بين الإنصاف والموقف: حدود الدفاع عن الوطن وحق النقد

أحيانا يطلب من الكاتب أن يختار بين أمرين كأنهما نقيضان: أن يكون مُنصفا أو أن يكون صاحب موقف….

وأرى أن هذا التقسيم يختزل معنى الإنصاف نفسه….

فالإنصاف لا يعني الوقوف على مسافة واحدة من كل الأطراف مهما اختلفت أفعالها، ولا يقتضي أن يتخلى الإنسان عن قناعاته حتى يبدو محايدا.

إنه يقتضي أن يزن الوقائع بميزان واحد، وألا يسمح لمحبته لطرف بأن تحجب أخطاءه، ولا لخلافه مع طرف آخر بأن يسلبه حقوقه.

وأنا، ككاتبة مسلمة أحاول الإنصاف ما استطعت، أعلنت من قبل، وأؤكد اليوم، انحيازي التام إلى حق السعودية في الدفاع عن سيادتها وأمنها واستقرارها في مواجهة أي عدوان مسلح، أيا كان مصدره، دولة أو جماعة أو حزبا أو تنظيما.

وأقول ذلك عن قناعة لا تستمد مشروعيتها من رضا أحد، ولا تنتظر شهادة في الولاء من أحد.

فالسعودية ليست مجرد مساحة جغرافية أو مجموعة منشآت اقتصادية، وإنما وطن لملايين البشر، وبلاد الحرمين الشريفين، ودولة ذات سيادة ومؤسسات ومسؤوليات ومصالح مشروعة.

والاعتداء على مطاراتها ومنشآتها المدنية، أو تعريض سكانها وضيوفها للخطر، لا يصبح مقبولا بسبب اختلاف سياسي معها، ولا يكتسب مشروعية لأن المعتدي يرفع شعارا دينيا أو قوميا.

فلا يستقيم أن نطالب بالأمان لأوطاننا، ثم نبحث عن الأعذار لمن يسلبه من أوطان الآخرين.

ولا أحصر التهديد في السلاح وحده.

فثمة أساليب تستهدف تماسك المجتمعات من الداخل، عبر التحريض على العنف، وتغذية الانقسامات، واستغلال الهويات الدينية والمذهبية، وتوظيف الخطاب الفكري والإعلامي لتبرير العدوان أو تقويض الاستقرار.

وقد يتخفى بعض ذلك وراء شعارات براقة، فيقدم التخريب باعتباره إصلاحا، والعدوان باعتباره مظلومية، والمصلحة الخارجية في ثوب الغيرة على الدين والوطن.

لكن الواجب الأخلاقي نفسه يلزمني بالتفريق بين النقد المشروع والتحريض، وبين المعارضة السلمية والتآمر المسلح، وبين اختلاف الرأي واستهداف أمن المجتمع.

فليس كل مخالف خصما للوطن، ولا كل منتقد عدوا للدولة.

وانحيازي إلى السعودية لا يعني أنني أرى سياساتها فوق النقد، بل يعني أنني أرى أمنها فوق الابتزاز، وسيادتها فوق المساومة، وحرمة دماء أهلها والمقيمين على أرضها وضيوفها فوق كل خصومة سياسية أو مذهبية.

ومن هذا المنطلق، أرى أن الدفاع الجاد عن السعودية لا يكتمل بالاكتفاء بتمجيد قوتها، بل يقتضي طرح الأسئلة الصعبة عن كفاءة الخيارات السياسية والعسكرية، وكلفة الحروب الطويلة، ومستقبل العلاقة مع اليمن، وحدود الاعتماد على الحلفاء.

فمحبة الأوطان لا تقتضي تزكية كل قرار، كما أن مراجعة الأخطاء لا تعني التنازل عن الحقوق.

والسعودية التي تمتلك مقومات القوة الاقتصادية والعسكرية والمؤسسية تستطيع أن تجعل النقد المسؤول جزءا من قدرتها على التصحيح والتطوير.

ولا أرى أن من مصلحتها الدخول في مواجهة مفتوحة لا تنتهي، ولا أن تقبل في المقابل بتهدئة تترك التهديد قائما وقابلا للتجدد.

إن المطلوب ترتيب أمني وسياسي يحمي حدود المملكة، ويمنع الاعتداء على أراضيها، ويسهم في قيام دولة يمنية مستقرة قادرة على حماية شعبها وجوارها.

فاليمنيون ليسوا خصوما للسعودية بحكم الجغرافيا، ولا ينبغي أن يتحول الخلاف مع الحوثيين إلى خصومة مع الشعب اليمني أو مع مكون مذهبي بأكمله.

والعدل الذي نطالب به للمواطن السعودي هو العدل نفسه الذي ينبغي أن نطالب به للمدني اليمني.

فلا تكتمل أخلاق الموقف حين ندافع عن حرمة دم قريب منا ونتجاهل حرمة دم بعيد عنا.

ولعل أعظم ما ينبغي أن نتمسك به في زمن الاستقطاب هو ألا نسمح للحروب بأن تفسد ضمائرنا، ولا للشعارات بأن تمنح المعتدي حصانة، ولا للخصومات السياسية بأن تسقط حرمة الإنسان.

إن قوة السعودية الحقيقية لا تختصر في ترسانتها العسكرية، وإنما تمتد إلى مؤسساتها واقتصادها ومجتمعها وقدرتها على بناء مستقبلها وحماية استقراره.

ولهذا فإن الانتصار الذي أرجوه لها ليس مجرد إسكات الصواريخ في جولة عسكرية، وإنما الوصول إلى وضع لا يستطيع فيه أحد أن يجعل أمنها رهينة لقراره.

فالدولة القوية لا تحتاج إلى حرب دائمة كي تثبت قوتها، ولا إلى التنازل عن سيادتها كي تثبت حرصها على السلام.

وسأظل أفرق بين دولة يجوز أن نختلف مع بعض سياساتها، وعدوان لا يجوز أن نختلف على رفضه، وبين النقد الذي يصون الأوطان، ومشروعات التخريب التي تريد تقويضها باسم إنقاذها.

ذلك موقفي الذي أرجو أن ألقى الله عليه:

أن أنصر الحق حيث أراه، وألا أجعل محبتي للسعودية تحجب عني واجب الإنصاف، ولا أن أجعل حرصي على الإنصاف ذريعة للتردد في نصرتها حين يستهدف أمنها.

فالأوطان لا تحتاج إلى أقلام تمنحها العصمة، وإنما إلى ضمائر تعرف متى تنصحها، ومتى تدافع عنها، ومتى تقول لمن يعتدي عليها: إن اختلافنا في السياسة لا يمنحك حقا في دمائنا، ولا في أرضنا، ولا في مستقبل أبنائنا.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

في المسألة خلاف

لئن عجت كتب الفلاسفة الغربيين بالجدل حول ثبات الموجودات أو التغير الدائم للموجودات، فإن المنهج …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *