رسالة إلى الذين يتوهمون أن الدم الحرام طريق إلى التمكين….
أريد أن أسأل الذين يستبيحون دماء المسيحيين، والذين يجدون في كتب الدين ما يتوهمون أنه يبرر قتلهم:
ماذا سيعود على الإسلام من فضل أو عزة أو تمكين، إذا دخل مسلح إلى كنيسة في الكرك، وأطلق الرصاص على مدنيين اجتمعوا للصلاة وتوديع ميت؟
أي آية سيُعليها بهذا الفعل؟ وأي سُنة سيحييها؟ وأي مصلحة للمسلمين سيُحققها حين يُحوّل بيت العبادة إلى مأتم جديد، ويجعل أبناء وطن واحد يدفنون قتلاهم ويتساءلون عما اقترفوه حتى تستباح دماؤهم؟
هل نصرة الدين عند بعض الناس أصبحت في أن يعصي المرء ربه، ثم ينتظر منه ثواب الطاعة؟!
إنني أخاطب هنا من يظن أن اختلاف العقيدة يرفع حرمة النفس، ومن يتصور أن قتل المسيحي المسالم قربة إلى الله….
وأقول له: قبل أن تفتح كتب الفتاوى بحثا عما تقتطعه منها، افتح كتاب الله الذي تزعم أنك تغار عليه….
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: 33].
فمن الذي أعطاك الحق في إهدار دم مواطن يعيش في بلده آمنا، لم يعتدِ عليك ولم يحمل عليك سلاحا؟
وقال سبحانه: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8].
تأملوا: أن تبروهم وتقسطوا إليهم….
فأي مسافة تفصل بين البر الذي أمر الله به، والرصاص الذي يصوب إلى صدورهم؟
وفي صحيح البخاري يقول رسول الله ﷺ: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما»….
فهل تدركون معنى هذا الوعيد؟
إن النبي ﷺ لم يجعل قتل صاحب العهد بطولة، ولم يعد قاتله بتمكين أو فتح أو نصر، وإنما توعده بحرمان عظيم.
والمسيحي الأردني مواطن له حرمة دمه وأمانه وحقوقه، وتؤكد أحكام العهد والأمان في الفقه الإسلامي صيانة هذه الحقوق، فضلا عن الحماية التي تكفلها له المواطنة والقانون.
فكيف يستخرج جاهل من اختلاف العقيدة إذنا بالقتل، وقد جاءت النصوص بحفظ الدماء والوفاء بالعهود؟
ثم إن القرآن حين تحدث عن دفع العدوان، ذكر مواضع عبادة أتباع الديانات المختلفة، فقال تعالى:
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: 40].
إن ذكر الكنائس وأماكن العبادة الأخرى في هذا السياق القرآني يجعل الاعتداء عليها أبعد ما يكون عن دعوى حماية الدين.
فكيف يتقرب إنسان إلى الله بهدم الأمان الذي جعل دفع العدوان وسيلة لحفظه؟
وإذا كنت تتوهم أن قتل هؤلاء المدنيين يحقق مصلحة للإسلام، فدعني أحدثك بلغة الفقه التي تتذرع بها.
قرر العلماء أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها.
لكن المصلحة الشرعية لا تنشأ من هوى صاحب السلاح، ولا يملك إنسان أن يسمي جريمة القتل مصلحة ثم يطالبنا بتصديق تسميته.
فالوسيلة المحرمة لا تصبح مشروعة لمجرد أن مرتكبها رفع شعارا عظيما.
ومن القواعد الفقهية أن الضرر لا يزال بالضرر، وأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح عند التعارض بضوابطه.
فأين المصلحة المعتبرة في قتل مصلين مسالمين؟
هل سيتحول المسيحيون إلى الإسلام حين يشاهدون أبناءهم يقتلون في كنائسهم؟
هل ستزداد ثقة الناس بعدل الإسلام حين يرون من يدعي نصرته ينتهك حقوقهم؟
هل ستقوى أمة المسلمين حين تصبح حياة الأبرياء عند بعض المنتسبين إليها رهينة تأويل متطرف؟
إنك لا تستطيع أن تخدم دينا يأمرك بالعدل عن طريق الظلم، ولا أن تنصر شريعة تحرم العدوان بارتكابه.
ولمن يفتش عن عبارات لابن تيمية أو محمد بن عبد الوهاب أو غيرهما ليجعلها غطاء لاستباحة المدنيين، أقول:
إن الفتوى ليست قطعة سلاح تخرجها من سياقها لتصوبها حيث تشاء.
للنصوص شروط، وللأحكام مناطات، وللوقائع ظروف، وللدماء حرمات لا ترفعها شهوة الانتقام.
وليس كل حكم ورد في شأن محارب ينطبق على مسالم، ولا كل كلام قيل في ظرف حرب يصلح لإنزاله على مواطن يعيش في عهد وأمان.
وقد نهى النبي ﷺ عن قتل النساء والصبيان في الحرب، كما ثبت في الصحيحين.
فإذا كان القتال نفسه مقيدا بضوابط شرعية، فمن أين جئت بحق قتل أناس اجتمعوا في كنيسة لتشييع ميت؟
إنك حين تبحث عن رخصة للقتل قبل أن تبحث عن حرمة الدم، تكون قد جعلت رغبتك حاكمة على النص، ثم ادعيت أنك تحكم بالنص.
ولنتحدث عن التمكين الذي يكثر ذكره في خطاب المتطرفين.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: 41].
فالتمكين في هذا التصور مسؤولية أخلاقية تقيم العدل وتصون الحقوق….
وما قيمة القوة إذا تحولت إلى قدرة على قتل من لا يقاتل؟
وما معنى النصر إذا كان ثمنه انتهاك ما حرم الله؟
إن العزة التي يتحدث عنها القرآن لا تحتاج إلى جثث المدنيين لإثبات وجودها.
والإسلام الذي امتد في التاريخ قرونا لم يكن محتاجا إلى مسلح يقتحم جنازة في الكرك حتى يثبت قوته.
فإن كان هؤلاء القتلة يزعمون أنهم يعملون لنصرة الإسلام، فليخبرونا عن وجه النصرة في يتم طفل، وترمل امرأة، وثكل أم، وانكسار بيت كان أهله مجتمعين للعزاء.
أما إذا ثبت أن المنفذين أدوات في يد جهاز استخباراتي أو جهة تسعى لإشعال فتنة، فإن ذلك يضيف إلى الجريمة بعدا آخر من التخطيط والخيانة، دون أن يغير الحكم الشرعي على قتل الأبرياء.
وإن ثبت أنهم تحركوا بدافع تكفيري، فلا يجوز أن تصبح عقيدتهم المزعومة ستارا يمنع محاسبتهم.
وإن كانوا أردنيين، فإن المواطنة التي جمعتهم بضحاياهم تجعل الاعتداء على أبناء بلدهم جريمة في حق الأرواح التي أزهقت، وفي حق الأمان الذي يفترض أن يحفظه الوطن لجميع أبنائه.
وفي جميع الأحوال، تبقى المسؤولية الجنائية رهينة الأدلة والتحقيق، ولا يجوز تحميل تيار ديني بأكمله جريمة لم تثبت صلته بها.
يا من تتوهم أن الله يحتاج إلى بندقيتك لتنتصر كلمته…
لقد أغنى الله دينه عن ظلمك، وجعل للناس حقوقا لا تستطيع إسقاطها بتكفير أو تحريض.
وتذكر قول النبي ﷺ: «اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة»، رواه مسلم.
وإن كنت تريد أن تدعو إلى الإسلام، فتأمل كيف قدم القرآن أخلاق الدعوة:
﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125].
فكيف تحولت الحكمة إلى رصاص، والموعظة إلى جنازة، والدعوة إلى قتل من لم يرفع في وجهك سلاحا؟
إن أبلغ ما يمكن أن أقوله لمن يبرر هذه الجريمة باسم الدين:
لن يسألك الله يوم القيامة عن عدد المسيحيين الذين أرعبتهم، وإنما ستسأل عن الدم الذي أرقته، والنفس التي اعتديت عليها، والعهد الذي انتهكته، والظلم الذي ارتكبته.
وأما أهلنا المسيحيون في الكرك، فهم أهلنا في الأرض والوطن والذاكرة، وحقهم في الحياة والعبادة والأمان لا يتوقف على رضا متطرف أو تفسير جاهل.
كل التضامُن مع ذوي ضحايا كنيسة حمود، أحسن الله عزاءكم و نسأل الله أن يجبر كسر قلوبكم، ويشفى جرحاكم ، ويحفظ الأردن بكل أبنائه.
اللهم لا تجعل من يزعم نصرة دينك سببا في ظلم عبادك، ولا تجعل بيوت عبادتك ساحات للقتل، وأقم في أرضنا عدلا يحمي الإنسان، ويصون العهود، ويرد المعتدي عن عدوانه.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة