من الذي تورط في #اليمن ، ومن الذي وَرّطَ اليمن كله؟
حين يقول المفكر السياسي عزمي بشارة إن السعودية تورطت في اليمن..
فمن حقّنا أن نسأله: من الذي صنع المأزق اليمني ابتداء، ومن الذي حوّل دولة عربية إلى ساحة مفتوحة للسلاح والانقلاب والتدخلات الخارجية؟
الكلمات في التحليل السياسي ليست بريئة من ترتيب المسؤوليات….
فحين تبدأ الحكاية من التدخل السعودي، يصبح ما سبقه مجرد خلفية تاريخية، وحين تبدأ من انهيار الدولة اليمنية وسيطرة الحوثيين على صنعاء، تتغير طبيعة السؤال كله.
والحقيقة تقول:
دخلت السعودية الحرب في مارس 2015 استجابة لطلب من الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، بعد أن أطاح الحوثيون، بالتحالف مع علي عبد الله صالح، بالعملية الانتقالية، وتقدموا عسكريا نحو عدن….
ويمكن مناقشة قرارات التدخل، وأخطاء إدارة الحرب، وكلفتها الإنسانية والسياسية، دون أن نمحو هذه الحقيقة المؤسسة.
بل إن عزمي بشارة نفسه يُقرّ بأن الحوثيين انقلبوا على مخرجات الحوار الوطني، وينتقد ممارساتهم في تعز….
وهنا بالضبط تكمُن المفارقة التي تستحق مساءلته:
إذا كان أصل الانهيار معروفا، فلماذا تستحوذ فكرة تورط السعودية على مركز التحليل، بينما لا تحظى مسؤولية الجماعة التي قوّضت الدولة بالوزن التفسيري ذاته؟
ثم ما معنى التورُّط بالنسبة إلى دولة تشترك مع اليمن في حدود طويلة، وتتعرض مدنها ومنشآتها لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة؟
وهل يمكن التعامل مع أمن الحدود السعودية باعتباره مجرد خيار سياسي كان بالإمكان تجاهله؟
لا يعني ذلك أن كل قرار عسكري سعودي كان صائبا، أو أن معاناة المدنيين اليمنيين يمكن تبريرها باسم الأمن الوطني….
فالدولة مسؤولة عن أفعال قواتها، والجماعة المسلحة مسؤولة عن أفعالها، وحقوق المدنيين لا تتغير بتغير الرايات.
لكن الإنصاف يقتضي ألا نساوي بين مساءلة دولة عن كيفية تدخلها، ومساءلة جماعة عن استيلائها على مؤسسات دولة أخرى، وفرض سلطتها بقوة السلاح، وتحويل الأراضي اليمنية إلى مصدر تهديد عابر للحدود.
البعص يقول هل انتقد عزمي بشارة إيران مثلما ينتقد السعودية؟
نعم .. انتقدها بشارة بالفعل، ومن غير المُنصف إنكار ذلك….
غير أن السؤال الأعمق يتعلق بالمكانة التي يحتلها المشروع الإيراني في تفسيره للأزمة اليمنية….
فالدعم الخارجي للحوثيين، وما ترتب عليه من تعزيز قدراتهم العسكرية، لا يمكن أن يبقى تفصيلا ثانويا في أي قراءة جادة لأمن الجزيرة العربية.
وثمة مسألة أخرى في حديثه عن استحالة حكم اليمن باستبعاد الحوثيين…
نعم، لا يمكن بناء سلام مُستدام بتجاهل وجود جماعة تسيطر على أرض وسكان… لكن الاعتراف بوجودها الاجتماعي والسياسي لا يمنحها حق الاحتفاظ بجيش مستقل أو فرض إرادتها على بقية اليمنيين.
فإذا كانت المشاركة السياسية حقا، فإن احتكار السلاح خارج مؤسسات الدولة ليس حقا موازيا….
وأي تسوية تتجاهل هذا الفرق قد تنهي جولة من القتال، لكنها تترك أسباب الجولة التالية قائمة.
ولعزمي بشارة كامل الحق في نقد السعودية، مثلما لنا الحق في نقد منهجه واستنتاجاته…. فمكانة المفكر لا تعفيه من الأسئلة، ولا تمنح عباراته حصانة من المراجعة.
وأحسب أن المعيار الأكثر عدلا لقراءة الحرب اليمنية هو ألا تختزل مأساة اليمنيين في أخطاء التحالف، وألا تختزل معضلة السعودية في رغبتها في الخروج من حرب مكلفة، وألا تتحول الدعوة إلى التسوية إلى اعتراف دائم بنتائج القوة المسلحة.
لقد دفعت السعودية كلفة الحرب، ودفع اليمنيون كلفة أشد فداحة….
لكن فهم الكلفة لا يبدأ من لحظة دفعها، بل من القرارات التي صنعت أسبابها.
وإذا كان السؤال: هل تورطت السعودية في حرب طويلة؟
فالجواب أن التدخل أصبح بالفعل عبئا استراتيجيا وإنسانيا بالغ الكلفة…
أما السؤال الذي ينبغي ألا يغيب فهو: من الذي وَرّط اليمن في انهيار دولته، ثم جعل أمن جيرانه ومستقبل أبنائه رهينة لبندقيته التي دفع ثمنها عدوّ أشدّ غدرا من حاملها؟
هناك تبدأ المحاسبة المنصفة، وهناك ينبغي أن يبدأ أي مشروع جاد للسلام…
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة