سؤال برسم دناءة بعض القوم وانعدام إنصافهم:
ما الفرق بين القصف الإسرائيلي الذي يقتل النساء والأطفال في غزة، والقصف الحوثي الذي يقتل المدنيين في تعز، إذا كان كلاهما ينتهي بأُم تحمل جثمان ابنها أو ابنتها؟
وهل تتغير حرمة الدم بتغير هوية القاتل وشعاراته؟
الجواب:
الحوثيون والصهاينة سيان في ميزان الدم والعدالة حين يستهدفون المدنيين، وإن اختلفت الرايات والشعارات والمشاريع السياسية.
فما الفرق الأخلاقي بين أم فلسطينية تجمع أشلاء طفلها من تحت الركام، وأم يمنية تحمل جثمان ابنتها فوق جبال تعز، بعد قصف تنسبه التقارير إلى الحوثيين؟
هل يختلف وجع الأم باختلاف العقيدة التي يعلنها القاتل؟ وهل يحتاج الطفل اليمني إلى أن يقتل بصاروخ إسرائيلي حتى نستشعر حرمة دمه؟
إن أعظم ما يفسد الضمير أن يتحول موقفنا من الجريمة إلى موقف من هوية مرتكبها؛ فنرى القتل وحشية حين يرتكبه خصومنا، ثم نفتش له عن تفسير أو تبرير حين يرتكبه من يرفعون شعارات نؤيدها.
إن المظلوم لا يحتاج إلى أن نتفق معه سياسيا حتى ننصفه، والقاتل لا يستحق البراءة لمجرد أنه يعادي قاتلا آخر.
ولا تمنح الدولة شرعية لاستهداف الأبرياء، كما لا تمنح شعارات المقاومة حصانة لمن ينتهك حرماتهم. فالعدالة التي تتبدل أحكامها بتبدل الرايات تفقد معناها، وتصبح أداة في يد المتخاصمين.
وقد وضع القرآن أصلا لا يقبل المساومة:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾
فإذا كان بُغض العدو لا يبيح ظلمه، فكيف تصبح محبة قضية أو تأييد جماعة مبررا للتغاضي عن ظلمها؟!!
ومن يدين قتل الأطفال في غزة، ثم يلتمس الأعذار لقتلهم في تعز، فقد جعل ولاءه السياسي حاكما على ضميره، وقدم هوية القاتل على حرمة المقتول.
ولا تقتضي المساواة في إدانة استهداف المدنيين مساواة كل الوقائع في حجمها أو سياقها أو مسؤولياتها القانونية؛ لكنها تقتضي ألا نمنح أي طرف استثناء من حرمة الدم.
فالطفل الفلسطيني واليمني متساويان في حق الحياة، وأمهاتهما متساويات في حرمة الفجيعة والحق بالعدالة.
وأخشى ما أخشاه على أمتنا أن تصبح لدينا إنسانية انتقائية؛ نبكي فيها على ضحية لأنها قتلها عدونا، ونتجاهل أخرى لأن قاتلها يردد شعاراتنا.
فمن أراد أن يكون عادلا، فليبدأ من الموضع الذي تخالفه فيه عاطفته؛ لأن إدانة ظلم الخصم سهلة، أما إدانة ظلم من نتعاطف مع شعاراته فهي الامتحان الحقيقي للضمير.
والدم البريء لا يتغير لونه عند الحدود، ولا تتغير حرمته بتغير أسماء القتلة.
فإما أن تكون دماء الأبرياء كلها محرمة، وإما أن نكون قد استبدلنا العدالة بالانحياز، وجعلنا من الضمير راية ترفع لمن نشاء وتخفض عمن نشاء….
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون..
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة