هل أصبح شرف الأسرة سلاحا في يد الحوثيين؟

حين تتحول حرمة الأعراض إلى وسيلة للانتقام السياسي

ثمة جرائم يقصد مرتكبوها إيلام الضحية، وجرائم تتجاوز جسد الضحية إلى كل من يحبها وينتمي إليها…..

وفي الحالة الثانية، تصبح صلة الرحم التي جعلها الله موضع مودة ورحمة مدخلا للانتقام، وتتحول حرمة الأعراض إلى نقطة يستهدفها الجلاد ليبلغ بها الأب والأخ والزوج والعائلة كلها.

وهذا هو السؤال الذي تفرضه الانتهاكات الجنسية التي وثقتها الأمم المتحدة بحق معتقلات في سجون جماعة الحوثي:

هل أصبح الاعتداء على المرأة وسيلة لمعاقبة أسرتها وإخضاع خصوم الجماعة، حتى حين لا يكون هؤلاء داخل الزنازين؟

إنها جريمة تتعدد فيها دوائر الاعتداء؛ على حرمة الجسد، وكرامة الإنسان، وأمانة السلطة، وحرمة البيت، والروابط التي أقام الله عليها الأسرة.

والأشد انحرافا أن يرتكب الجاني الفاحشة، ثم يستعير لغة الدين ليمنح جريمته صفة العقوبة والتطهير.

في تقريره الصادر عام 2020، وثق فريق الخبراء الدوليين البارزين التابع للأمم المتحدة اغتصاب ست نساء على أيدي عناصر حوثية داخل مراكز احتجاز سرية في صنعاء ومحيطها، خلال الفترة بين ديسمبر 2017 وديسمبر 2019.

وتعرضت بعضهن للاغتصاب المتكرر، إلى جانب التعذيب والمعاملة المهينة.

كما سجل التقرير استخدام المُحققين الحوثيين اتهامات بالدعارة والتجسس ومساندة الخصوم ضد معتقلات بسبب آرائهن السياسية أو مشاركتهن في الاحتجاجات.

والتفصيل الذي ينبغي ألا يمر عابرا أن الضحايا أفدن بأن محققين وحارسات من “الزينبيات” وصفوا تلك الاعتداءات بأنها “تطهير” و”تأهيل” للمعتقلات.

أي تصوّر للدين يسمح لمعتد بأن يجعل اغتصاب امرأة طريقا إلى تطهيرها؟

وأي سلطة تلك التي تستبيح ما حرم الله، ثم تدعي أنها تعاقب الناس باسم الفضيلة؟

لقد جعل الإسلام حرمة العرض من الضرورات التي يجب صونها، وجاءت مقاصد الشريعة بحفظ النفس والعرض والنسل، وأحاطت هذه الحرمات بسياج من الأحكام التي تمنع الاعتداء والافتراء والعدوان.

قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾

وإذا كان الزنا محرما، فإن الإكراه الجنسي يجمع إلى الفاحشة عدوانا على الإرادة والجسد، واستغلالا للقوة، وقد يقترن بالتعذيب والتهديد والإذلال.

وفي خطبة الوداع قرر النبي ﷺ أصلا لا يملك سلطان تعطيله: “إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام”، وهو حديث متفق عليه.

تأملوا اقتران العرض بالدم والمال…..

فالشريعة التي عظمت حرمة الدم لم تجعل الأعراض مباحة إذا اختلفت المذاهب أو اشتدت الخصومات أو استولى فريق على الحكم.

بل إن القرآن نهى عن العدوان حتى على من يحمل المسلم تجاههم بغضا، فقال سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾….

فإذا كان بغض القوم لا يبيح ظلمهم، فبأي منطق يستباح جسد امرأة لأنها تعارض -هي أو أهلها – جماعة مسلحة أو لأن أحد أقاربها يقف في صف سياسي آخر؟

إن الخصومة لا تنقض العصمة، والغلبة لا تمنح حق الاعتداء، والسجن لا يسقط عن الإنسان الحرمات التي أثبتها الله له.

وتزداد خطورة هذه الانتهاكات حين تقترن باتهامات أخلاقية تستخدمها أجهزة الاحتجاز لإسكات النساء أو إذلالهن.

فقد أمر الله بحماية الأعراض من القذف والافتراء، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾

وهذا نص في عظم حرمة الاتهام بالفاحشة دون بينة، وفي منع تحويل الأعراض إلى مجال للاتهامات المنفلتة.

فكيف حين يصبح من يوجه الاتهام هو نفسه من يملك الزنزانة وأدوات الإكراه والتحقيق؟

عندئذ لا تعود التهمة مجرد قول، وإنما قد تتحول إلى وسيلة لانتزاع الاعترافات، وإرهاب الأسر، وتشويه سمعة المُعارضين، وإلباس الانتقام السياسي ثوب الملاحقة الأخلاقية.

وهنا ينبغي فهم خطورة ما وثقته الأمم المتحدة: حين يجتمع احتكار السلاح مع احتكار الاتهام، يصبح بإمكان الجلاد أن يصنع الجريمة المزعومة، ثم يدعي حق العقاب عليها.

وتقدم قضية الممثلة اليمنية انتصار الحمادي مثالا آخر على استخدام الاتهامات الأخلاقية وإجراءات الاحتجاز ضد النساء.

فقد وثقت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش اعتقالها تعسفيا عام 2021، وتعرضها لسوء المعاملة والإكراه على توقيع إفادة وهي معصوبة العينين، وطلب السلطات الحوثية إخضاعها لفحص عذرية قسري رفضته….

كما أفادت هيومن رايتس ووتش بأن مصادر أبلغتها عن عرض قدم إليها للمشاركة في استدراج خصوم السلطات باستخدام الجنس والمخدرات.

وهذا التفصيل يكشف وجها آخر للمسألة:

أن يصبح جسد المرأة، في روايات الانتهاكات، أداة محتملة لإيقاع الخصوم، بعد أن كان هو نفسه موضوعا للاتهام والتجريم.

إنها مفارقة تستحق المساءلة؛ سلطة تتحدث عن حماية الأخلاق، بينما توثق منظمات حقوقية ممارسات تنتهك الحقوق التي تدعي حراستها.

وفي الفقه الإسلامي أصل عظيم يمنع تحميل إنسان جريرة غيره: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ … فلا يجوز أن تعاقب امرأة على موقف أبيها، أو تستباح كرامة أخت بسبب خصومة أخيها، أو تتحول الزوجة إلى وسيلة للانتقام من زوجها.

هذا المبدأ يهدم من أساسه منطق العقوبة العائلية….

وثمة أصل آخر ينبغي استحضاره، وهو أن السلطة في التصور الإسلامي مقيدة بالعدل، وأن ما يقع تحت يدها من أنفس الناس وأموالهم وأعراضهم أمانة تستوجب الحفظ.

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾

والمُعتقلة أمانة في يد من يحتجزها، مهما كانت التهمة الموجهة إليها…

والاعتداء عليها داخل السجن يضيف إلى الجريمة خيانة الأمانة واستغلال سلطة الاحتجاز.

ولذلك فإن الانتهاكات التي وثقها الخبراء الأمميون لا تستدعي مجرد استنكار أخلاقي، وإنما تحقيقات مستقلة تحدد المسؤولين المباشرين، ومن أمر أو علم أو تستر حيث تثبت الأدلة، وتضمن للضحايا الإنصاف.

وقد فرض مجلس الأمن عام 2021 عقوبات على المسؤول الحوثي سلطان زابن، على خلفية دوره الذي وثقه فريق خبراء الأمم المتحدة في سياسة ترهيب وعنف جنسي استهدفت نساء ناشطات سياسيا.

وهذه ليست مسألة خلاف مذهبي، ولا جدلا حول شعارات الجماعة؛ إنها وقائع تتعلق بحرمة الإنسان، وحدود السلطة، ومسؤولية من يستخدم السلاح والاحتجاز في انتهاك الحقوق.

لقد حذر القرآن من الجمع بين الظلم والادعاء الأخلاقي، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

وأخشى ما في هذه الوقائع أن تصبح المفردات الدينية وسيلة لتبرير أفعال تناقض مقاصد الدين وأحكامه.

فالدين الذي حرم القذف لا يبيح صناعة اتهامات أخلاقية للخصوم، والدين الذي صان الأعراض لا يجيز انتهاكها في الزنازين، والدين الذي حرم الظلم لا يمنح جماعة مسلحة سلطة استباحة النساء باسم تطهيرهن.

* الجريمة التي ترتكب باسم الدين لا تصبح أقل إثما، وإنما يضاف إلى ظلم الإنسان فيها تلبيس على الناس في فهم ما أحله الله وما حرمه.

وهنا تكمن الإجابة عن عنوان المقال:

حين تستخدم عناصر إرهابية حوثية مسلحة الاعتداء الجنسي والاتهامات الأخلاقية لإذلال المعتقلات أو الضغط على خصومها، فإن حرمة الأسرة تتحول في يد الجاني إلى وسيلة للانتقام، بعد أن جعلها الله موضع حماية.

ولا يكفي أن نطالب بوقف هذه الانتهاكات؛ ينبغي أن تكشف الوقائع، وأن يحاسب مرتكبوها، وأن تحمى النساء من كل صور الإكراه والتعذيب والاعتداء.

فمن يعتدي على امرأة محتجزة لا يملك أن يتحدث باسم العفة، ومن يستخدم الأعراض لتصفية خصوماته لا يملك أن يدعي حراستها، ومن يستبيح حرمات الناس باسم الدين لا يستطيع أن يجعل من شعاره حجة على شريعته.

وحسبنا في ذلك قول الله تعالى:

﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ ….

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

في المسألة خلاف

لئن عجت كتب الفلاسفة الغربيين بالجدل حول ثبات الموجودات أو التغير الدائم للموجودات، فإن المنهج …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *