السعودية وأمن ما بعد الاعتراض.. من يحمي الدولة من استنزاف قدرتها على الحماية؟

في الحسابات الأمنية، ثمة فارق جوهري بين دولة تستطيع اعتراض الصاروخ، ودولة تستطيع حرمان خصمها من الجدوى الاستراتيجية لإطلاقه….

الأولى تمتلك قدرة دفاعية، والثانية تمتلك قدرة على تغيير سلوك التهديد نفسه….

وهذه، في تقديري، إحدى أهم المعضلات التي ينبغي أن تنشغل بها العقيدة الأمنية السعودية في مواجهة الحوثيين:

كيف تنتقل المملكة من التفوق في مواجهة الهجوم إلى التحكم في الشروط التي تجعل الهجوم خيارا مُجديا لخصومها؟

فقوة الأمن الوطني لا تُقاس بعدد الهجمات التي تنجح أو تفشل، وإنما بقدرة الدولة على تقليص احتمالات تكرارها، والمحافظة على انتظام وظائفها الحيوية مهما تغيرت طبيعة التهديد….

قد تعترض الدفاعات الجوية عشرات المقذوفات، وتمنع وقوع أضرار واسعة، لكن الخصم يحتفظ بامتياز اختيار التوقيت والموقع ونوع التهديد.

وبذلك تصبح الدولة مطالبة بإدامة جاهزية مرتفعة لحماية شبكة واسعة من المطارات والموانئ والمنشآت الاقتصادية والمراكز السكانية.

هذه إحدى صور عدم التماثل الأمني:

أن تكون كلفة حماية الأهداف المتعددة أكبر من كلفة محاولة تهديد بعضها.

والمسألة هنا لا تتعلق بسعر الصاروخ الاعتراضي مقابل الطائرة المسيّرة فحسب، بل بما يمكن تسميته “كلفة الانتباه الوطني”؛ أي الموارد والقرارات والطاقات المؤسسية التي يعاد توجيهها باستمرار نحو التهديد على حساب أولويات أخرى.

فالخصم لا يحتاج إلى اختراق كل الدفاعات حتى يفرض جزءا من هذه الكلفة…

ومن أخطر التحولات أن يصبح جدول استعداد الدولة مرتبطا بإيقاع خصمها.

يختار المهاجم لحظة التصعيد، فتتحرك منظومات الإنذار، وترتفع مستويات الحماية، وتتغير إجراءات الطيران والتشغيل، ثم يعود الخصم إلى التهدئة محتفظا بإمكانية تكرار المشهد.

وهنا ينشأ ما أسميه “اختلال السيادة على الإيقاع الأمني”.

فالدولة تحتفظ بسيادتها القانونية والعسكرية، لكنها تضطر إلى تخصيص جزء متزايد من وقت مؤسساتها ومواردها للاستجابة لمبادرات الطرف الآخر.

والحل ليس في الرد على كل تهديد بتصعيد أكبر، وإنما في بناء منظومة تجعل استمرار الخدمات الأساسية أقل تأثرا بتقلبات التصعيد.

ينبغي أن يتجاوز التخطيط الأمني مفهوم حماية المنشأة بوصفها موقعا ماديا، إلى حماية الوظيفة التي تؤديها.

فالمطار قد يظل قائما، لكن تعطيل عملياته يحقق أثرا اقتصاديا. والمنشأة النفطية قد لا تتعرض لدمار كبير، بينما يؤدي توقف بعض عملياتها إلى اضطراب يتجاوز موقعها.

لذلك يصبح معيار النجاح الأمني مرتبطا بسرعة استعادة التشغيل، ووجود البدائل، ومرونة شبكات الإمداد، وتكامل الدفاع الجوي مع الأمن السيبراني والحماية المدنية وإدارة الأزمات.

فالمنشأة المحصنة تحمي المكان، أما المنظومة المرِنة فتحمي قدرة الدولة على الاستمرار.

تقوم بعض تصورات الردع على جعل الاعتداء باهظ الثمن….

لكن الفاعلين المسلحين لا يتصرفون دائما وفق حسابات الدولة التقليدية، وقد يستخدمون استمرار المواجهة لتعزيز مكانتهم أو شرعيتهم لدى أنصارهم.

ولهذا تحتاج السعودية إلى الجمع بين الردع والقدرة على حرمان الهجوم من نتائجه المتوقعة.

فكلما تقلص أثر الهجمات على انتظام الحياة، وتراجعت قدرتها على فرض تنازلات سياسية، ضعفت قيمتها الاستراتيجية.

ويكتمل ذلك بتعاون استخباراتي وإقليمي، وإجراءات مشروعة تحد من تدفق السلاح، وترتيبات سياسية وأمنية قابلة للتحقق تمنع إعادة إنتاج التهديد من الأراضي اليمنية.

أكبر إنجاز أمني للسعودية لن يكون إثبات قدرتها على مواجهة جماعة مسلحة، وإنما بناء معادلة لا تستطيع فيها تلك الجماعة تحويل الهجوم المحدود إلى استنزاف وطني واسع……

وهنا تتغير فلسفة الأمن من انتظار التهديد والاستجابة له، إلى بناء دولة قادرة على امتصاص الصدمات دون أن تتغير أولوياتها الكبرى…..

فالأمن الذي يحتاج إلى الانتصار في كل اشتباك يظل مطالبا باشتباك جديد، أما الأمن الذي يسلب الاعتداء جدواه، فيبدأ بتغيير شروط المواجهة نفسها…..

والسيادة الأمنية في معناها الأعمق هي ألا يمتلك خصمك القدرة على تحويل تهديده إلى سلطة على وقتك ومواردك ومستقبلك…..

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

في المسألة خلاف

لئن عجت كتب الفلاسفة الغربيين بالجدل حول ثبات الموجودات أو التغير الدائم للموجودات، فإن المنهج …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *