لماذا تتحول ذكرى السادس من أكتوبر إلى ساحة جدل؟

مرت بنا قبل أيام الذكرى الـ 53 لحرب أكتوبر/تشرين الأول عام 1973، والتي خاضها العرب على الجبهتين المصرية والسورية ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي.

ارتبط موعد هذه الذكرى بفتح ساحة للجدل حول توصيف هذه الحرب ونتائجها، بين قائل بأنها نصر تاريخي حاسم غير موازين القوى وحقق مكاسب كبيرة، ومن يرى أنها حرب قد انتهت بالتعادل، وآخر يقول بأنها حرب تحولت إلى ثغرة في الصراع العربي الإسرائيلي وقدمت تضحيات كبيرة بلا جدوى.

الذين يقللون من شأن نصر أكتوبر مدفوعون برؤية غياب أو ضعف النتائج، فعلى الجبهة السورية فقد الجيش السوري كل الأراضي التي اكتسبها منذ بدء العملية العسكرية بعد الهجوم المضاد الذي شنته القوات الإسرائيلية والتي استعادت الأراضي ووصل تهديدها إلى العاصمة دمشق، وانتهى الأمر ببقاء الجولان محتلًا عدا بعض الأجزاء التي كان الإسرائيليون قد احتلوها عام 1967 أبرزها القنطيرة، وذلك ضمن اتفاق فض الاشتباك في نهاية مايو/أيار 1974.

وأما الجبهة المصرية، فإن أصحاب هذه الرؤية يقولون بأنه على الرغم من تحرير سيناء الذي تم عبر مسار دبلوماسي وسياسي أعقب الحرب، إلا أن اتفاقية السلام التي أبرمها الرئيس المصري أنور السادات مع الكيان الإسرائيلي كانت بمثابة سلام منفرد دون التوصل إلى تسوية حاسمة للقضية الفلسطينية، وأنه قد أضاع فرصة كبيرة لإزالة آثار العدوان الإسرائيلي على الأمة العربية.

تفاقُم الجدل خاصة في هذا العام حول مكتسبات ونتائج حرب 1973 ربما يرجع إلى حالة الإحباط العامة التي انتابت الأمة حيال قضايا الصراع العربي الإسرائيلي، إذ أن المشهد الحالي يتصدره الكيان الإسرائيلي الذي يعربد في الأراضي العربية دون رادع، وحسم إلى الآن هذا الصراع لصالحه، بعد أن دمر قطاع غزة وتوسع في المستوطنات بالضفة، واجتازت قواته الحدود السورية والحدود اللبنانية ودأب على العبث في أراضي الدولتين العربيتين. من ثم يرى البعض أن كل هذه الأوضاع الكارثية نجمت عن إخفاق الأداء السياسي والإدارة السياسية لحرب أكتوبر أو العاشر من رمضان.

سبب آخر لتفاقم هذا الجدل وهو ذلك التدفق الهائل في بث أسرار حرب أكتوبر ومذكرات قادتها وزعمائها وبرامج ومواد إعلامية يعاد فيها قراءة هذه الحرب مرة أخرى، والتي كشفت عن حجم الخلافات بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية من ناحية، وبين جنرالات الجيش أنفسهم من ناحية ثانية، وبين الجبهتين المصرية والسورية وضعف التنسيق بينهما من ناحية ثالثة.

أهداف الحرب نفسها كانت من القضايا التي ظهر فيها التضارب والاختلاف، هل تضمنت الخطة العسكرية العبور والحصول على مساحة 10-15 كيلو مترا بغرض امتلاك ورقة تفاوضية دون تطوير الهجوم إلى عمق سيناء، أم أن تطوير الهجوم كان جزءًا من خطة شاملة لتحرير سيناء؟

لست في هذا المقام بإزاء عرض ومناقشة أوجه التضارب والخلافات السياسية/العسكرية، والعسكرية/العسكرية في تلك الحرب، بقدر الرغبة في التعرض لهذه الذكرى وضبط طريقة استقبالنا السنوي لها.

أرى أنه مهما كانت النظرة لنتائج هذه الحرب، ومهما كان انتقاد قادتها السياسيين والعسكريين، إلا أنه لا ينبغي أن نهمل الجوانب المضيئة لهذه الحرب، وألا نحيد عن توصيف إنجاز الجنود الذين وضعوا أرواحهم على أكفهم بأنه انتصار لهذه الأمة على ألد أعدائها.

وإن من الإنصاف أن نفصل بين الأداء على الجبهات القتالية والقرارات السياسية، حتى لا نجحف حق هذا الجيل الذي حقق النصر العسكري الوحيد للدول العربية على العدو الصهيوني، مهما أخفق القادة السياسيون والعسكريون في قراراتهم العسكرية، ومهما أخفقوا في استثمار جهد المقاتلين في تحقيق مكاسب سياسية مرضية للأمة.

إن أبرز الجوانب المضيئة في هذه الحرب والتي تحتم علينا أن نبتهج لها وألا نفسد فرحة الجماهير في استقبالهم لها، أنها أنعشت الأمة بعد أن كادت تموت روحها بوهم القوة العسكرية الإسرائيلية التي لا تقهر، فالدعاية الصهيونية للتفوق على العرب قد أرعبت القلوب، وعزز هذه النظرة الدعم الأمريكي الذي لا يتوقف للاحتلال.

لقد علمتنا هذه الحرب التي تم خلالها عبور أعظم حاجز مائي وتحطيم خط بارليف العتيد، أن هذا الكيان اللقيط يقهرنا بأوهام القوة لا القوة ذاتها، وأن السلاح والتفوق العسكري ليس وحده هو عامل النصر، فمتى توفرت الإرادة يمكن تأديب هذه القوة الغاشمة المتمردة.

من هذا المنطلق يصبح الاهتمام بهذه الذكرى ضروريًا في تشكيل الوعي وبث الأمل في الجماهير وعدم الاستسلام للوضع الراهن مهما كان قاسيًا، ومهما بلغ علو هذا الكيان الغاصب.

الجانب الآخر من تلك الجوانب المضيئة لهذه الحرب وذكراها، أنها تمثل أسمى صور التكاتف العربي، فهي حرب لم يكن طرفاها مصر وسوريا من جهة وإسرائيل من جهة أخرى فحسب، وإنما كانت حربًا يخوضها العرب جميعًا ضد الكيان الإسرائيلي، شاركت فيها الدول العربية بدعمها لجبهتي الحرب بالمال والسلاح والمعدات والجنود والضغط بورقة النفط.

شارك العراق مباشرة في العمليات العسكرية، فنفذت طائراته الهوكر هنتر ضربات جوية من ناحية الجبهة المصرية، ووجه قواته البرية والجوية الكبيرة أيضا إلى الجبهة السورية، وبلغ مجموع القوات التي شارك بها العراق 60 ألف مقاتل، و 700 دبابة، و 12 كتيبة مدفعية، ومئات العربات المدرعة وآلاف سيارات النقل إلى جانب الطائرات.

الجزائر التي دعمت مصر بمائتي مليون دولار لشراء أسلحة قبل الحرب، أرسلت بعد اندلاعها ما يقارب من مائة دبابة، وحوالي خمسين طائرة حديثة، ولواء مدرعًا بأكمله وضع في الجيش الثالث، وأكثر من ثلاثين مجنزرة، و 12 مدفعًا، وأعلن الجزائر حظر تصدير النفط للدول الداعمة للكيان.

السعودية استخدمت سلاح النفط في الحرب، وأعلنت وقف بيعه للغرب لإجبار الاحتلال الإسرائيلي على الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، وأعلنت أنها ستوقف إمدادات النفط إلى أمريكا والدول المؤيدة للكيان. كما تبرعت بمائتي مليون دولار، ودشنت جسرًا جويًا لإرسال عشرين ألف جندي إلى الجبهة السورية، وتشكلت القوات السعودية من لواء الملك عبد العزيز الميكانيكي المكون من فوج مدرعات، وفوج مدفعية ميدان، وفوج المظلات الرابع، وبطارية مدفعية مضادة للطائرات، وسرية مدافع هاون، وقاتلت هذه القوات إلى جوار القوات السورية في عدة معارك.

الكويت دعم الجبهتين عسكريا وماليا، فتشكلت قوة الجهراء المجحفة من ثلاثة آلاف جندي، وتم تكليفها بحماية دمشق، ثم أرسلت الفرقة الثالثة إلى القطاع الشمالي بالجولان، وشارك لواء اليرموك المؤلف من ألف وخمسمائة مقاتل إلى الجبهة المصرية، وخمس طائرات هوكر هنتر وطائرتين سي 130 تحملان الذخيرة وقطع الغيار إلى الجبهة المصرية.

الأردن أرسل إلى سوريا اللواء المدرع 40، ووضع تحت قيادة الفرقة المدرعة الثالثة العراقية التي عمل إلى جوارها في الحرب، واستطاع هذا اللواء إجبار القوات الإسرائيلية على التراجع 10 كليو مترات.

المغرب أرسل لواء مؤلفا من ثلاثة آلاف مقاتل إلى سوريا شارك في معارك الجولان، وليبيا قدمت مليار دولار أثناء الحرب لشراء الأسلحة، وأربعة ملايين طنا من البترول، وأرسلت للجبهة المصرية سرب طائرات ميراج 5، والسرب 69 ميراج قاده طيارون مصريون.

السودان، وقطر، والإمارات، وتونس، والبحرين، واليمن، كل منهم كان له دوره كذلك في الدعم العسكري أو المادي أو استخدام ورقة النفط.

كيف نغفل عن هذه الصورة المشرقة التي تأخذ وصف الندرة في تاريخ العرب المعاصر؟

إن استحضار هذا التكاتف العربي مع هذه الذكرى شهادة حية على قدرة الأمة على تجاوز أزماتها، وأن الوحدة ممكنة، وأن ما حدث بالأمس يمكن له أن يحدث اليوم مهما تعقدت الأمور، فقط إذا توفرت الإرادة العربية.

لا أريد بهذا الطرح الاستغراق في إنجازات الماضي، ولا أدعو إلى التغاضي عن دراسة الأخطاء وأوجه القصور في تلك الحرب، لكن لا ينبغي مع ذلك أن نفسد الفرحة بهذه الملحمة التاريخية، والتي كانت وستظل – رغم كل شيء- يومًا عرفت فيه الأمة قدرها وقدر عدوها.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

هل خسرت السعودية الشعوب العربية بسبب موقفها من الثورات؟

هذا السؤال أكثر تعقيدا مما يسمح به التعبير عن “الثورة المضادة”… فالثورات العربية لم تكن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *