لئن عجت كتب الفلاسفة الغربيين بالجدل حول ثبات الموجودات أو التغير الدائم للموجودات، فإن المنهج الإسلامي يجمع بين الثوابت والمتغيرات، بين الأصول العقائدية الثابتة وبين الاجتهاد في الفروع والتفاصيل والتطبيقات.
لكن ثمة مشكلة يتلبس بها كثير من الحريصين على الدين، وهو الخلط بين الثوابت والمتغيرات، فأنزلوا فروع الشريعة التي يسوغ فيها الخلاف منزلة الأصول التي لا يسوغ فيها الخلاف، وجعلوا من خياراتهم الفقهية التي يتبنونها ثوابت يفاصلون ويوالون ويعادون عليها وهي لا تعدو أن تكون من المسائل الخلافية التي لم يأت فيها نص قطعي الثبوت قطعي الدلالة.
من المؤسف حقًا أن نرى تلك المعارك الفقهية في مسائل خلافية لم يحسم فيها الخلاف منذ الصدر الأول، وكل من أدلى فيها بدلوه من العلماء فإنما كان عن اجتهاد منه، ما بين مصيب له أجران، ومخطئ له أجر، لكننا بدلًا من أن نتعامل معها كما تعاملوا معها من مراعاة الخلاف وعدم التشغيب على المخالف، جعلناها نحن موضعًا للتناحر ومنطلقًا للتبديع والتفسيق.
يقول الصحابي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: قال النبي صلى الله عليه وسلم لنا لما رجع من الأحزاب: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة» فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم، فلم يعنف واحدا منهم”.
هذا الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم قد اجتهد الصحابة في تحديد دلالته والمقصود منه، فاجتهد بعضهم وذهب إلى أنه يحثهم على الإسراع فصلوا في الطريق حتى لا يفوتهم وقت الصلاة، واجتهد آخرون في تحديد دلالته فوقفوا عند ظاهر النص النبوي ولم يصلوا العصر إلا في بني قريظة.
النبي صلى الله عليه وسلم حتمًا كان له مقصود واحد، لكنه هنا يؤسس للأمة كيفية التعاطي مع موارد الاجتهاد، فلذا لم يعنف أحدًا من الفريقين.
الاختلاف في الفروع من سعة الشريعة، ولو كانت كل أحكامها محسومة للحقت المشقة بالناس، فإن من شأن الاختلاف في مسائل الفروع استيعاب أحوال الناس، فما يفتي به العالم في المسائل الخلافية قد يكون أنسب لأحوال الناس في بلده دون غيره، أو يصلح بحق شخص دون غيره، فربما كان مذهب المفتي أو العالم مثلا أنه يرى وقوع الطلاق حال الحيض أو حال طهر حدث فيه الوطء، ولكن لأن المسألة خلافية فقد يأتيه أحدهم وقد طلق للمرة الثالثة، وهنا قد يفتيه بالرأي الآخر وهو عدم الوقوع إذا كان في حيض أو طهر حدث فيه الوطء، صيانة للأسرة من التفكك، فهذا من عظمة الإسلام وتوسعته على الناس.
أضف إلى ذلك، أن اتساع مساحة المسائل الخلافية في الفروع يفتح الباب أمام الاجتهادات وإعمال العقل البشري، وهو الميدان الذي يتفاوت فيه العلماء، فلم يجعل الله تعالى الشريعة جامدة.
هناك مسائل لا يسوغ فيها الخلاف، وهي أصول الاعتقاد الثابتة بالنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة، مثل أركان الإيمان والرسالة وعصمة القرآن، وكذلك أصول التشريع الثابتة مثل الصلاة والزكاة والصيام والحج، وكل ما ثبت بنصوص قطعية الثبوت والدلالة مما أجمعت عليه الأمة.
أما ما لم يرد فيه نص صريح، وما ورد من نصوص تختلف إزاءها أفهام وتأويلات أهل العلم، فهي من موارد الاجتهاد التي يسوغ فيها الخلاف، شرط أن يكون لها حظ من النظر لا بالأهواء.
أنا لا أرتدي هنا ثوب الوعظ، ولا أدعي أنني من أهل العلم، لكنني أسوق هذا التفصيل بسبب العبث الذي نراه في حياتنا في مسائل اختلف فيها الأولون، فينشب الشجار والعداء حول حكم تغطية وجه المرأة، وإسبال الرجل ثوبه، وصبغ الشعر بالسواد، وهيئة الهوي إلى السجود هل باليدين أم الركبتين، والوضوء من أكل لحم الإبل، إلى آخره، وكلها ليست من مسائل الإجماع.
لقد حملني أيضًا على الكتابة في هذا الشأن، أن كثيرًا من المسائل التي كنت أراها قولًا واحدًا، تبين لي أنه قد اختلف فيها العلماء وقال بخلافها جهابذة منهم ولكل منهم أدلته، لذلك أنصح كل من ينافح عن رأي عالم أن يتريث قبل الإنكار على غيره، فربما يكون “في المسألة خلاف”.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة