إحسان الفقيه وكفرأبيل … قصة لم تُروَ بعد ..

كلما تقدمتُ في السِن، وأمعنتُ في تفاصيل ومراحل الابتعاد عن المكان الذي بدأتُ فيه حياتي، ازددت اقتناعا بأن الإنسان قد يغادر جغرافيا كاملة، لكنه يعجز أحيانا عن مغادرة متر واحد من طفولته…..

خرجتُ من قرية صغيرة بعيدة في شمال الأردن… لا يدري عن أمر بؤس أهلها وطيبتهم وفوضاهم الجميلة أحد..

من عالم يعرف فيه الناس بعضهم بأسماء آبائهم وأجدادهم، ويعرفون أحوال بعضهم من وجوههم قبل أن يسألوا….

خرجت إلى مدن كثيرة، وعرفتُ مجتمعات مختلفة، وجلستُ إلى أناس تتقدم أسماءهم الألقاب والمناصب من كُل دول العالم ومن مُختلف الأديان والثقافات… وقرأتُ في السياسة والتاريخ والاجتماع وعلم النفس والفلسفة وغرقتُ في كُتب ابن تيمية وعشقتُ كبرياء ابن الخطاب وجَلَد البُخاري وإنصاف الذهبي، وكتبتُ عن الدول والحروب والاقتصاد والدين والعلاقات الدولية والسياسة.

لكن شيئا عجيبا ظل يحدث لي طوال هذه السنوات….

كلما رأيتُ رجلا متعبا يحمل أدوات عمله، تذكرتُ رجال قريتي بل وخطر ببالي أبي…

وكلما رأيت امرأة تستعجل الحافلة في الصباح، حضرت في ذاكرتي نساء عرفتهن وهن يخرجن طلبا للرزق في المصانع والمدارس ومؤسسات الدولة أو طلبا للعلم في الجامعات القريبة والبعيدة ..

وكلما سمعت رجلا مُسنا يتحدث بلهجته البسيطة بلغة لا أُجيدها، شعرتُ أن بيني وبينه قرابة لا تحتاج إلى معرفة سابقة….

وأحيانا، وأنا أجلس في بهو فندق بالغ الفخامة، أو في مطعم لا يرتاده إلا أبناء طبقة لم أنتمِ إليها يوما، وإن استطعت أن أجلس بينهم، أجد عيني تنصرف عما يفتن سواي، وتذهب إلى أولئك الذين تقوم على أكتافهم رفاهية المكان، بينما لا يكاد أحد يلتفت إلى وجودهم.

إلى العامل الذي يحمل الأطباق كأنه يحمل معها أعباء بيت ينتظر عودته ويستقبله كُل يوم كملك …

وإلى المرأة التي تمحو آثار الآخرين عن الأرض، ولعلها لم تجد في حياتها من يمحو عن قلبها أثر تعب واحد….

وإلى الفتاة التي تستقبل الزبائن بابتسامة تدرّبت عليها بإتقان، وتقودهم إلى طاولاتهم المحجوزة سلفا… بينما لا تدري إن كانت الحياة قد حجزت لها مكانا بين أحلامها المؤجلة….

وإلى الحارس الذي يقف ساعات طويلة على قدميه، يحرس أبواب الرفاهية التي قد لا يستطيع عبورها يوما “كضيف” مهما قدّم لذلك المكان من خدمات عالية الأهمية…

وإلى موظف صف السيارات الذي يتسلم مفاتيح مركبات قد يساوي ثمن إحداها حصيلة أعوام من عمره، فيقودها أمتارا قليلة إلى مواقفها، ثم يعود ماشيا إلى موضعه، منتظرا “بقشيشا” أو إكرامية سخية من زبون لا يعرف أن تلك الإكرامية قد تساوي الفرق بين دواء يؤجل شراؤه وحاجة يستطيع قضاءها….

أراقب ذلك الشاب وهو يفتح الأبواب لأناس يملكون من الدنيا ما يكفيهم كي لا يلتفتوا إلى من يفتحها… وأتساءل: كم مرة اضطر إلى أن ينحني بجسده قليلا كي لا تنحني كرامته أمام الحاجة؟

وكم حلما كبر في صدره كلما جلس خلف مقود سيارة فارهة، ثم انكمش حين أعاد المفتاح إلى صاحبه، وعاد إلى راتبه الصغير وحياته التي تنتظره خارج أضواء المكان؟

وأفكر في المفارقة التي لا تكف عن إيلامي:

أن بعض الناس يدخلون هذه الأمكنة ليستريحوا من حياتهم، بينما يدخلها آخرون ليحتملوا حياتهم….

وأن الطاولة نفسها التي يجلس إليها أحدهم لينسى همومه، يقف عندها آخر محاولا ألا تظهر همومه على وجهه.

ولست أزعم أن كل ثري غافل، أو أن كل عامل بائس؛ فالأرزاق لا تختصر النفوس، ولا تمنح الحاجة صاحبها فضيلة تلقائية، كما لا تسلب النعمة صاحبها إنسانيته…

لكنني أعرف أن للرزق وجها لا يظهر في الفواتير، وللكرامة امتحانات يومية لا يعرفها إلا من اضطر إلى أن يبتسم وهو متعب، وأن يقول “تفضل” لمن لم يكلف نفسه عناء النظر في وجهه….

ولعل القرية التي خرجتُ منها هي التي تفعل بي كل ذلك… بل هي المسؤولة عن كُل ما أقول وأكتب…

فأنا، مهما اتسعت حولي الموائد، لا أستطيع أن أنسى الأيدي التي كانت تعجن الخبز، ولا الظهور التي انحنت فوق التراب الأحمر في السهول، ولا الرجال الذين عادوا آخر النهار يحملون تعبهم بصمت برفقة الزوجات المُخلصات، ولا النساء اللواتي خبأن احتياجاتهن حتى لا يُثقلن على بيوت بالكاد تتسع لأحلام أهلها.

لهذا لا تدهشني فخامة المكان بقدر ما يستوقفني الإنسان الذي لا يراه أحد فيه…

وكلما ارتفعت حولي مظاهر الثراء، وجدت شيئا في داخلي ينحني احتراما لأولئك الذين لم ترفعهم الحياة إلى مقاعدها الوثيرة، لكنهم يرفعون كل صباح على أكتافهم حياة الآخرين.

وربما لهذا أيضا، لم أستطع أن أنتمي تماما إلى عالم يقيس مكانة الإنسان بالمقعد الذي يشغله، وأنا ابنة قرية علمتني أن أنبل الناس قد يكون واقفا طوال الوقت، وأن أكثرهم استحقاقا للجلوس قد يكون هو الذي يقدم الكرسي لغيره.

لقد استطعت أن أغادر القرية، وأن أدخل الأمكنة التي لم يكن فقراء قريتي يحلمون بدخولها، لكنني لم أستطع، ولا أريد، أن أدخلها بعين لا ترى الذين يشبهونهم.

فكلما رأيت واحدا من هؤلاء، شعرت أن أحدا من قريتي قد سبقني إلى المكان، وأن جدي وجدتي ما زالا يربيان عيني، حتى بعد أن غابا عن الدنيا.

أراقبهم دون أن يشعروا، وأتساءل عما ينتظرهم في بيوتهم، ومن يسأل عن تعبهم، وكم مرة اضطروا إلى إخفاء وجعهم حتى لا يتعطل رزقهم.

صدقوني … لم أتعلم هذا في الكتب….

تعلمته في قرية كان التعب فيها لغة مشتركة، وكان الناس يعرفون قيمة الرغيف لأنهم يعرفون الطريق الطويل الذي يسلكه حتى يصل إلى المائدة.

أذكر الفلاحين في قريتنا، أو لعلني أذكر ما بقي منهم في داخلي أكثر مما أذكر ملامحهم الحقيقية.

أيديهم الخشنة، وأظافرهم التي تحتفظ بشيء من تراب الأرض مهما غسلوها، ووجوههم التي رسمت عليها الشمس خطوطا لم تكن الشيخوخة وحدها مسؤولة عنها.

كان الرجل يخرج إلى أرضه في الصباح، يحمل معوله، أو يقود دابّته، أو يتفقد زرعه، ويعود في آخر النهار وعلى ثيابه آثار يوم كامل من الشقاء وأُمنيات البُسطاء التي تتشابه دائما ولا تتحقق أبدا.

وكانت الأرض عند هؤلاء شيئا أكبر من ملكية مسجلة في دائرة الأراضي.

كانوا يقولون: “الأرض بدها نفس طويل”، و”اللي ما بتعب على أرضه ما بتطعميه”…

لم يكونوا يتحدثون عن فلسفة العمل، لكنهم عاشوا معناها قبل أن نقرأ عنه.

وفي الحظائر كانت الأبقار تعرف مواعيد أصحابها، وكانت النساء يعرفن من صوت البقرة إن كانت جائعة أو عطشى أو تنتظر أن تحلب….

وكانت رائحة التبن والشعير وروث المواشي تختلط برائحة الخبز الخارج من أفران الطابون، فلا يجد أحد في ذلك غرابة…..

وفي أطراف القرية، كان الرعاة يمضون وراء قطعان الغنم، يحمل أحدهم عصاه، ويتدلى من كتفه كيس صغير فيه خبز وزيتون، وربما شيء من الجبن، ويعرف الطريق إلى المراعي كما يعرف الإنسان طريقه إلى بيته.

وكان لصوت الراعي وهو ينادي غنمه، ولثُغاء الخراف، ولرنين الأجراس في أعناق بعض الماشية، حضور في يومنا يشبه حضور الأذان وأصوات الناس….

لم أكن أعرف يومها أن هذه الأصوات ستصبح، بعد عقود، من أثمن الأشياء التي أبحث عنها….

أتذكر جدي وجدتي….

وأحيانا أظن أن الإنسان لا يرث عن أجداده الأرض أو الاسم أو ملامح الوجه فحسب، بل يرث طريقة النظر إلى الحياة….

أتذكر تلك اللهجة الأردنية القروية القديمة التي كانت الكلمات فيها تخرج من الفم كأنها امتداد للأرض نفسها….

“وين رايحة يابا؟”

“شو مالتش جدوه”..” لويش بارمه براطمتش””

“ديري بالتش ع حالتش يا بنت”

“مش تطشي من بيت اصقع لبيت ارقع”

“الله يرضى عليتش”

“الله يستر عليتش”

“ريتش تصيري دكتوره”

كانت العبارات قليلة… لكن وراء كل واحدة منها تاريخا من التجربة والرضا والكدح والخيبات…..

كان كبار السن يعرفون كيف يختصرون الحياة في جملة لا تحتاج إلى شرح.

ولم تكن جدتي بحاجة إلى أن تقرأ في علم النفس لتعرف أن الإنسان المكسور يحتاج إلى كلمة طيبة…

ولا كان جدي بحاجة إلى دراسة الاقتصاد ليعرف أن الدين ثقيل على صاحبه، وأن الرزق القليل إذا دخله البركة كفى….

ولستُ أريد أن أجعل من الفقر فضيلة في ذاته، ولا من قسوة الحياة حكاية رومانسية.

فقد كان في تلك البيوت حرمان حقيقي، ونساء أنهكهن العمل، ورجال كسرت ظهورهم المسؤوليات، وأطفال حرموا من أشياء كثيرة….

لكنني كلما قارنت بين ما امتلكه أولئك الناس وما امتلكته أجيال لاحقة، وجدت نفسي أمام سؤال لا يفارقني:

كيف استطاع أناس لا يملكون إلا القليل أن يمنحونا هذا القدر الكبير من الشعور بأن لنا مكانا في العالم؟

وفي الثمانينات والتسعينات، كانت القرى الأردنية تتغير ببطء….

أخذت المدن تستدعي أبناء القرى إلى أعمال جديدة، وصارت المدينة “إربد” بالنسبة إلى كثيرين مساحة أوسع للرزق والتعليم والتجارة.

رأيت، أو سمعت في بيوت القرية، حكايات الرجال الذين تعلموا الكهرباء والتمديدات والصيانة والبناء….

أولئك الذين يحملون حقائب مُعدّات توصيل أسلاك الكهرباء أو صيانة التمديدات الصحية، ويتنقلون بين الورش والمنازل، ويعودون وقد استهلكت أجسادهم ساعات العمل الطويلة…..

كان الكهربائي يعرف قيمة السلك والمفك والكماشة، وكان عامل البناء يعرف معنى أن يقف فوق السقالة تحت شمس تموز، وكان الحداد والنجار والدهان والسباك جزءا من حياة الناس اليومية ….

لم تكن أسماؤهم تكتب على واجهات المشاريع التي ينجزونها، مع أن آثار أيديهم كانت باقية في كل جدار وباب ونافذة ومصباح….

ثم جاءت المصانع والمشاغل، ولا سيما مصانع الملابس التي اتسع حضورها في إربد ومحيطها مع توسع النشاط الصناعي في نهاية التسعينات وما بعدها….

وأخذت بعض بنات القرى يخرجن في الصباح الباكر إلى العمل.

أتخيلهن، وأستعيد من عرفتهن، وهن ينتظرن حافلات النقل، يحملن حقائب صغيرة فيها طعام أعدته الأم، أو خبز ملفوف بعناية، أو بعض النقود التي ينبغي أن تكفي أجرة الطريق ومصاريف النهار…

بعضهن خرجن ليساعدن آباءهن، وبعضهن ليسددن ديونا، وبعضهن ليجمعن ما يحتجن إليه من أجل الزواج أو الدراسة أو إعالة أسرهن.

وكانت الفتاة تعود من المصنع وقد أمضت ساعات أمام ماكينة الخياطة أو في أعمال القص والتغليف والتجهيز…. وقد لا يسألها أحد عن يومها.

يكفي أن تصل سالمة، وأن تضع أجرتها في المكان الذي تنتظرها فيه حاجات البيت.

وأنا اليوم حين أسمع نقاشات طويلة عن تمكين المرأة، تعود إلى ذاكرتي أولئك النسوة….

لم يكن جميعهن يعرفن المصطلحات الحديثة للاستقلال الاقتصادي، لكن كثيرا منهن عرفن معنى أن يصبح لعمل المرأة أثر في بقاء الأسرة وصمودها…..

ومع ذلك، لا أريد أن أمدح اضطرار المرأة إلى الإنهاك….

فالكرامة ليست في أن تتحمل الإنسانة فوق طاقتها، وإنما في ألا يضيع حقها حين تضطر إلى التحمل.

كبرتُ، وتغيرت حياتي، واتسع عالمي….

صرت أقرأ التاريخ بعين السياسة، والسياسة بعين الاجتماع، والاجتماع بعين الإنسان الذي يبحث عن مكانه وكرامته.

لكنني اكتشفت أن القرية سبقت كل هذه المعارف إلى داخلي.

فحين أكتب عن الحرب، لا أرى الخرائط وحدها…

أرى فلاحا فَقَدَ أرضه، وراعيا لم يعد يستطيع إخراج غنمه للسهول والمراعي، وأرى أُمّا تنتظر ابنها، وعاملا انقطع رزقه لأن الطريق أغلق أو المصنع توقف.

وحين أقرأ أرقام البطالة، لا أراها نسبا مئوية مجردة….

أرى شابا عاد إلى البيت بعد يوم طويل من البحث عن عمل، ثم جلس إلى المائدة يحاول أن يبدو عاديا أمام أمه….

وحين أسمع عن ارتفاع أسعار الغذاء، أتذكر نساء كُنّ يعرفن كيف يقسمن ما في البيت على أيام الأسبوع، وكيف يصنعن من القليل مائدة تحفظ كرامة العائلة…

ولعل هذا يفسر كثيرا من نظرتي إلى الناس….

فأنا لا أستطيع أن أختصر الإنسان في وظيفته، ولا أن أقيس قيمته بما يملك، ولا أن أنبهر بمنصبه أو رصيده قبل أن أعرف كيف يعامل من لا يحتاج إليهم.

لقد عرفت في الحياة أصحاب ألقاب كثيرة، لكنني ما زلت أجد في ذاكرتي فلاحا بسيطا أكثر حضورا من بعض أصحاب المناصب الرفيعة….

ليس لأن الفلاح أفضل بالضرورة من صاحب المنصب، وإنما لأن قيمة الإنسان لا ترتفع بارتفاع كرسيه، ولا تنخفض بانحناء ظهره فوق الأرض.

ثم عدت إلى القرية…..

عُدتُّ وأنا أحمل في داخلي رغبة غريبة لا أعرف كيف أشرحها…

لم أكن أبحث عن بيت بعينه، ولا عن طريق قديم فقط، ولا عن شجرة كنت أعرفها…

كنت أبحث عن زمن…..

عن الثمانينات والتسعينات، عن وجوه الذين رحلوا، عن أصوات لم تعد تُسمع، عن خطوات حادّة غابت ظلالها عن الإسفلت..

عن لهجة كبار السن حين كانت الكلمات تخرج منهم بعفوية وبصوتٍ عالٍ لا تشبه لغة الشاشات…. كانوا يتحدثون معا ويسكتون معا بطريقة عجيبة “عجزت أفهم كيف يفهمون على بعضهم “..

وحين يحتدم النقاش كان يظنّ الجارّ أن مُشاجرة كبيرة حدثت في بيت جيرانه فيُسرع للإصلاح بينهم فيجدهم يضحكون ويشربون الشاي فينضمّ إليهم ليكتمل المشهد الجميل الغريب..

كنتُ أبحث عن جدي وجدتي….

عن جلسات آخر النهار في الليوان، عن رائحة الحطب، عن صوت الملاعق في صحون الطعام، عن الأبواب التي كانت تفتح دون مواعيد، وعن النساء اللواتي كن ينادين بعضهن من خلف الجدران….

عن ذلك العالم الذي كانت فيه أخبار الناس تنتقل من بيت إلى بيت، فيحمل بعضها المواساة، ويحمل بعضها الفضول والتدخل والقسوة والظُلم أيضا….

فأنا لا أريد أن أكذب على الماضي….

لم تكن القرية جنة….

كان فيها الفقر والمرض والجهل وسوء الظن والافتراء أحيانا، وكانت فيها أحكام اجتماعية قاسية، وضاقت فيها حياة بعض النساء والرجال بأعراف لم يختاروها.

لكنها كانت عالمي الأول….

مدرستي الأولى… ومهدي الأول الذي تسللت إليه أحلام التحليق إلى البعيد…

الإنسان لا يحب طفولته لأنها كانت كاملة، بل لأنها كانت المرحلة التي تعلم فيها معنى العالم قبل أن يعرف أن العالم يمكن أن يكون مختلفا…..

لإنسان يحنّ إلى نُسخته الأولى وما حولها من أشخاص وروائح وعثرات وتفاصيل..

مشيت في طرق أعرفها ولا أعرفها….

رأيت بيوتا جديدة قامت مكان بيوت قديمة، ومحلات وواجهات وطرقا اتسعت، وأسماء لم تعد تعني لأصحابها الجدد ما كانت تعنيه لنا….

وسألت عن أناس….

فقيل لي: مات….

وآخر: سافر….

وثالث: باع أرضه وسكن عمّان ..

وامرأة: كبرت ولم تعد تخرج من البيت.

وأدركت أنني كنت أطلب من المكان شيئا لا يستطيع أن يمنحنيه الآن ..

كنت أريد أن أعود إلى القرية التي عرفتها، بينما القرية نفسها لم تبق في زمنها القديم تنتظر عودتي….

لقد مضيت أنا في العمر، ومضت القرية أيضا….

فلماذا كنت أظن أن لي وحدي حق التغير، وأن عليها أن تبقى كما تركتها؟

تذكرت عندها معنى طالما شغلني في قراءة الأدب…..

في رواية موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح، يعود الإنسان من عالم بعيد وهو يحمل داخله أسئلة المكان والهوية والانتماء….

لكنني أجد في تجربتي سؤالا مختلفا قليلا.

فقد خرجتُ من القرية إلى العالم، ولم أشعر أن علي أن أقتل القرية في داخلي حتى أستحق الانتماء إلى المدن….

لم أكن بحاجة إلى التنكر للهجة جدي حتى أتعلم لغة الكتب، ولا إلى نسيان تعاليم جدتي الصارمة حتى أفهم العالم الحديث، ولا إلى احتقار حياة الفلاحين حتى أقدر قيمة العلم والثقافة…..

كانت القرية منبعي، ولم يكن اتساع العالم نفيا لذلك المنبع…

بل إنني كلما اتسعت معرفة بالناس، اكتشفت كم تتشابه أحزانهم مهما اختلفت لغاتهم وأوطانهم.

الفلاح الأردني الذي يُضيء وجهه كُلما رأى المطر ليس بعيدا في جوهر قلقه عن مزارع في الأناضول ينتظر الموسم …

والعامل الذي يعود منهكا إلى بيته في “إربد” يشبه عاملا يعود من مصنع في إسطنبول…

والأم التي تقسم الخبز بين أبنائها في قرية صغيرة تشبه أما تفعل الشيء نفسه في سكاريا وقونيا.

تختلف الجغرافيا، لكن الكرامة الإنسانية لا تحتاج إلى جواز سفر حتى نتعرف إليها.

واليوم، بعد كل ما عشته، أظن أنني بدأت أفهم سر ذلك الحنين….

لم أعد أبحث عن القرية لأنني أريد العودة إلى حياة الفقر أو المشقة، ولا لأنني أرفض العالم الذي وصلت إليه.

إنني أبحث عني…

أبحث عنها لأنني أخشى أن تفقد الذاكرة أصوات الذين صنعوا بداياتي…

أخشى أن يرحل آخر رجل ينطق اسمي بلهجة جدي..

وأن تموت آخر امرأة تعرف الحكايات التي كانت ترويها جدتي…

وأن تتحول أسماء الحقول والبيوت القديمة إلى كلمات لا يعرف أحد سبب تسميتها.

وأخشى أكثر أن يأتي يوم أستطيع فيه وصف عاصمة بعيدة بدقة، ولا أستطيع أن أصف الطريق الذي كان يسلكه فلاح من قريتنا إلى أرضه.

وهذا، في نظري، شكل من أشكال الفقد لا تعوضه الشهرة ولا المعرفة ولا كثرة الأسفار.

لأن موت الإنسان ينهي حياته، أما موت ذاكرته فيمكن أن ينهي معه حياة أناس آخرين عاشوا فيه، ولم يتركوا وراءهم كتبا أو صورا أو شهادات.

جدي وجدتي، والفلاحون والرعاة والعمال والنساء اللواتي عرفت بعضهن، لم يكونوا شخصيات في كتاب تاريخ.

كانوا بشرا عاديين، وربما لم يظن أحد منهم أن تفاصيل أيامهم تستحق أن تكتب…

لكنني أحملهم معي….

أحمل طريقة كلامهم، ونظرتهم إلى الرزق، وأمثالهم، وضحكاتهم، وحزنهم، وأسماءهم، وبعض أخطائهم والحسد الذي تفشّى بينهم أيضا.

وحين أكتب عن الإنسان، أجدهم جالسين في مكان ما خلف كلماتي….

وحين أختلف مع أحد، أتذكر أنني ابنة عالم كان الناس فيه يتخاصمون صباحا، وقد يحتاج بعضهم إلى بعض مساء، فيتسامحون ويُلبّون أي نداء طيّب….

وحين أرى متكبرا على عامل أو فلاح أو امرأة بسيطة، أشعر أنه لم يهِن شخصا غريبا عني، وإنما اقترب من عالم كامل أحمله في صدري.

ولعل أجمل ما منحته لي القرية أنها لم تعلمني كيف أنظر إلى الفقراء من أعلى، بل كيف أرى العالم من مستوى عيونهم.

كنت أظن أنني عدت إلى القرية لأستعيد شيئا فقدته….

ثم فهمت أن بعض الأشياء لا تعود لأن الزمن الذي صنعها انتهى، وأن الوفاء لها لا يكون بإيقاف الحياة عندها، بل بمنعها من الاختفاء من ضمائرنا.

لا أريد أن تعود قريتي فقيرة كي أطمئن إلى أنها ما زالت قريتي. ..

أريد لأبنائها حياة أيسر، وبيوتا أفضل، وفرصا أوسع مما عرفه آباؤهم….

لكنني أتمنى أن يبقى فيهم شيء من أولئك القدماء، شيء لا تستطيع المدن أن تصنعه بالمباني، ولا الجامعات أن تمنحه بالشهادات، ولا الأموال أن تشتريه….

ذلك الإحساس العميق بأن الإنسان مسؤول عن غيره، وأن الكرامة لا تختص بالأغنياء، وأن وراء كل وجه حكاية تستحق أن تُسمع.

لقد خرجت إحسان بنت محمود إحمد العلي الفقيه من القرية، وعبرت مدنا وبلادا، وعرفت من الدنيا ما لم تكن طفلة القرية تتخيله….

لكن تلك الطفلة لم تمت….

ما زالت تقف عند باب بيت قديم، تنتظر صوت جدتها يناديها، وتراقب جدها وهو يعود من صلاة الظهر ومعه “كيس شعيرية وحوايج ونص كيلو هريسة” من دُكّان العمّ أبو أسد وشريكه العم رافع…

ما زالت تسمع ثُغاء الغنم في طريقها إلى “القِطعة” حيث بيت الخال طُعمة الحسن ، وترى نساء القرية في سهول الماصية، وتظن أن كل هؤلاء سيبقون إلى الأبد….

كلما عدت إلى القرية أبحث عنهم، واكتشفت أنني لا أبحث عن أشخاص رحلوا وحدهم….

إنني أبحث عن إحسان التي كانت تعرفهم، قبل أن تتعلم أن الحياة تستطيع أن تأخذ منا أشخاصا وأمكنة وأزمنة كاملة، وتترك لنا مهمة واحدة: ألا نسمح لها بأن تأخذ معنا المعنى الذي تركوه فينا.

ولذلك، حين يسألني أحدهم من أين جئتِ، قد أذكر له الأردن، أو إربد أو كفرأبيل، أو البلاد التي عشت فيها.

أما الجواب الذي لا أقوله كله، فهو أنني جئت من أصوات لم تعُد تسمع، ومن أيدٍ خشنة لم تُكتب أسماؤها على كتاب أو حساب في فيس بوك، لكنها كتبت شيئا لا يُمحى في روحي.

وأخشى أنني كلما عدت إلى القرية بحثا عن طفولتي، أجد القرية قد كبرت مثلي، وأجد الطفلة التي كنتها لا تزال تنتظرني هناك، وحدها، في بيت لم يعد موجودا…

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

في المسألة خلاف

لئن عجت كتب الفلاسفة الغربيين بالجدل حول ثبات الموجودات أو التغير الدائم للموجودات، فإن المنهج …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *