يا بني ديني وقومي..
أي مروءة بقيت فينا، وأي معنى للنخوة ندّعيه، وأي قلب نحمله بين ضلوعنا، إن كنا نعرف الطريق إلى الحرمين الشريفين، ولا نعرف الطريق إلى نصرة أهلهما، حين يتهدد أمنهم وأمن ضيوفهم من استرخصوا حرمة الجوار، وتنكّروا لحق الأخوة، وأسقطوا من حساباتهم كل ما عرفه العرب من مروءة وشهامة ونجدة؟!
وأي مروءة تلك التي نستدعيها من بطون التاريخ، ونفاخر بها الأمم، ثم نتردد في استنكار صاروخ يتجه إلى أرض فيها أمهاتنا وإخوتنا وأبناؤنا؟
السعودية ليست رقعة على خريطة السياسة، ولا خبرا هامشيا في نشرات الأخبار، ولا حكومة نختلف معها أو نتفق…..
إنها أرض إذا ذكرناها حضرت مكة في الضمير، والمدينة في الوجدان، وحضر تاريخ أمة حملت من هذه الأرض أول نداء إلى العالمين.
هناك قبلة تتجه إليها وجوهنا خمس مرات في اليوم، وهناك مدينة تحتضن جسد نبينا صلى الله عليه وسلم، وهناك ملايين البشر الذين لا ذنب لهم في خصومات السياسة، ولا ينبغي أن تصبح حياتهم رهينة لصاروخ أو حسابات جماعة همجية مسلحة.
فبأي ضمير يستقبل المرء القبلة في صلاته، ثم يهون عليه أن يستباح أمن الأرض التي تحتضنها؟
لقد ابتليت منطقتنا بمشاريع مسلحة رفعت شعارات التحرير والمقاومة، ثم انتهى بها الأمر إلى منازعة الدول سيادتها، ومصادرة قرار شعوبها، وتحويل المدن إلى ساحات نفوذ وصراع.
في العراق ولبنان وسوريا واليمن، اختلفت الظروف والمسؤوليات، لكن تجربة الجماعات الإرهابية المسلحة المرتبطة بإيران طرحت سؤالا واحدا:
ماذا يبقى من الوطن حين يصبح قرار الحرب والسلم خارج مؤسساته؟
رأينا أوطانا عربية تتصدع حين صار السلاح أسبق من الحكمة، والولاء للجماعة أعلى من الوفاء للوطن، وحين تحولت أحلام الناس البسيطة إلى أمنيات مؤجلة:
ليلة بلا قصف، وبيت بلا فجيعة، وطريق يعود منه الأحبة سالمين.
وها نحن نرى الصواريخ تتجه نحو المطارات والمنشآت السعودية، بينما يحاول البعض اختزال المسألة في حسابات الخصومة السياسية، كأن كرامة الإنسان تتبدل بتبدل الجهة التي يحمل جواز سفرها.
من أراد أن يخاصم سياسة دولة فليخاصمها بالحجة…..
أما تحويل حياة المدنيين إلى وسيلة للضغط، فلا تمنحه أي مظلومية تاريخية شرعية أخلاقية.
لا أطالب أحدا أن يحب نظاما سياسيا، ولا أن يتنازل عن رأيه في حكومة أو حاكم، ولا أن يصمت عن خطأ، ولا أن يغض الطرف عن مظلمة…
ولكنني أسأل عن الحد الذي ينبغي أن تقف عنده الخصومة، وعن بقية المروءة حين يصبح اختلافنا مع دولة عذرا لترويع أهلها.
أين ذهبت نخوة العربي الذي كان يستجير به الغريب فيجيره؟
وكيف صار بعضنا يستكثر الأمان على أخيه، ويبحث عن المبررات لمن يهدد بيته وطفله ولقمة عيشه؟
الأم التي تنتظر عودة ابنها من سفر، والأب الذي يودع أسرته في المطار، والطفل الذي ينام مطمئنا إلى أن الغد يشبه الأمس، لا ينبغي أن يدفعوا ثمن صراع لم يختاروه….
ومن ضاقت إنسانيته عن الخوف في عيون أمهات في السعودية، فليسأل نفسه: كيف اتسعت يوما لدموع أمهات سواهن؟
عرفت السعودية عبر عقود طويلة أن أمنها لا ينفصل عن استقرار اليمن…
وعرفت كذلك أن الجغرافيا لا يمكن تغييرها
وأن الجوار “قدر” لا يُلغيه خلاف ..
وأن اليمنيين شعب شقيق لا تختصره جماعة مسلحة ولا تمثله الصواريخ التي تنطلق من أرضه.
ومن هنا ينبغي أن يكون التمييز واضحا: الشعب اليمني ليس عدوا للسعودية، كما أن السعودية ليست مطالبة بالتخلي عن حقها في حماية مواطنيها حتى تثبت محبتها لليمن.
والذين يستحضرون مأساة المدنيين اليمنيين، وهي مأساة حقيقية تستوجب الإنصاف والمساءلة، عليهم ألا يجعلوا منها ترخيصا باستهداف المدنيين في السعودية…
فالعدالة التي تتسع لضحية وتضيق بأخرى تفقد معناها….
ثم إن السؤال الذي يواجه أصحاب المشروع الحوثي يتجاوز عدد الصواريخ التي يستطيعون إطلاقها:
ما الدولة التي يريدون بناءها إذا كان استمرار مشروعهم مرهونا باستمرار الحرب؟ وما السيادة التي يتحدثون عنها إذا أصبحت حياة اليمنيين ومستقبلهم رهينة لصراع إقليمي تتجاوز حساباته حدود اليمن؟
** كرامة اليمن لا تتحقق بإخافة السعودية، كما أن أمن السعودية لا يكتمل إلا بجوار يمني آمن ومستقر***
وهنا يستحق الموقف العربي مراجعة جادة…
فالتضامن بين الدول لا ينبغي أن يكون مجرد بيانات تصدر بعد كل هجوم، وإنما التزاما بمبدأ واضح:
لا يجوز لجماعة إرهابية همجية مسلحة أن تستبيح أمن دولة، ولا أن تفرض على ملايين البشر العيش تحت التهديد المستمر.
لقد دفعت شعوب المنطقة أثمانا باهظة حين تقدمت سلطة السلاح على سلطة القانون، وحين صار الولاء العابر للحدود أقوى من واجب المواطنة….
وما تحتاجه المنطقة اليوم هو استعادة حق الدولة في احتكار القوة وفق القانون، واستعادة حق المواطن في ألا يتحول إلى وقود لمعارك الآخرين.
أما السعودية، فمن حقها اتخاذ التدابير المشروعة للدفاع عن أراضيها وسكانها، مع الالتزام بحماية المدنيين والقانون الدولي الإنساني.
فالدولة الحقيقية لا تقاس قوتها بعدد ما تستطيع تدميره، وإنما أيضا بقدرتها على حماية ما بنت، ومنع تكرار التهديد، وصيانة حياة الناس في أصعب الظروف.
وصلابة الدولة الحقيقية أن ترفض الخضوع للابتزاز، وأن تبقى في الوقت نفسه أمينة على القيم التي تدافع عنها.
وإنني وعزّة ربي لأستحي من تاريخ أجدادنا إن صارت المروءة عندنا قصيدة نرددها، لا موقفا نتخذه؛ وإنني أستحي من ديني إن تحدثت عن حرمة الدم في وطن، ثم التمست الأعذار لاستباحته في وطن آخر….
يا أهل السعودية…..
لكم أن تختلفوا مع العالم كله، ولكم أن تدافعوا عن أرضكم وحق أطفالكم في الحياة الآمنة، دون أن تعتذروا عن محبتكم لوطنكم أو تمسككم بسيادته….
ولكم علينا، نحن الذين نشارككم الدين واللسان والتاريخ، ألا نجعل خلافات السياسة أكبر من حرمة دمائكم، ولا أن نزن خوف أطفالكم بميزان المصالح.
وإذا كان من كلمة أقولها في هذه الساعة، فهي أن مروءة العربي لا تكتمل حتى يصبح أمن أخيه عزيزا عليه كأمن بيته، ودم أخيه حراما عليه كدم ولده، ووجع أم أخيه موجعا له كوجع أمه.
السعودية وطن لملايين البشر، وبلد الحرمين الشريفين، وموطن تاريخ عربي وإسلامي عريق، وأمنها مسؤولية سيادية لا يجوز ابتزازه بالصواريخ.
وستبقى المروءة العربية ناقصة ما دام بعضنا يطلب الأمان لوطنه، ثم يجد الأعذار لمن يسلبه من وطن أخيه.
إن أعظم ما يمكن أن نتمسك به في هذه اللحظة هو ألا نسمح للحرب بأن تفسد ضمائرنا، ولا للخلافات بأن تسقط حرمة الدم، ولا للجماعات المسلحة بأن تجعل مستقبل المنطقة أسيرا لصواريخها.
اللهم احفظ السعودية وأهلها، واحفظ اليمن وأهله، وسائر بلاد المسلمين من كل شر…
فما خلقت الأوطان لتكون مقابر لأحلام أبنائها، ولا خلقت الأمهات ليدفن في قلوبهن الخوف كلما أضاءت السماء نار الحرب.
يا أبناء الدين والدم ..
إن كنا قد عجزنا عن أن نجعل بلاد العرب كلها آمنة، فلا نكن عونا لمن يريد أن يسلب الأمن مما بقي منها آمنا….
فإن من أعظم الخذلان أن يجد المعتدي من يبرر له عدوانه، وأن يجد الخائف من يخاصمه حتى في حقه أن يأمن.
وستبقى السعودية، كما كل وطن، أكبر من خصوماتنا، وأعلى من أحقادنا، وأحق بالحياة من كل مشروع لا يعرف كيف يثبت وجوده إلا بتهديد حياة الآخرين.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة