هناك خطأ يرتكبه من يقرأون موقع #السعودية في العالم من خلال عدد التغريدات أو التعليقات التي تُهاجمها، أو حجم المديح الذي تحظى به قيادتها، أو حتى عدد الدول التي تُعلن تضامنها معها.
فالدول لا تعرف مكانتها الحقيقية من مقدار التصفيق أو الخصومة، وإنما من حجم الحسابات التي يضطر الآخرون إلى إجرائها قبل اتخاذ قرار يمس مصالحها….
ولعل السؤال الذي يستحق التأمل اليوم هو:
لماذا أصبحت السعودية حاضرة في ملفات تبدو متباعدة، من أمن البحر الأحمر إلى مستقبل سوريا، ومن التوازنات الإيرانية إلى الشراكة الأمريكية، ومن القضية الفلسطينية إلى إعادة تشكيل الاقتصاد الإقليمي؟
الإجابة تتجاوز ما تمتلكه المملكة من نفط ومال ومكانة دينية….
إنها تتعلق بمحاولة الانتقال من دولة تتأثر بالترتيبات الدولية إلى دولة تسهم في صياغة بعضها….
وهنا تبدأ معضلة القوة:
فكلما اتسعت قدرة الدولة على التأثير، اتسعت معها مصالح من يريدون التعاون معها، ومن يريدون الحد من استقلال قرارها.
في قراءة نشرها المعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية، تشاتام هاوس، عن السعودية في النظام العالمي متعدد الأقطاب، برز مفهوم الاستقلال الاستراتيجي بوصفه محورا لسلوك الرياض الخارجي.
وهذا مفهوم أعمق من مجرد تنويع الحلفاء….
فالدولة التي تشتري السلاح من الغرب، وتبيع الطاقة للشرق، وتتفاوض مع القوى الكبرى، لا تصبح مستقلة تلقائيا….
استقلالها الحقيقي مرتبط أو يُقاس بقدرتها على رفض الشروط التي لا تخدم مصالحها، وتحمل تبعات ذلك الرفض.
ولذلك فإن علاقات السعودية مع واشنطن وبكين وموسكو ليست بالضرورة رهانات متناقضة….
إنها تعبير عن محاولة لتوسيع هامش الاختيار في عالم تتراجع فيه قدرة قوة واحدة على إدارة جميع التوازنات….
وقد تناولت دراسة صادرة عن دائرة الأبحاث في البرلمان الأوروبي هذا التحول باعتباره انتقالا سعوديا نحو سياسة متعددة الشراكات، مع التنبيه إلى ما يحمله من فرص وتوترات.
وهنا ينبغي الانتباه إلى فارق دقيق:
قد تملك الدولة علاقات مع الجميع، لكنها لا تملك استقلالها إلا حين تستطيع الاختلاف مع الجميع….
لماذا أصبحت سوريا جزءا من الحساب السعودي؟
لا تختصر أهمية سوريا بالنسبة إلى الرياض في تقديم المساعدات أو إعلان الاستثمارات.
فسوريا، بحكم موقعها وتاريخها السياسي، تمثل عقدة اتصال بين المشرق العربي وتركيا والعراق ولبنان، كما أن ضعف مؤسساتها يفتح المجال أمام شبكات السلاح والتهريب والنفوذ الخارجي.
ولهذا فإن المساهمة السعودية في تعافي الاقتصاد السوري تحمل أبعادا تتجاوز التمويل.
وفي 20 أكتوبر، نشرت “رويترز” خبرا عن دور مصرف “جي بي مورغان” في تسهيل صفقة لتوريد منتجات نفطية سعودية إلى سوريا، عبر اعتماد مستندي وصف بأنه الأول من نوعه منذ أكثر من أربعة عشر عاما.
تكمن أهمية هذه الواقعة في طبيعتها المؤسسية:
إنها تشير إلى محاولة إعادة وصل الاقتصاد السوري بالقنوات التجارية والمصرفية الدولية.
والفارق كبير بين دولة تتلقى المال، ودولة تستعيد القدرة على التعامل مع المؤسسات المالية بصورة منتظمة.
لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن إعادة بناء سوريا لا تستطيع دولة واحدة إنجازها، وأن استقرارها يرتبط بالحكم والمؤسسات والأمن وحقوق المواطنين، فضلا عن التمويل الخارجي.
فالنفوذ الذي ينشأ من تحويل دولة منهارة إلى دولة قادرة على الوقوف، أكثر قابلية للاستمرار من النفوذ الذي يحتاج إلى إبقائها معتمدة على الآخرين.
ماذا عن إيران؟
تواجه السعودية تحديا أمنيا لا يمكن فصله عن دور إيران الإقليمي وعن القدرات العسكرية للحوثيين.
لكن قراءة المواجهة باعتبارها صراعا مذهبيا شاملا تحجب طبيعتها السياسية والأمنية، وتختزل مجتمعات كاملة في خيارات الجماعات المسلحة.
فالسؤال السعودي الجوهري يتعلق بمن يملك قرار استخدام القوة على الجانب الآخر من الحدود، ومن يستطيع ضمان عدم تحول الأراضي اليمنية إلى منصة متكررة للهجمات.
وفي تحليل نشره مركز “صوفان” في أكتوبر، ظهرت التداعيات الإقليمية للعمليات الحوثية، واتساع اهتمام أطراف خارجية بأمن البحر الأحمر.
وتزداد أهمية هذا الملف حين نتذكر أن أمن باب المندب يرتبط بحركة التجارة العالمية، وأن تهديد الملاحة يفرض تكاليف لا تتحملها السعودية وحدها.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التوقف:
قد تستطيع جماعة مسلحة تهديد ممر دولي، لكنها لا تستطيع بمفردها بناء نظام اقتصادي يستغني العالم فيه عن ذلك الممر.
إنها تمتلك قدرة على الإضرار بمصلحة مشتركة، دون أن يعني ذلك امتلاكها بديلا عنها.
ولهذا ينبغي أن يكون أمن الملاحة مسؤولية دولية مشتركة، وأن ترتبط معالجة التهديد ببناء مؤسسات يمنية مستقرة، لا بمجرد تكرار جولات القصف والاعتراض.
ماذا عن فلسطين ؟
في أغسطس 2026، قدم الباحث “نيل كويليام” في “تشاتام هاوس” قراءة للعلاقة السعودية الأمريكية، أشار فيها إلى أن الرياض تسعى إلى تعزيز شراكتها مع واشنطن، دون أن تجعل تطبيع العلاقات مع إسرائيل شرطا يطغى على سائر مجالات التعاون.
وتكتسب هذه القراءة أهميتها من أنها تفصل بين ثلاثة ملفات كثيرا ما يجري خلطها: الشراكة الأمنية الأمريكية، والمصالح الاقتصادية السعودية، والموقف من قيام دولة فلسطينية.
فالدولة تستطيع أن تحتاج إلى التعاون العسكري مع قوة كبرى، وأن تختلف معها في قضية سياسية أساسية.
ولا ينبغي افتراض أن هذا الاختلاف سيؤدي حتما إلى القطيعة، كما لا يصح تصويره دليلا على وجود مؤامرة شاملة.
إن الاستقلال الدبلوماسي لا يعني رفض التفاوض، وإنما رفض أن يصبح حق التفاوض مشروطا بالتنازل المسبق عن الموقف.
تنتشر أرقام ضخمة عن المساعدات والاستثمارات السعودية في العالم العربي والإسلامي، لكن الخلط بين المنح والقروض والودائع والاستثمارات والتعهدات المستقبلية يجعل المقارنة مضللة.
فمليار دولار يوضع وديعة لدى بنك مركزي يختلف اقتصاديا عن مليار ينفق على الإغاثة، وكلاهما يختلف عن مشروع استثماري يتوقع أصحابه عائدا تجاريا.
ومع ذلك، فإن السؤال الأهم لا يتعلق بحجم المال وحده، بل بما يتركه بعد إنفاقه.
هل ساعد المال السعودي على بناء مؤسسات؟ هل وَفّر وظائف؟ هل حَسّن الخدمات؟ هل خفف اعتماد الدولة المستفيدة على المساعدات المتكررة؟
فالمال الذي يعالج أزمة اليوم مهم، لكن المال الذي يقلل احتمال تكرار الأزمة يترك أثرا استراتيجيا أعمق.
وهنا يمكن للسعودية أن تجمع بين المصلحة الوطنية والمسؤولية الإقليمية، دون أن تتحول إلى جهة مطالبة بتحمل أعباء العالم الإسلامي كله….
لماذا تشتد الخصومات حول السعودية؟
من الطبيعي أن تجذب الدولة المؤثرة خلافات سياسية وإعلامية، خصوصا حين تتقاطع مصالحها مع ملفات إقليمية متنازع عليها.
لكن ليس كل انتقاد للسعودية جزءا من حملة منظمة، ولا كل اختلاف معها عداء لمشروعها، ولا تكفي كثافة المنشورات على منصة اجتماعية لإثبات وجود غرفة عمليات واحدة تديرها.
بعض النقد يستند إلى وقائع تستحق المراجعة، وبعضه يعكس خصومات سياسية، وقد يتضمن بعضه تضليلا أو تحريضا مُنظّما يحتاج إثباته إلى تحليل الشبكات ومصادر التمويل وأنماط النشر.
إن التمييز بين هذه الحالات يحمي مصداقية الدفاع عن المملكة…
فالمبالغة في تصوير جميع المنتقدين أعداء قد تحجب مواطن الخلل الفعلية، كما أن إنكار التهديدات الحقيقية قد يؤدي إلى سوء تقدير المخاطر.
وقد وصف تحليل حديث لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، CSIS، السعودية بأنها تواجه مرحلة من اختلال التوازن الإقليمي، تتداخل فيها طموحات التحول الداخلي مع مخاطر خارجية لا تستطيع التحكم فيها بالكامل.
وهذا توصيف يضع القضية في حجمها الحقيقي: المملكة تمتلك قدرات واسعة، لكنها تعمل في بيئة لا تنفرد بصناعة نتائجها….
* المكانة الدولية لا تُقاس بعدد الدول التي تحتاج إلى مساعدتك اليوم، وإنما بعدد العلاقات والمؤسسات والمصالح المستقرة التي تبقى بعد زوال الحاجة العاجلة.
ولا تُقاس القوة الإقليمية بعدد الخصوم الذين تستطيع مواجهتهم، وإنما أيضا بقدرتك على تقليص الأسباب التي تنتج خصوما جددا.
أما الاستقلال الاستراتيجي فلا يكتمل بالقدرة على رفض الإملاءات، بل يحتاج إلى اقتصاد متنوع، ومؤسسات فعالة، وقدرات دفاعية مستدامة، ودبلوماسية تستطيع إدارة الاختلاف دون تحويله تلقائيا إلى عداوة.
وأنا، ككاتبة مسلمة أحاول الإنصاف ما استطعت، أؤكد موقفي في حق السعودية في حماية سيادتها وأمنها من أي عدوان مسلح، دون أن أرى في هذا الموقف تفويضا مفتوحا لتزكية كل سياسة أو إسكات كل نقد.
فالدفاع عن الدولة ينبغي أن يظل دفاعا عن أمن الناس وحقوقهم ومؤسساتهم ومستقبلهم.
وإذا كان السؤال المطروح اليوم هو لماذا تتجه أنظار كثيرة نحو السعودية، فإن السؤال الأجدر بالمستقبل هو:
ماذا ستفعل المملكة بهذه المكانة حين تهدأ الحروب وتنتهي الخصومات؟
فأعمق صور النفوذ أن يصبح استقرارك مصلحة للآخرين، وأن تنشأ حولك علاقات لا تقوم على الحاجة إلى مالك أو حمايتك وحدهما، وإنما على الثقة بقدرتك على الوفاء بالتزاماتك وصناعة فرص مشتركة….
عندئذ لا تحتاج الدولة إلى أن تقنع العالم كل يوم بأنها مهمة؛ تصبح قرارات العالم نفسها شاهدا على أنه لا يستطيع تجاهلها….
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة