أيها الأردنيون الكرام …
لا تجعلوا من دماء الأبرياء محاكم تفتيش ولا تدخلوا في نوايا الخلق..
والله إنها لفتنة وظُلم وسوء ظن.. أن يتحول الحزن على الأبرياء إلى سلطة على ضمائر أبرياء آخرين، وأن يصبح الانتصار للمظلوم امتحانا لعقائد الناس ونواياهم، حتى لا يكفي المرء أن يدين الجريمة ويواسي أهلها ويرفض سفك الدم، بل يُطالَب بأن ينطق بالكلمات التي يختارها له غيره، وإلا وضع في قفص الاتهام…
ومشكوك بأمره وبأمر كُل ما يقول ويفعل..
منذ متى كانت المواطنة امتحانا في الألفاظ، وكان صدق الانتماء يقاس بمدى تطابق العبارات لا بصدق المواقف؟
إن الالتزام بحكم شرعي يعتقده الإنسان، ما دام لا يتضمن أذى أو تحريضا أو انتقاصا من حقوق الآخرين، حق لا يجوز مصادرته، ولا سيما إذا كان صاحبه واضحا في إدانة القتل، طيبا في عباراته، صادقا في تعاطفه مع جميع مكونات وطنه.
قال ربّ العزة: “ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا”، وقال سبحانه: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾**.
فيا أهل السُلطة في بلدي الأردن ومن يُحيط بهم ..
لا تُرهقوا الناس بالتفتيش في نواياهم، ولا تُحمّلوهم وِزر مجرم لم يعرفوه، ولا تجعلوا من التمسك بالعقيدة شُبهة تستوجب الدفاع عن النفس.
وقد بلغ الأمر ببعضهم أن يستشهد بكلمات جلالة الملك، ثم يتحدى الآخرين أن يخالفوا ألفاظها إن كانوا يجرؤون!
كأن خطاب الملك، الذي ينبغي أن يكون موضع جمع للكلمة وصون للوحدة الوطنية، تحول عند هؤلاء إلى أداة لامتحان الضمائر وملاحقة الناس في اختياراتهم الدينية.
إن احترام الملك وموقفه لا يعني أن تتحول عباراته إلى صيغة إلزامية يطالب كل مواطن بترديدها حرفيا، ولا أن يصبح اختلاف التعبير عن الحزن دليلا على تأييد الإرهاب… !!
وهذا توظيف مُؤذٍ لمقام الدولة وللموقف الوطني، ولا يخدم إلا الفتنة التي يفترض بنا جميعا أن نطفئها….
وفي الإنجيل نص يقول: “لا تحكموا حسب الظاهر بل احكموا حكما عادلا”
(يوحنا 7:24).
فكيف نستدعي العدل لإنصاف الضحايا، ثم نغيب العدل عندما نحاكم نوايا الأحياء؟
وأقولها بوضوح: المسجد ليس مسؤولا عن جريمة كل من صلى فيه، كما أن الكنيسة ليست مسؤولة عن جريمة كل من دخلها.
ومراكز تحفيظ القرآن ليست مُتهمة حتى تثبت براءتها، كما أن التدين المسيحي ليس موضع ريبة أو اتهام.
وأما المدنيون الذين اعتلت أرواحهم في العمليات العسكرية، في الأردن أو سوريا أو غيرهما، فلهم الحق ذاته في الحماية والإنصاف والغضب وإدانة من يرون أنه ظلمهم والتحقيق العادل…
فلا يجوز أن يصبح دم أطفال درعا أقل حرمة من دم أهل الكرك، ولا أن تتبدل قيمة الحياة الإنسانية بتبدل الحدود والرايات…..
وإني أدعو أجهزتنا الأمنية، وأتوجه إلى كبير قومي ووليّ أمر بلدي وأهلي، جلالة الملك عبد الله الثاني، قائد هذا البلد الطيب، أن تبقى حماية السلم الأهلي شاملة للجميع، وألا يسمح القانون بالتطاول والتحريض على الإسلام، دين الدولة ورسالة أجداد هذا البيت الهاشمي الكريم، ولا على المسلمين والمتدينين منهم، ولا على المسيحية والمتدينين المسيحيين، ولا على أي مواطن مخلص لوطنه وأبناء وطنه….
فالمطلوب أن يُحاسب من يثبت تحريضه على العنف وتهديده للناس والتقليل من شأنهم أو التعالي على جراحهم، لا أن يُحاسَب الإنسان على عقيدته أو على كلمات لم ينطق بها…ولا يُجبر على قول عبارة تُخالف مبدأ لديه يعتقد أنه يستطيع قولها ولكن بطريقة لا تُخالف نهجه أو ما يؤمن به..
ليس من حق المُتطرف باسم الدين أن يفرض ضوابط ومصطلحات عقيدته على الناس، وليس من حق المُتطرف باسم العلمانية أن يفرض على المتدين التخلي عن أحكام دينه والنُطق بعبارات محددة وكأنها جهاز لكشف الكذب!!
ولا يجوز أن تتحول حماية التعددية إلى عداء للتدين، ولا حماية التدين إلى عداء للتعددية….
لقد دفع الأبرياء الكُرماء في “حمود .. الكرك” من دمائهم ثمنا فادحا، فلا تجعلونا ندفع من وحدتنا الوطنية ثمنا آخر….
فالأوطان لا تتصدع لأن أبناءها يختلفون فيما يعتقدون، وإنما تتصدع حين يقرر بعضهم أن اختلاف الآخر جريمة، وأن ضميره ملك لهم، وأن عليهم أن يفتشوا في قلبه قبل أن يعترفوا له بحقه في وطنه…
ارحموا هذا البلد من المزايدات، واتركوا للناس ضمائرهم، وللقضاء اختصاصه، وللدين حرمته، وللوطن حقه في أن يبقى بيتا يتسع للجميع.
فليس أخطر على الأردن من مجرم يقتل باسم الدين، إلا أن نسمح لجريمته بأن تفتح باب خصومة بين أهل الدين الواحد وأبناء الوطن الواحد….
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة