هل خسرت السعودية الشعوب العربية بسبب موقفها من الثورات؟

هذا السؤال أكثر تعقيدا مما يسمح به التعبير عن “الثورة المضادة”…

فالثورات العربية لم تكن حدثا واحدا، ولم تنتج مسارا واحدا، ولم تكن مواقف السعودية منها متطابقة….

كما أن انهيار دول مثل سوريا وليبيا واليمن لا يمكن تفسيره بإرادة دولة إقليمية واحدة، مع تجاهل الاستبداد الداخلي، والانقسامات الاجتماعية، والتدخلات الخارجية، وصعود التنظيمات المسلحة، وأخطاء القوى التي تصدرت المشهد بعد الانتفاضات.

يمكن مناقشة السياسات السعودية تجاه مصر والبحرين وسوريا واليمن، وانتقاد بعضها، ومساءلة نتائجها….

لكن تحويل كل مأساة عربية إلى نتيجة مباشرة لسياسة الرياض ليس تحليلا، بل اختزال للتاريخ….

ثم إن الشعوب ليست كتلة سياسية واحدة، ولا تمتلك موقفا موحدا من السعودية أو من الإسلام السياسي أو من الثورات.

والعمق الاستراتيجي لا يبنى بمجرد كسب رضا الحركات السياسية، كما لا يصان بالاكتفاء بالعلاقات مع الحكومات…

إنه يتشكل من المصالح الاقتصادية، والروابط الاجتماعية، والمؤسسات التعليمية، والشرعية السياسية، والتعاون الأمني، والقدرة على الإسهام في استقرار الجوار.

وهنا يوجد سؤال مشروع للسعودية ولغيرها: كيف تتحول المساعدات والاستثمارات والعلاقات التاريخية إلى شراكات مجتمعية مستدامة، لا إلى تفاهمات بين النخب وحدها؟

لكن الإجابة لا تكون بتسليم قرار العلاقات مع الشعوب إلى تنظيمات تدعي احتكار تمثيلها.

فالأمة أوسع من الجماعة، والشعب أكبر من الحزب، والانتماء الإسلامي أعمق من أن تحتكره حركة سياسية….

الخطيئة الثالثة: هل فقدت السعودية قوتها حين غيرت علاقتها بمرجعيتها الدينية؟

يطرح صاحب النص المُتداول؛ فكرة أن الدولة تنهزم حين تفقد مرجعيتها، ثم يجعل الخلاف بين السلطة وبعض العلماء سببا مباشرا لعجزها العسكري.

وفي هذا الطرح قضية تستحق المناقشة، وقفزة استنتاجية لا يمكن قبولها دون دليل.

فالعلاقة بين الدولة والعلماء، وحرية الرأي، وضمانات العدالة، وحقوق الموقوفين، قضايا مهمة في سلامة المجال العام وثقة المجتمع بمؤسساته.

ولا ينبغي إنكار وجود انتقادات حقوقية موثقة بشأن احتجاز علماء ودعاة وشخصيات عامة في السعودية.

لكن هذه المسألة لا تثبت بذاتها أن الجيش فقد قدرته العسكرية، أو أن الصواريخ الحوثية أصبحت أكثر فاعلية بسبب اعتقال عالم أو تغيير سياسة دينية.

فالقدرة العسكرية ترتبط بالتدريب والاستخبارات والتسليح والقيادة والعقيدة القتالية والتكامل بين المنظومات، كما ترتبط بصلابة الجبهة الداخلية.

أما التدين فلا يصح اختزاله في الولاء لاتجاه دعوي بعينه….

فالسعودية لا تستمد مكانتها الإسلامية من جماعة أو تيار، وإنما من موقع الحرمين الشريفين في وجدان المسلمين، ومن مسؤوليات الدولة تجاههما، ومن روابط تاريخية ودينية تتجاوز الخلافات السياسية.

والنقد المُنصف يقتضي المطالبة بالعدالة وصيانة الحقوق دون تحويل الاختلاف مع السلطة إلى دعوة لإضعاف مؤسسات الدولة.

فالمرجعية الدينية ينبغي أن تكون مصدرا للعدل والمسؤولية، لا أداة تمنح تنظيما سياسيا حق احتكار الحديث باسم الله أو الأمة.

الخطيئة الرابعة: هل جعل الارتباط بالغرب السعودية رهينة للقوى الكبرى؟

سأجيت على هذه المُغالطة في المقالة القادمة ….

وأكرر : من لا يُحب المقالات الطويلة وليس لديه جلَد او وقت..فليُغادر الصفحة بأدب دون إساءة ..

تحيتي واحترامي..

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

خمس خطايا سعودية أم خمس مغالطات غير سويّة !

وصلتني مجموعة من الأسئلة والاتهامات تحت عنوان “خمس خطايا ارتكبتها السعودية تسببت في إعيائها العسكري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *