يا مسيحيي الأردن.. كيف أُقدّم عزائي لكم وأنتم بعض ذاكرتي وقلبي؟

ما كنتُ أظن أن يأتي يوم أكتب فيه العزاء لأهل كنيسة في الكرك، وأن أفتش في ذاكرتي عن وجوه عرفت منها المودة، ثم أجد نفسي أمام وجوه أخرى غيّبها الرصاص، وهي مجتمعة في بيت من بيوت العبادة لتودّع ميتا…

أي وجع هذا الذي يجعل أهل العزاء بحاجة إلى من يعزيهم في أنفسهم؟

وأي قسوة تلك التي تلاحق الإنسان حتى في اللحظة التي يقف فيها أمام الموت، مُنشغلا بالدعاء والوداع؟

إلى أهلنا المسيحيين في قرية حمود، وإلى مسيحيي الكرك والأردن جميعا، أتقدم بعزائي من قلب أثقله الخبر، وأشعر أن بعض الرصاص الذي تم إطلاقه هناك قد أصاب شيئا عزيزا في ذاكرتي….

أنا التي أعرفكم…

أعرفكم من قريتي كفرابيل، ومن قرى الشمال التي عاشرت فيها المسيحيين، ومن البيوت والطرقات والوجوه التي لم نكن نسأل فيها الإنسان عن عقيدته قبل أن نعرف معدنه….

وأعرفكم من الكرك، المدينة التي درستُ فيها، ومشيتُ في طرقاتها طالبة في جامعة مؤتة، أحمل كتبي وأحلامي الصغيرة، وأعود إلى سكن الطالبات كما تعود أي فتاة إلى مكان تأمن فيه على نفسها….

وللكرك في قلبي ذكرى قد تبدو صغيرة لمن يسمعها، لكنها اليوم تكبر حتى تكاد تحتمل مقالة كاملة….

ذات يوم لاحقني “كلب” في طريقي نحو باص الكرك – مؤتة عام 2002 ، ووجدت نفسي أبحث عمن يحميني، فكانت زوجة الخوري وائل.. هي التي آوتني وحمتني بل وأدخلتني بيتهم المُلاصق للكنيسة…

لا أعرف إن كانت تلك السيدة تتذكر الحادثة كما أتذكرها….

وربما كانت بالنسبة إليها تصرفا عفويا لا يستحق أن يروى…

لكنها بالنسبة إلي بقيت شاهدا على معدن الناس.

كانت امرأة مسيحية، وكنت فتاة مسلمة أرتدي النقاب كاملا لا أُظهر إلا جزءا من عيوني، ولم يكن بين حاجتي إلى النجدة وبين استجابتها أي سؤال عن الهوية أو الدين أو رأيي بمن ليسوا على ديني…

كانت إنسانا رأى إنسانا يحتاج إلى الحماية، ففتح له باب الأمان…

واليوم، حين أسمع عن إطلاق النار على كنيسة في الكرك، تعود إلي تلك السيدة قبل أن تعود إلي الأخبار، ويعود الباب الذي احتميت به، وأتساءل كيف أصبح باب الكنيسة الذي يدخل منه الناس للصلاة والوداع موضعا للرصاص.

يا أهلنا في الكرك…

لقد فقدتم أحبة لا تعوضهم بيانات الإدانة، ولا تعيدهم الكلمات مهما بلغت بلاغتها….

ولن أدّعي أنني أعرف مقدار وجعكم، فالحزن الذي يدخل بيتا ويأخذ منه أبا أو أما أو ابنا لا يستطيع من يقف خارجه أن يحيط به….

لكني أعرف أن هذا الوجع يعنيني…

يعنيني لأنكم أهلي في الوطن، ولأن المسيحيين الأردنيين حاضرون في تاريخ البلاد وذاكرتها وحياتها، ولأن ما يجري لكم لا يمكن أن يكون شأنا يخص طائفة دون أخرى…..

إن من يطلق النار على أناس اجتمعوا في كنيسة لتشييع ميت، يعتدي على حرمة الحياة وحرمة العبادة وحرمة الموت معا.

وقد أمر الله بالعدل والبر مع من لم يقاتلونا في الدين، فقال سبحانه:

﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ الممتحنة…

والبر أوسع من الامتناع عن الأذى؛ إنه مودة في المعاملة، ووفاء في العشرة، ونصرة للمظلوم، ومواساة للمصاب….

فكيف بمن تجمعنا بهم الأرض والطفولة والمدارس والقرى والخبز والذكريات؟

يا مسيحيي الأردن…

ما أحزنني اليوم أنني أتذكر امرأة مسيحية حمت فتاة مسلمة من كلب في أحد شوارع الكرك، بينما أرى في الأخبار عائلات مسيحية لم تستطع جدران كنيستها أن تحميها من رصاص بعض أسوأ أنواع البشر ..

كم تبدو الإنسانية عظيمة حين تفتح امرأة بابها لغريبة، وكم يبدو الشر فادحا حين يقتحم مسلحون بابا دخله الناس للعبادة والعزاء….

أعزيكم جميعا، وأعزي نفسي بكم، وأسأل الله أن يلهم أهالي الضحايا الصبر والسكينة، وأن يشفي الجرحى، وأن يكشف الحقيقة، وأن ينال الجناة جزاءهم العادل….

ولزوجة الخوري التي حمتني يوما، أينما كانت، أقول:

لقد بقي معروفكِ في ذاكرتي كل هذه السنوات، واليوم أكتبه لأشهد أنني عرفت من مسيحيي الكرك من جعلوا الرحمة فعلا قبل أن تكون كلمة…

سلام على أهلنا في حمود، وعلى كل بيت انطفأ فيه صوت عزيز، وعلى الكرك التي أحببتها طالبة، وأبكي اليوم بعض أهلها كما يبكي الإنسان أهله….

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

في المسألة خلاف

لئن عجت كتب الفلاسفة الغربيين بالجدل حول ثبات الموجودات أو التغير الدائم للموجودات، فإن المنهج …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *