وبأي معيار؟
وهل يكفي أن ترفع جماعة شعار نصرة المظلومين حتى تصبح هي نفسها فوق المساءلة؟
* أعظم حيل الظلم أن يستعير لغة العدالة، وأن يقدم نفسه حارسا للمظلومين، ثم يطالب الناس بإعفائه من المحاسبة لأنه يقاتل ظالما آخر.
فهل تكتسب الوسيلة مشروعيتها من نبل الغاية؟
لقد عالج الفيلسوف إيمانويل كانط هذه المعضلة حين جعل كرامة الإنسان غاية في ذاتها، لا مجرد وسيلة لتحقيق أهداف الآخرين….
وفي تراثنا الإسلامي تأصيل أعمق من جهة التكليف الديني:
فلا يجوز أن تتحول حرمة النفس إلى مسألة تفاوضية، ولا أن يصبح الظلم مباحا لأنه ارتكب باسم قضية عادلة.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ ..
تأملوا دقة الخطاب القرآني: إنه لا يشترط زوال العداوة حتى يتحقق العدل، وإنما يوجب العدل مع بقاء العداوة.
ثم يذهب القرآن إلى امتحان أشد على النفس: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾
وهذا يعني أن صدق الإنسان في عدالته لا يقاس بمقدار إنصافه للبعيد وحده، وإنما بقدرته على محاسبة القريب الذي يميل إليه قلبه.
فإذا كنا نستنكر الاعتداء على اليمنيين، وجب أن نستنكر الاعتداء على السعوديين. وإذا رفضنا قصف المدنيين في صنعاء، وجب أن نرفض استهداف المدنيين في الرياض….
وإذا رفضنا انتهاك سيادة اليمن، فلا يصح أن نعد تهديد سيادة السعودية حقا مكتسبا لجماعة مسلحة.
فأي منطق أخلاقي يجعل سيادة اليمن مقدسة، وسيادة السعودية قابلة للابتزاز؟
وأي عدل يحرم العدوان حين يقع على طرف، ثم يعيد تسميته مقاومة حين يقع على الطرف الآخر؟
فالنقد السياسي ليس إقرارا بالإرهاب، كما أن الدفاع عن أمن السعودية لا يعني إقرار كل إجراء اتخذ باسم هذا الأمن.
وهنا يظهر الفرق بين العدالة بوصفها مبدأ، والولاء بوصفه انحيازا….
الولاء يسأل: من الفاعل؟
أما العدالة فتسأل: ماذا فعل؟ وبأي حق؟ وعلى من وقع فعله؟ وما الدليل؟
وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: “انصر أخاك ظالما أو مظلوما”. فلما سئل عن نصرة الظالم، قال: “تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره”.. رواه البخاري.
هذه القاعدة النبوية تهدم من جذوره مفهوم النصرة القائم على العصبية….
فمنع الظالم من ظلمه واجب حتى لو كان أخا في الدين أو الوطن أو المذهب.
وعليه، فإن نصرة الفلسطيني المظلوم لا تقتضي تبرئة الحوثي من انتهاكاته، كما أن نصرة السعودي المعتدى عليه لا تقتضي إنكار معاناة اليمني.
لا يجوز أن تكون غزة شهادة حسن سلوك تمنح لأي جماعة ترفع رايتها، ولا أن يصبح الدفاع عن الحرمين ذريعة لتعطيل مساءلة أي فعل يمس الأبرياء.
* ليست الطائفية مجرد انحياز إلى ضحايا مذهب معين، فقد يهتم الإنسان بأهله ومجتمعه أكثر من غيرهم بحكم القرب والروابط، وهذا مفهوم….
إنما تبدأ الطائفية المذمومة حين تتغير قيمة الدم في ضميره تبعا لهوية صاحبه، وحين تتغير أحكامه على الفعل الواحد باختلاف مذهب الفاعل والضحية.
ولهذا فإن القول إن نصرة الحوثيين واجب أخلاقي لمجرد أنهم يقدمون أنفسهم طرفا مظلوما، قول يحتاج إلى تفصيل وتمحيص….
كما أن اتهام كل من لا يناصر الحوثيين أو يدافع عنهم بأنه عميل أو مرتزق، فهذا مصادرة لحق اليمنيين وغير اليمنيين في الاختلاف، واحتكار لمعنى الوطنية، وتحويل للانتماء إلى الوطن من حق أصيل إلى شهادة ولاء تمنحها جماعة سياسية لمن يؤيدها وتسحبها ممن يعارضها.
فالوطن أوسع من أي جماعة، واليمنية أقدم من الحوثيين، والاختلاف مع سلطة الأمر الواقع لا يجعل الإنسان خائنا لأرضه وأهله.
وحين يصبح تأييد الجماعة شرطا للوطنية، تصبح الجماعة هي الوطن، ويصبح كل من يختلف معها غريبا في بلاده…..
وتلك بداية الاستبداد، حين يصادر طرف واحد حق الناس في تعريف أنفسهم والانتماء إلى وطنهم.
ومن يملك دليلا على خيانة أحد فليقدمه إلى القضاء، أما توزيع تهم العمالة والارتزاق على المخالفين، فليس حجة سياسية ولا موقفا وطنيا، وإنما اتهام يستوجب البينة…
والعدل لا يتحقق بتوزيع الاتهامات، وإنما بتحرير الوقائع، والتمييز بين المدني والمقاتل، وبين مسؤولية الجماعة ومسؤولية الفرد، وبين الحق في الدفاع المشروع وبين تجاوز حدوده.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190].
فحتى حين يقرر الشرع مشروعية القتال في موضعه، لا يجعل ذلك تصريحا مفتوحا بالاعتداء.
ومن هنا فإن مناقشة الحرب اليمنية لا تستقيم بتقديس طرف أو شيطنة شعب، ولا باختزال ملايين البشر في جماعة مسلحة، ولا بتحويل كل اعتراض على الحوثيين إلى طائفية، أو كل اعتراض على السعودية إلى عداء مذهبي.
إنها قضية حقوق وسيادة وأمن ودماء بشر، ويجب أن تخضع جميع الأطراف فيها لمعيار واحد.
الأخلاق يا أساتذة الأخلاق… هي التي لا تستطيع إدانة الظلم حين يصدر عن الطرف الذي تحبه، ليست أخلاقا مكتملة، وإنما ولاء يرتدي ثياب الفضيلة.
أما العدل الذي أمر الله به، فهو أن تقف مع المظلوم دون أن تمنح أحدا حصانة من المحاسبة، وأن تمنع الظالم من ظلمه ولو كان أقرب الناس إليك.
فليس السؤال: مع أي طائفة تقف؟
السؤال الذي يكشف حقيقة موقفك هو:
هل تستطيع أن تدين الفعل نفسه عندما يتبادل الظالم والمظلوم المواقع، دون أن تتبدل مبادئك بتبدل الأسماء؟
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة