من أعظم الأخطاء في فهم الشريعة أن يظن أحد أن اختلاف العقيدة يخفف حرمة الدم، أو أن المسلم لا تلزمه حماية الإنسان إلا إذا شاركه دينه….
لقد أقام الإسلام حرمة النفس على أصل عظيم، وأوجب العدل حتى مع الخصوم، وحفظ حقوق غير المسلمين الذين يعيشون في عهد وأمان.
وحين يقع اعتداء مسلح على كنيسة، فإننا أمام جريمة تستدعي النظر في ثلاث حرمات: حرمة النفس، وحرمة العهد، وحرمة موضع العبادة….
أما حرمة النفس، فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: 33]….
وجاء النهي عاما في النفس المحرمة، فلا يصح أن يجعل أحد اختلاف الدين سببا لاستباحة مدني مسالم.
وأما حرمة العهد، فقد قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة».
تأملوا هذا الوعيد الشديد….
فالمعاهد إنسان ثبتت له حرمة دمه بموجب الأمان والعهد، ولا يملك فرد أو جماعة أن يسقط تلك الحرمة بدعوى دينية أو حماسة مذهبية.
والمسيحي الأردني مواطن له حقوق المواطنة وحماية القانون، ودمه مصون، وعبادته مصونة. وتؤكد أحكام العهد والأمان في التراث الفقهي أن الاختلاف الديني لا يمنح أحدا رخصة للاعتداء عليه.
أما حرمة مواضع العبادة، ففي القرآن آية بالغة الدلالة:
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: 40].
لقد ذكر القرآن الصوامع والبيع والصلوات والمساجد في سياق بيان دفع العدوان وحماية مواضع العبادة.
وهذه دلالة عظيمة: أن حفظ مواضع التعبد من الهدم والاعتداء داخل في المقاصد التي يقررها النص، مع بقاء الاختلاف العقدي بين الأديان.
فالإسلام لم يجعل حماية الكنيسة إقرارا بكل معتقد يقال داخلها، كما أن العدل مع غير المسلم لا يعني الموافقة على عقيدته.
إن العدل واجب لا ينتظر الاتفاق، وحرمة الدم حق لا يسقط بالخلاف.
ثم انظروا إلى حال المعتدى عليهم في كنيسة حمود.
أناس اجتمعوا في مراسم جنازة. حملوا حزنهم إلى موضع عبادتهم، فإذا بالرصاص يقتحم عليهم ساعة الوداع.
أي حق شرعي يملكه مسلح على هؤلاء؟
وأي ذنب يجعل المشيع هدفا مباحا؟
وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ نهى عن قتل النساء والصبيان في الحرب. فإذا كانت الشريعة قد وضعت حدودا للقتال حتى في ميدان الحرب، فكيف يبرر الاعتداء على مدنيين لا يقاتلون، اجتمعوا لتشييع ميت؟
ومن أراد الاحتجاج بالدين على جريمة كهذه، فليجب أولا عن هذه النصوص.
وليتذكر قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8].
فحتى البغضاء لا ترفع تكليف العدل….
والذين يختلفون معنا في العقيدة لا يصبحون بذلك خارج دائرة الحقوق التي أمر الله بصونها.
إن حرمة الكنيسة اليوم امتحان لصدق فهمنا للشريعة؛ لأن النصوص التي نحتج بها لحماية مساجدنا لا يجوز أن نغفل عن نظائرها حين يقع العدوان على دور عبادة الآخرين.
ومن جعل دينه ذريعة لقتل الآمنين فقد خاصم المقاصد التي جاء الدين لحمايتها، ولو ملأ الأرض شعارات دينية.
وما وقع في الكرك يستوجب كشف هوية الجناة ودوافعهم ومحاسبتهم، دون افتراضات تسبق التحقيق.
أما الحكم الأخلاقي والشرعي على إطلاق النار على مدنيين آمنين، فلا يحتاج إلى انتظار معرفة أسماء المعتدين.
فالأسماء تكشف المسؤول، لكنها لا تغير حرمة الجريمة.
اللهم احفظ الأردن وأهله، واحقن دماء الناس، واجعل بيوت العبادة مواضع أمن وسكينة، ولا تمكن من أرواح الأبرياء من استهان بما عظمت من حرمات…
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة