إلى الذين يسيئون تقدير صبر السعودية، ويخلطون بين اتزانها وعجزها، وبين حرصها على السلام وقبولها بالتهديد…
تأملوا حجم الدولة التي تتوعدونها، قبل أن تبالغوا في تقدير حجم التهديد الذي تملكونه.
السعودية ليست دولة تبحث عن مكان لها في موازين القوى، بل دولة لها وزنها في صناعة تلك الموازين.
وهي لا تستمد مكانتها من ارتفاع صوتها في الأزمات، وإنما من قدرتها على إدارة الأزمات دون أن تفقد اتجاهها، وعلى بناء المستقبل بينما ينشغل خصومها بمحاولة تعطيله.
من يظن أن الصواريخ تستطيع ابتزاز دولة بحجم المملكة، عليه أن يميز بين القدرة على إحداث الضرر والقدرة على فرض الإرادة؛ فالأولى قد تمتلكها جماعة مسلحة، أما الثانية فتحتاج إلى دولة ومؤسسات واقتصاد وعمق استراتيجي وتحالفات وشرعية وقدرة على الاستمرار.
والفارق بين السعودية وخصومها أن المملكة تستطيع أن تخوض معركة حماية أمنها وهي تبني اقتصادها، بينما يستهلك بعض خصومها أوطانهم ليواصلوا معاركهم.
ضبط النفس السعودي قرار سيادي تصنعه الثقة بالقوة، وليس تنازلا تفرضه محدودية الخيارات.
ومن الحكمة ألا يختبر أحد حدود الصبر معتقدا أن المملكة التي تختار توقيت ردها قد فقدت القدرة عليه.
ومن أراد أن ينازع المملكة أمنها، فليتذكر أن تعطيل مشروع أسهل من إسقاط دولة، وأن إقلاق الحدود لا يعني امتلاك مفاتيح القرار، وأن الصاروخ مهما بلغ مداه لا يمنح مطلقه وزن الدولة التي يستهدفها.
هذه بلاد الحرمين، ودولة ذات سيادة ومؤسسات ومصالح وشعب وعمق عربي وإسلامي، تعرف قيمة السلام، وتعرف كذلك أن السلام الذي لا تحميه القوة قد يتحول إلى دعوة مفتوحة للعدوان.
فلا تسيئوا قراءة هدوئها، ولا تراهنوا على استنزاف صبرها؛ فالسعودية التي تبني للمستقبل تعرف كيف تحمي الطريق إليه.
ولمن يستهين بحجم المملكة العربية السعودية ، فالأرقام أبلغ من المبالغات:
اقتصاد بلغ نحو 1.28 تريليون دولار عام 2025، وإنفاق عسكري قدره معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام بنحو 83.2 مليار دولار في العام نفسه، لتحتل السعودية المرتبة الثامنة عالميا في الإنفاق العسكري.
وبلغت صادراتها غير النفطية، بما فيها إعادة التصدير، نحو 97 مليار دولار.
هذه ليست أرقام دولة تستنزف وجودها لتثبت حضورها، بل مؤشرات دولة تمتلك الموارد والقدرة على الاستثمار في أمنها ومستقبلها معا.
ولذلك، فإن من يراهن على إخضاع السعودية بالاستنزاف، عليه أن يسأل نفسه: هل يملك من مقومات الصمود ما يكفي لمواجهة دولة تمتلك هذا العمق الاقتصادي والدفاعي والمؤسسي؟
فليست كل قدرة على الإيذاء قدرة على الانتصار، وليست كل ضربة تصيب دولة قادرة على تغيير مصيرها.
والسعودية لا تحتاج إلى أن تتوعد أحدا لتثبت قوتها؛ يكفي أن يدرك خصومها أن حسابات المواجهة لا تنتهي عند لحظة إطلاق الصاروخ، وإنما تبدأ من سؤال أشد وطأة: من يستطيع تحمل عواقب التصعيد، ومن يملك مقومات البقاء بعده؟
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة