حين يضعف الإنسان أمام ما يؤمن به… هل يتمادى في التنازل متذرعا بضعفه، أم يحاول تصحيح مساره من جديد؟
قد يؤمن الإنسان بقيم كثيرة وبصدق، ثم يعجز عن الوفاء بها حين تصبح كلفتها شخصا يحبه، أو أمنا يخشى فقدانه، أو وحدة لا يعرف كيف يحتملها…
يعرف ما ينبغي أن يفعل، ويملك من الحجج ما يكفي لإقناع الآخرين، لكنه حين يقف وحده أمام الامتحان يكتشف أن معرفة الطريق لا تمنح القدمين قوة السير فيه.
وهنا يأتي من يسأله: “أأنت الذي كنت تحدثنا عن الكرامة والثبات؟”.
سؤال يستحق أن يطرحه المرء على نفسه، وقد يكون نصيحة من محب، لكنه يصبح أداة إذلال حين يستخدمه شخص ليستثمر المسافة بين مبادئ الإنسان وضعفه…
كأن الدعوة إلى الفضيلة تعهد بالعصمة، وكأن من عرف الحق ثم تعثر فيه ثبت أنه لم يؤمن به قط!
وقد يستحضر القائل قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ …
والآية عتاب شديد لمن يعرف الخير ويدعو إليه ثم يهمل نفسه؛ فمعرفة الحق تزيد مسؤولية صاحبها، لكنها لا تجعل كل عثرة دليلا على كذب إيمانه به.
وقد أوضح ابن كثير أن الذم متوجه إلى ترك البر، لا إلى الدعوة إليه، وأن واجب العمل وواجب الأمر بالمعروف لا يسقط أحدهما بتقصير الإنسان في الآخر.
فالمرء مسؤول عن إدخال نفسه في مقتضى ما يدعو إليه؛ ومعرفته تزيد حاجته إلى المحاسبة، ولا تمنحه حصانة من النقد.
في الجزء الرابع من كتاب “الأخلاق؛، يقول سبينوزا: “المعرفة الصحيحة بالخير والشر لا تكبح الانفعال لمجرد كونها صحيحة”…
وهي ملاحظة تفسر مأزقا نعيشه:
قد تكون الفكرة واضحة في العقل، بينما تملك الخسارة المحتملة حضورا أشد في النفس…
فمعرفة ضرر التعلق لا تمحو الخوف من الهجر، وفهم الكرامة لا يوقف تلقائيا ارتجاف إنسان يتصور حياته بعد رحيل من يحب.
نرى هذا في أب يحث أبناءه على الاستقلال، ثم يعجز عن منحهم حرية الاختيار خوفا عليهم…
ونرى ذلك في إنسان يدافع عن العدالة، ثم يطلب استثناء حين تمس المساءلة قريبا له…
ونراه في شخص ينصح المهان بالرحيل، ثم يبقى في علاقة تؤذيه لأن الباب الذي سيخرج منه يفضي، في تصوره، إلى فراغ أكبر من قدرته على الاحتمال.
ونراه في امرأة طالما صانت حدودها، وحرصت على الحشمة وتجنب الاختلاط، ثم أرخت يدها في يد رجل أحبّته، أو ظنّت أنها أحبّته، وضعفت أمام عناقه، وهي على يقين أنها بلغت معه آخر محطات الرحلة، وأن قلبها المتعب وجد أخيرا من يأمن إليه… وحين اطمأنت إلى أن قربه يحمل المعنى نفسه الذي حملته هي، قال لها: “استغربت أنكِ هكذا… سايرتكِ وحسب”…
كانت تظن أنه يستقبل قلبها، فإذا به يتأمل تفاصيل ضعفها؛ وما حسبته لحظة أمان بينهما، أعاده إليها خجلا تحمله وحدها… فتجد نفسها ممزقة بين خوفين: أن تخسره إن استعادت حدودها، وأن تخسر نفسها إن مضت في التنازل؛ ويزيد وجعها أنه كان معها في تلك اللحظة، ثم تحدث عنها كأنها كانت وحدها…
***
هذه المواقف تكشف مواضع تحتاج إلى إصلاح… لكنها لا تكفي وحدها للحكم بأن كل ما سبقها كان تمثيلا…
فالإنسان قد يحمل قناعة حقيقية وإرادة ضعيفة في الوقت نفسه؛ ومن الخطأ أن نخلط بين صدق المعيار ومقدار قدرته على الالتزام به.
يقول لاروشفوكو: “حين نقهر أهواءنا، قد يكون ذلك لضعفها أكثر مما هو لقوتنا». وفي هذه العبارة ما يزعزع غرور المتفرج على ضعف سواه:
ربما سهل عليه الثبات لأن ما عرض عليه لم يمس حاجته الأعمق…
وقد يزدري تنازل غيره عن الحب، بينما يتنازل هو عن الإنصاف عند الغضب، أو عن الأمانة عند المال، أو عن الشجاعة حين يتهدد موقعه…
لكل نفس بابها الذي ينبغي أن تحرسه، وبعض الناس لم يقف بعد أمام بابه.
لكن الاعتراف بهذا التعقيد يحتاج إلى أمانة…
فقول الإنسان: “أنا ضعفت” بداية محتملة للمراجعة…
أما قوله: “ما فعلته صحيح لأنني كنت أتألم”…
فقد يحول الألم إلى سلطة تعيد تعريف الصواب…
المشاعر تفسر ضغط الامتحان، ولا تمنح صاحبها حق إيذاء الآخرين أو إسقاط حقوقهم…
ومن ظلم إنسانا لا تكتمل مراجعته بالندم وحده؛ عليه أن يصلح ما يستطيع إصلاحه.
وهذا الميزان حاضر في التأصيل الشرعي؛ فإلى جانب محاسبة الإنسان على مخالفة ما يدعو إليه، يذكر القرآن، في سياق صفات المتقين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾، ثم يقول في الآية نفسها: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ …
هنا مساحة للإنسان الذي يتعثر ثم يرجع؛ مساحة لها شرطها الأخلاقي: أن يعترف، ويستغفر، ويقاوم الإصرار…
فالرجوع جزء من بناء التقوى، وليس وقوع الذنب شهادة بأن كل خير في صاحبه كان كذبا.
وفي صحيح البخاري أن رجلا تكرر منه شرب الخمر، فلما لعنه أحد الحاضرين قال النبي ﷺ: “لا تلعنوه، فوالله ما علمت إنه يحب الله ورسوله”…
لم يسقط عنه تبعة فعله، لكنه منع تحويل المعصية إلى حكم يمحو محبته وإيمانه…
وهذه دقة أخلاقية نحتاج إليها: أن نرى الخطأ بوضوح، وأن يبقى نظرنا قادرا على رؤية الإنسان الذي وقع فيه.
أما من يستغل تعلق إنسان به ليطالبه بالتنازل، ثم يسخر من مبادئه بعد أن يتنازل، فهو يصنع مأزقا مزدوجا: يضغط على موضع ضعفه، ويستخدم استجابته دليلا ضده.
وحين يقول له: “أين قيمك الآن؟”، يصبح السؤال وسيلة لإحكام السيطرة؛ فكل محاولة لاستعادة الحدود يمكن مواجهتها بتذكيره باللحظة التي خالفها فيها.
ولذلك يحتاج الإنسان إلى شجاعة تتجاوز الدفاع عن صورته: أن يقول: “نعم، خالفت ما أؤمن به، وعلي إصلاح ذلك”…
هذه الجملة تسحب من المستغل سلاح الإنكار، وتحفظ للمبدأ مكانه…
فما وقع بالأمس لا يلزم صاحبه بمواصلة الخطأ اليوم، والتنازل السابق لا يمنح أحدا حق المطالبة بتنازل جديد…
وقد تغير التجربة أيضا طريقة حديثه عن الآخرين…
يصبح أقل استعجالا في إصدار الأحكام، وأكثر انتباها إلى ما يحتاجه الثبات من تدريب وسند وحدود عملية…
يتعلم أن بعض الناس يعرفون النصيحة، لكنهم يحتاجون إلى من يساعدهم على احتمال كلفتها.
القيم التي ننادي بها ينبغي أن تعود إلينا حين نضعف، لتعيننا على النهوض…
وأقسى ما يفعله التعيير أنه يحاول إغلاق هذا الطريق: يقنع الإنسان بأن عثرته أبطلت حقه في الرجوع أو التراجع عن الخطأ…
أما الضمير الحي فيقول له: أخطأت، وما زال عليك أن تختار خطوتك التالية…
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾…
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة