السعودية ومعركة السيادة على الزمن.. من يملك حق تعطيل المستقبل؟ ..

ثمة نوع من الحروب لا يسعى فيه المُهاجم إلى احتلال أرض خصمه، ولا إلى إسقاط عاصمته، وإنما إلى انتزاع شيء أشد خطورة: حقه في أن يعيش وفق أولوياته، وأن يقرر متى يبني ومتى يستثمر ومتى يسافر مواطنوه، دون أن يفرض عليه خصمه جدول أعماله بالصواريخ الهمجية والإرهاب المُنظّم…

وهذه، في تقديري، هي الزاوية التي ينبغي أن نقرأ منها المواجهة السعودية الراهنة مع الحوثيين…. وأعتذر لأني قُلتُ سابقا ( اليمنيين أو اليمن) … !

السعودية دولة تخوض تحوّلا اقتصاديا واجتماعيا واستراتيجيا واسع النطاق، بينما تمتلك جماعة مسلحة على حدودها قدرة على إحداث اضطرابات تتجاوز قيمتها العسكرية المباشرة….

والسؤال هنا لا يتعلق بمن يمتلك الترسانة الأكبر؛ فالفارق في القدرات التقليدية واضح….

وإنما يتعلق بمن يستطيع تحويل أدواته العسكرية إلى نتائج سياسية مستدامة…

فقد تعجز جماعة مسلحة عن هزيمة دولة، لكنها تستطيع أن تجعل تلك الدولة تدفع ثمنا متكررا كي تمارس حياتها الطبيعية….

ومن هنا تبدأ معركة السيادة على الزمن…

في العاشر من أكتوبر، وثقت رويترز مقتل اثني عشر شخصا وإصابة أكثر من ثلاثمائة في الهجوم على مطار الملك خالد الدولي بالرياض.

وفي الثاني والعشرين من الشهر نفسه، نقلت الوكالة عن مصادر مطلعة توجيه موظفي مقر أرامكو في الظهران إلى الإخلاء والعمل عن بعد، عقب هجمات طالت المنطقة الشرقية.

قد يقرأ البعض هذه الوقائع بوصفها سلسلة عمليات عسكرية متفرقة…

لكن القراءة الاستراتيجية تكشف شيئا مختلفا….

فالمطار ليس مجرد مبنى، وإنما عقدة تصل الدولة بالعالم…

والمنشأة النفطية ليست مجرد موقع للإنتاج، وإنما جزء من منظومة تمتد إلى الأسواق والعقود والتأمين والاستثمار….

ولهذا، فإن الأثر الحقيقي للهجوم لا يقاس بحجم الدمار وحده، بل بما يفرضه من إجراءات احترازية، واضطراب في حركة النقل، وتكاليف حماية إضافية، وتغير في تقدير المخاطر.

ولنتخيل مستثمرا دوليا لا يسأل عن عدد الصواريخ التي اعترضتها الدفاعات السعودية، وإنما يسأل عن انتظام الرحلات، وسلامة العاملين، واستقرار سلاسل الإمداد….

هنا تتضح طبيعة الحرب الاقتصادية غير المباشرة.

فالصاروخ الذي لا يستطيع إسقاط دولة قد يستطيع رفع كلفة الاستثمار فيها، وهذه نتيجة ينبغي ألا تقل أهمية في حسابات الأمن القومي عن نتيجة الاشتباك العسكري نفسه…..

في السادس عشر من أكتوبر، نشر المجلس الأطلسي تحليلا للباحثة “كارميل ماهوني” .. بعنوان يطرح سؤالا لافتا: لماذا لا تشعر السعودية بأمان أكبر رغم اتساع شبكة شركائها الأمنيين؟

ووصفت الباحثة مشهدا متناقضا في الرياض:

حركة يومية مستمرة، ومقاه ومظاهر حياة مدنية، تقابلها إنذارات واعتراضات صاروخية وتعطل في حركة الطيران.

وهذا المشهد يكشف مفارقة مهمة….

الدولة الحديثة مسؤولة عن حماية منظومة واسعة من المصالح: سكانها، واقتصادها، ومطاراتها، وطرقها، ومؤسساتها، والتزاماتها الدولية.

أما الجماعة المسلحة، فقد تكتفي بإثبات قدرتها على الإخلال بجزء من هذه المنظومة لتعلن تحقيق مكسب سياسي….

ولذلك لا ينبغي أن نقارن بين الطرفين بعدد الطائرات والصواريخ وحده….

فالدولة “دولة” حسب قدرتها على استمرار الحياة، بينما قد يقيس الفاعل المسلح نجاحه بقدرته على تعطيلها…

وهذا اختلاف جوهري في تعريف النصر.

أكبر ما ينبغي أن تحذره السعودية ليس أن يملك الحوثيون القدرة على إيذائها، بل أن تتحول تلك القدرة إلى حق غير معلن في فرض أولوياتهم على قرارها الوطني.

فالسيادة لا تعني فقط حماية الحدود، وإنما حماية حرية الدولة في اختيار مستقبلها.

حسنًا…

ماذا لو كان الاستنزاف هو الهدف وليس وسيلة إليه؟

في التحليل التقليدي، ينظر إلى الاستنزاف باعتباره مرحلة تسبق الحسم….

لكن الحروب غير المتكافئة تسمح أحيانا بأن يصبح الاستنزاف نفسه غاية سياسية….

فحين تستطيع جماعة مسلحة فرض حالة تأهب متكررة، وتوجيه الموارد نحو الدفاع، وتعطيل مرافق اقتصادية ولو مؤقتا، فإنها تحقق تأثيرا حتى دون تغيير الحدود.

وهذا يفسر لماذا لا يكفي قياس النجاح الدفاعي بنسبة المقذوفات المعترضة.

فقد تنجح الدفاعات في اعتراض الغالبية، بينما يستمر الخصم في تحقيق بعض أهدافه الاقتصادية والنفسية من مجرد إطلاق الهجمات.

وهنا يبرز سؤال بالغ الحساسية: هل تستطيع الدولة أن تجعل كلفة استمرار الهجوم على مطلقه أكبر من المكاسب التي يتوقعها منه؟

الإجابة لا تكمن بالضرورة في زيادة حجم الرد العسكري….

فالتجربة اليمنية منذ عام 2015 تذكرنا بأن التفوق الجوي لا يتحول تلقائيا إلى استقرار سياسي، وأن تدمير منصة إطلاق لا يعني إزالة الشبكة التي تستطيع إعادة إنتاجها.

ومن هنا، فإن أي تصور للحسم ينبغي أن يشمل إضعاف القدرة على تجديد التهديد، ومعالجة مصادر التمويل والتسليح، وبناء سلطة يمنية قادرة على الحكم، وفتح مسار سياسي لا يسمح بتحويل التهدئة إلى فرصة لإعادة التسلح.

فإنهاء الهجوم إنجاز عسكري، أما إنهاء القدرة على استخدام الهجوم وسيلة دائمة للابتزاز، فهو إنجاز استراتيجي.

ماذا تقول مراكز الأبحاث الغربية؟

في الرابع عشر من أكتوبر، قدمت “سنام وكيل وفارع المسلمي”، في تحليل لمعهد تشاتام هاوس، قراءة تستحق الوقوف عندها….

يرى الباحثان أن السعودية تواجه خيارات صعبة، وأن التصعيد العسكري الواسع يحمل احتمال العودة إلى حرب طويلة ومكلفة، بينما أثبت الاحتواء وحده محدوديته، ولم تنتج محاولات التفاوض حتى الآن تسوية مستقرة.

واللافت أن التحليل لا يكتفي بنقد الخيارات العسكرية، بل يشير إلى انقسامات القوى المناهضة للحوثيين، وضعف المؤسسات الحكومية اليمنية، وأثر التنافس الإقليمي في إضعاف المعسكر الذي يفترض أن يشكل بديلا سياسيا وعسكريا للجماعة.

وهذه ملاحظة جوهرية…..

فالسعودية تستطيع أن تدعم قوات يمنية، لكنها لا تستطيع أن تمنحها بمجرد التمويل وحدة سياسية تفتقدها، أو شرعية شعبية لا تصنعها القرارات الخارجية.

كما أن أي تسوية تتجاهل الانقسام اليمني قد توقف جولة من القتال دون أن تمنع الجولة التالية.

وهنا ينبغي الاعتراف بأن الخيارات السعودية السابقة ليست بمنأى عن النقد والمراجعة…..

فالحروب الطويلة لا تستمر بسبب قوة طرف واحد فقط، وإنما قد تستمر أيضا بسبب أخطاء خصومه، وتضارب حلفائهم، وعجز المؤسسات عن إنتاج بديل مقنع.

لكن هذا النقد لا يلغي حقيقة أساسية:

أن أمن السعودية حق سيادي، وأن استهداف المدنيين والمطارات والمنشآت المدنية لا يكتسب مشروعية بسبب الخلاف مع سياساتها.

والمراجعة الاستراتيجية الجادة لا تبدأ بإنكار الأخطاء، ولا تنتهي بمنح المعتدي حق استغلالها.

باب المندب.. كيف أصبحت الجغرافيا أداة ضغط عالمي؟

تكشف تطورات الساحل الغربي لليمن أن المواجهة تتجاوز الحدود السعودية.

فباب المندب ليس ممرا محليا، وإنما حلقة في شبكة التجارة العالمية تصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وترتبط بحركة النقل نحو قناة السويس.

وأشارت إحاطة لمكتبة مجلس العموم البريطاني، صدرت في الخامس من أكتوبر، إلى توسع سيطرة الحوثيين في مناطق من الساحل، وإلى النزاع على التحكم بالمضيق.

وهنا تتضاعف خطورة المسألة…..

فمن يملك القدرة على تهديد الملاحة يستطيع التأثير في قرارات شركات الشحن والتأمين، وفي حسابات دول لا تقع على شواطئ البحر الأحمر أصلا.

لكن القدرة على تهديد ممر بحري لا تمنح صاحبها حق السيطرة على التجارة الدولية، ولا تجعل منه ممثلا لمصالح اليمنيين كافة.

إنها تضعه أمام مسؤولية دولية تتجاوز ادعاءاته السياسية.

ولهذا ينبغي أن يكون أمن البحر الأحمر جزءا من استراتيجية إقليمية ودولية واضحة، لا عبئا تتحمله السعودية وحدها، ولا ساحة تترك فيها القوى الكبرى لدول المنطقة مواجهة التداعيات بينما تحتفظ لنفسها بحرية اختيار التدخل.

فالمضيق الذي تستخدمه دول العالم لا ينبغي أن تتحمل دولة واحدة وحدها ثمن حمايته…..

لماذا لا يكفي الحليف الأمريكي؟

تكشف الحرب الراهنة حدودا مهمة في مفهوم الضمانات الأمنية…

فبحسب رويترز، امتنعت واشنطن حتى الآن عن المشاركة المباشرة في الحرب السعودية ضد الحوثيين، رغم استمرار التعاون الأمني والاستخباراتي.

وفي المقابل، اتجهت الرياض إلى توسيع شراكاتها الدفاعية، مع تطورات تشمل تركيا وباكستان، ودعما دفاعيا بريطانيا، وبحثا مصريا في طبيعة المساندة الممكنة.

وهذا التحول لا ينبغي أن يقرأ باعتباره انتقالا من التبعية لقوة كبرى إلى التبعية لقوى أخرى….

بل ينبغي أن يكون انتقالا من الاعتماد المفرط على طرف واحد إلى امتلاك شبكة خيارات متعددة….

فالولايات المتحدة تتصرف وفق مصالحها، وكذلك تفعل بريطانيا وتركيا وباكستان ومصر.

ولا يوجد سبب عقلاني يدعو السعودية إلى افتراض أن مصالح أي حليف ستتطابق معها في جميع الأزمات….

لكن تنويع الحلفاء، على أهميته، لا يكفي إذا بقيت منظومات الدفاع والقرار والجاهزية تعتمد في جوهرها على الإرادة الخارجية…..

فالدولة لا تصبح أكثر استقلالا لمجرد أنها وَسّعت قائمة من تستطيع طلب المساعدة منهم، وإنما عندما تُقلّص الحالات التي تضطر فيها إلى طلب تلك المساعدة.

هل السعودية بحاجة إلى حرب بلا نهاية كي تثبت قوتها؟!

هناك إغراء سياسي يتكرر في الأزمات:

أن يصبح حجم الرد مقياسا للهيبة، وأن يصور ضبط النفس باعتباره ضعفا، وأن يتحول النقاش من تحقيق الأهداف إلى إثبات القدرة على القتال.

لكن الدول لا تخوض الحروب لتقدم عروضا عن قوتها….

القوة العسكرية وسيلة لحماية مصالح سياسية محددة، وينبغي أن تخضع باستمرار للسؤال عن الكلفة والنتيجة.

ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي تصعيد هو:

ما الوضع السياسي والأمني الذي نريد الوصول إليه بعد انتهاء العمليات؟

هل المطلوب تقليص قدرات الحوثيين الهجومية؟ أم تأمين الحدود؟

أم استعادة مناطق يمنية؟ أم بناء تسوية تمنع استخدام الأراضي اليمنية منصة لتهديد الجوار؟

هذه أهداف مترابطة، لكنها ليست متطابقة، ولكل منها وسائل مختلفة وشروط نجاح مختلفة.

ومن الخطأ أن تبدأ الدولة عملية عسكرية واسعة دون تعريف واضح لما يمكن اعتباره نجاحا، وكيفية المحافظة عليه….

كما أن استمرار الحرب دون أفق سياسي يحمل مخاطر على المدنيين اليمنيين والسعوديين، ويزيد احتمالات توسيع النزاع إقليميا.

والشجاعة الاستراتيجية ليست في اختيار الحرب دائما، ولا في تجنبها دائما، وإنما في امتلاك القدرة على اختيار الوسيلة التي تحقق الأمن بأقل كلفة مستدامة.

من يحمي المشروع السعودي من التحول إلى رهينة أمنية؟

هنا نصل إلى جوهر القضية….

رؤية السعودية الاقتصادية والاجتماعية ليست مجرد مجموعة مشروعات عمرانية، وإنما محاولة لإعادة تشكيل موقع المملكة في الاقتصاد العالمي، وتنويع مصادر دخلها، ورفع قدرتها على استقطاب الاستثمار والتقنية والكفاءات.

وهذا التحول يحتاج إلى الاستقرار وإلى قابلية التنبؤ….

فالاستثمار طويل الأجل يتطلب بيئة يستطيع المستثمر فيها تقدير المخاطر، كما تحتاج السياحة والطيران والتجارة إلى انتظام الخدمات وثقة المستخدمين.

ولهذا، فإن حماية المشروع التنموي ليست مسألة منفصلة عن الدفاع الوطني، بل أصبحت أحد أهم مقاصده….

والمطلوب ألا ينجح الخصم في فرض معادلة تجعل كل تقدم اقتصادي سعودي يستدعي زيادة مقابلة في الكلفة الأمنية.

ويتحقق ذلك بقدرة متكاملة تشمل الدفاع الجوي، والأمن السيبراني، واستمرارية الأعمال، وحماية البنية التحتية، وتنوع سلاسل الإمداد، والتعاون الإقليمي، والعمل السياسي والدبلوماسي.

فالدولة التي تستطيع المحافظة على عمل مؤسساتها تحت الضغط تقلل من القيمة الاستراتيجية للهجوم عليها.

وحين يفقد تعطيل الحياة جدواه السياسية، يفقد المعتدي إحدى أهم أوراقه….

يبقى السؤال الذي لا يجوز تجاوزه:

– ما شكل اليمن الذي يخدم أمن السعودية على المدى الطويل؟

من الواضح أن وجود دولة يمنية مستقرة، تحتكر مؤسساتها الشرعية استخدام القوة، وتستطيع حماية حدودها وموانئها ومجتمعها، يوفر أساسا أكثر استدامة للأمن من استمرار مناطق النفوذ المسلح المتنافسة.

لكن الوصول إلى هذه النتيجة لا يتحقق بإضعاف الحوثيين عسكريا وحده….

إنه يتطلب معالجة أزمة الحكم، والفساد، والانقسامات السياسية، والاقتصاد المنهار، واحتياجات السكان الذين دفعوا أثمانا هائلة خلال سنوات الحرب.

ولا ينبغي أن يكون اليمن مجرد منطقة عازلة في التفكير الأمني السعودي، بل دولة جارة يرتبط استقرارها ارتباطا وثيقا باستقرار المملكة….

فالفقر وانهيار الخدمات وغياب المؤسسات تخلق بيئات تستطيع الجماعات المسلحة استغلالها لإعادة إنتاج نفوذها….

ولهذا فإن دعم مؤسسات يمنية فعالة وخاضعة للمساءلة، وتوفير فرص التعافي الاقتصادي، ليس عملا إنسانيا منفصلا عن الأمن، بل استثمار في معالجة بعض أسبابه.

إن أفضل حدود آمنة ليست تلك التي تقف وراءها الجيوش وحدها، وإنما تلك التي تقوم على جانبيها دولتان قادرتان على الوفاء بالتزاماتهما تجاه شعبيهما وجيرانهما.

ما الذي ينبغي أن تتذكره السعودية في هذه اللحظة؟

أن امتلاك القوة لا يُغني عن تحديد الغاية…

وأن التحالفات توسع الخيارات لكنها لا تعفي من بناء القدرة الذاتية….

وأن اعتراض الصاروخ يحمي الهدف، بينما منع إعادة إنتاج التهديد يحمي المستقبل…

وأن الدفاع عن السيادة لا يتناقض مع مراجعة السياسات، كما أن الاعتراف بأخطاء الماضي لا يمنح الجماعات المسلحة حق استهداف المدنيين.

والأهم أن المملكة ليست مطالبة بالاختيار بين التنمية والأمن، وإنما ببناء استراتيجية تجعل الأمن حارسا للتنمية، لا منافسا لها على الموارد والأولويات.

لقد تغيرت طبيعة التهديدات، وصار ممكنا لفاعل مسلح محدود الموارد أن يفرض تكاليف باهظة على اقتصاد كبير، لكن ذلك لا يعني أن هذا الفاعل يمتلك القدرة على تقرير مصير الدولة التي يستهدفها.

فبين القدرة على إحداث الضرر والقدرة على فرض الإرادة مسافة واسعة، تصنعها المؤسسات والاقتصاد والمجتمع والتحالفات وحسن إدارة القرار…..

والاختبار الحقيقي للسعودية ليس أن تثبت أنها أقوى من الحوثيين؛ فهذا لا يحتاج إلى حرب جديدة لإثباته…..

الاختبار أن تُحوّل تفوقها إلى وضع أمني وسياسي لا يستطيع الحوثيون معه أن يجعلوا مستقبل المملكة مرهونا بقرار التصعيد الصادر من صنعاء.

فالدول الكبيرة لا تقاس فقط بقدرتها على تحمل الضربات، وإنما بقدرتها على منع خصومها من تحديد مسارها….

وفي هذه اللحظة، فإن أعظم انتصار استراتيجي تستطيع السعودية تحقيقه هو أن تستعيد المبادرة في تحديد شروط أمنها، دون أن تُستدرج إلى حرب مفتوحة تستنزف مشروعها التنموي أو تعمق مأساة جارتها….

فالمعركة الأهم ليست على من يملك إطلاق الصاروخ الأخير، وإنما على من يملك كتابة اليوم التالي للحرب….

ومن يملك اليوم التالي، يملك المعنى السياسي للانتصار….

وأنا، ككاتبة مسلمة، أحاول أن أكون مُنصِفة ما استطعت، وأزن المواقف بميزان الحق قبل العاطفة، أعلنتُ من قبل، وأؤكد اليوم، انحيازي التام إلى السعودية في حقها المشروع في الدفاع عن سيادتها وأمنها واستقرارها، في مواجهة أي عدوان مسلح، أيا كان مصدره، دولة أو جماعة أو حزبا أو تنظيما….

ولا أحصر العدوان في صاروخ يعبر الحدود، أو سلاح يوجه إلى منشأة، فثمة محاولات أخرى تستهدف تماسك الدول من داخلها، عبر التحريض على العنف، وتغذية الانقسامات، واستغلال الهويات الدينية والمذهبية، وتوظيف الخطاب الفكري والإعلامي غطاء لمشروعات تقويض الأمن والاستقرار.

وأدرك أن بعض هذه الأساليب قد تتخفى وراء عبارات براقة وشعارات أخلاقية، وأن أخطر ما فيها قدرتها على تقديم التخريب في صورة إصلاح، والعدوان في صورة مظلومية، والمصلحة الأجنبية في ثوب الغيرة على الدين والوطن.

ومع ذلك، فإن إنصافي الذي أحرص عليه يُلزمني بالتفريق بين النقد المشروع والتحريض، وبين المعارضة السلمية والتآمر المسلح، وبين اختلاف الرأي واستهداف أمن المجتمع. فليس كل مخالف خصما للوطن، ولا كل منتقد عدوا للدولة، ولا يجوز أن تتحول حماية السيادة إلى ذريعة لمصادرة الحق في النصح والمساءلة.

وانحيازي إلى السعودية لا يعني أنني أرى سياساتها فوق النقد، بل يعني أنني أرى أمنها فوق الابتزاز، وسيادتها فوق المُساومة والانتقام والشماتة، وحُرمة دماء أهلها والمقيمين على أرضها وضيوف الحرمين فوق كل خصومة سياسية أو مذهبية.

وأقول ذلك عن قناعة لا تستمد مشروعيتها من رضا أحد، ولا تنتظر شهادة في الولاء من أحد….

فمحبة الأوطان لا تقتضي تزكية كل قرار، والعدل لا يقتضي الوقوف على مسافة واحدة بين المعتدي والمعتدى عليه.

وسأظل أفرق بين دولة يجوز أن نختلف مع بعض سياساتها، وعدوان لا يجوز أن نختلف على رفضه، وبين حق النقد الذي يصون الأوطان، ومشروعات التخريب التي تريد إسقاطها باسم إنقاذها……

ذلك موقفي الذي أرجو أن ألقى الله عليه:

أن أنصر الحق حيث أراه، وألا أجعل محبتي للسعودية تحجب عني واجب الإنصاف، ولا أن أجعل حرصي على الإنصاف ذريعة للتردد في نصرتها حين يستهدف أمنها…

فأمن الناس وبلادهم لا تحتاج إلى أقلام تمنحها العصمة، وإنما إلى ضمائر تعرف متى تنصحها، ومتى تدافع عنها، ومتى تقول لمن يعتدي عليها:

إن اختلافنا في السياسة لا يمنحك حقا في دمائنا، ولا في أرضنا، ولا في مستقبل أبنائنا….

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون …

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

في المسألة خلاف

لئن عجت كتب الفلاسفة الغربيين بالجدل حول ثبات الموجودات أو التغير الدائم للموجودات، فإن المنهج …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *