناجوا ربهم بما أثقل صدورهم…
ولم يكن الاعتراف بالألم نقصا في إيمانهم، كما لم يكن الصبر إنكارا لإنسانيتهم.
وأخيرا، أخشى أن بعضنا سيصل إلى آخر العمر وقد نجح في أن يكون سندا للجميع، لكنه لم يعرف يوما كيف يكون رحيما بنفسه.
سيكتشف أنه أمضى أجمل سنواته يثبت أنه لا ينكسر، بينما كانت روحه تتمنى أن تجد مكانا آمنا تستطيع أن تنكسر فيه دون أن تُهان.
وأن أشد أنواع الوحدة ليست أن تعيش بلا أحد، بل أن يعيش حولك كثيرون، ولا يعرف أحد منهم كم يكلفك أن تبدو بخير.
فيا أيها الذين حملتم الحياة على أكتافكم طويلا، لا تجعلوا آخر ما يتبقى من أعماركم ثمنا لصورة الإنسان الذي لا يتعب.
فليس مطلوبا منكم أن تظلوا جبالا حتى تستحقوا المحبة.
والجبل نفسه، على عظمته، لا تنبت على صخوره الحياة إلا حين يجد الماء طريقه إلى شقوقه.
وربما كان أعظم انتصار تحرزونه بعد كل هذه المعارك أن تستطيعوا، ذات يوم، أن تقولوا لمن تحبون: “لست بخير، وأحتاج إليكم”، دون أن تشعروا أنكم خسرتم شيئا من كرامتكم.
فليس أقسى من أن ينجو الإنسان من كل الذين آذوه، ثم يقضي بقية عمره يعامل نفسه بالقسوة التي تعلمها منهم….
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة