ما الذي يريد الحوثيون تحقيقه من قصف المطارات وترويع الآمنين؟!

ليس في استهداف مطار مدني بطولة عسكرية…

ولا في تهديد المسافرين انتصار سياسي..

ولا في تحويل صالات الانتظار إلى ساحات للموت ….

أي مظهر من مظاهر الشجاعة والبطولة….

فالمطار ليس ثكنة عسكرية، والمسافر ليس جنديا في ساحة قتال، والطفل الذي ينتظر عودة أبيه لا شأن له بحسابات الصواريخ والنفوذ.

وما جرى في مطار الملك خالد الدولي بالرياض لا ينبغي أن يقرأ بوصفه اعتداء على منشأة سعودية فحسب، بل باعتباره محاولة لفرض معادلة خطيرة: أن تصبح حياة المدنيين وأمن الطيران أدوات ضغط في صراع سياسي وعسكري….

وهنا تتجاوز القضية حدود الرد على صاروخ ..

فالدولة التي تبني المطارات والمدن والمصانع، وتفتح أبوابها للمستثمرين والعاملين والزائرين، لا تستطيع أن تتعامل مع التهديد المتكرر باعتباره مجرد حادث أمني ينتهي بإزالة آثاره.

لأن الصاروخ قد يسقط في دقائق، لكن آثاره تمتد إلى ثقة المسافر، وقرار المستثمر، وحركة التجارة، وتقدير شركات التأمين للمخاطر….

وهذا تحديدا ما يجعل استهداف المطارات مختلفا عن كثير من صور التصعيد العسكري: أن المعتدي لا يحتاج إلى تدمير المطار كله كي يحدث اضطرابا يتجاوز حدود الانفجار….

إن القدرة على إحداث الضرر ليست دليلا على امتلاك القوة الاستراتيجية، كما أن نجاح الاعتداء لا يمنح صاحبه شرعية سياسية أو تفوقا أخلاقيا…

فالفرق شاسع بين من يمتلك مشروعا لبناء دولة، ومن يجعل تعطيل حياة الآخرين وسيلة لتحسين موقعه في التفاوض…

وليس هذا تبرئة لأي خطأ في إدارة الصراع، ولا تجاهلا لمعاناة اليمنيين، بل تمييز ضروري بين حق الشعوب في الأمن، وبين توظيف المدنيين كوسيلة للضغط.

لقد كشفت التجارب أن اعتراض الصواريخ لا يكفي وحده لصناعة الردع المستدام.

فالدفاع الجوي يحمي السماء، لكنه لا ينهي بالضرورة الأسباب التي تسمح بإطلاق الصاروخ التالي.

ومن هنا تصبح المسألة أعمق من الرد العسكري المباشر، وأشد اتصالا بضرورة منع استمرار تدفق السلاح والتكنولوجيا العسكرية إلى الجماعات المسلحة، وبناء ترتيبات أمنية وسياسية تحول دون إعادة إنتاج التهديد.

وفي هذه النقطة تحديدا تحضر إيران، لا بوصفها اسما نلقي عليه كل ما يجري دون دليل، بل باعتبار دعمها العسكري للحوثيين جزءا موثقا من مشكلة إقليمية أوسع.

فلا يمكن الحديث عن استقرار الجزيرة العربية بمعزل عن شبكات التسليح العابرة للحدود، ولا عن أمن البحر الأحمر بمعزل عن القوى التي تسعى إلى تحويل الممرات الدولية إلى أوراق مساومة.

أما السعودية، فإن عظمة موقفها لا تقاس بارتفاع نبرة الوعيد، بل بقدرتها على الجمع بين حماية مواطنيها والمقيمين على أرضها، وصيانة سيادتها، وضبط استخدام القوة وفق القانون، والحفاظ على مشروعها التنموي من الوقوع في فخ الاستنزاف.

فليس الشموخ والعزة في أن تدخل الدولة كل حرب تستطيع خوضها، وإنما أن تملك قرارها، وألا يسمح خصمها لنفسه بتحديد مستقبلها من خلال التهديد.

وليس الحزم أن يكون الرد أكبر ما يمكن أو أكبر من المُمكن احتماله أاو احتمال تبعاته.. بل أن يكون أثره في حماية الأمن أبقى من أثر الضربة التي استدعته.

وهنا ينبغي أن يكون السؤال السعودي والعربي أوسع من: ماذا بعد قصف مطار الرياض؟

كيف نصل إلى واقع لا تستطيع فيه جماعة مسلحة ( خارجة عن القانون) أن تجعل سلامة المسافرين رهينة لحساباتها، ولا أن تفرض على دولة كاملة الاستنفار كلما أرادت تحسين شروطها السياسية؟

كرامة الدولة لا تنفصل عن كرامة الإنسان الذي يعيش فيها…

لذلك فإن الدماء التي سقطت في مطار الرياض ليست تفصيلا في معركة النفوذ…

إنها أرواح خرج أصحابها إلى أعمالهم وأسفارهم وأرزاقهم، ولم يخرجوا إلى الحرب.

ومن حق أهاليهم أن تتحقق العدالة، ومن حق المجتمع أن يعرف كيف ستحمى حياته، ومن حق السعودية أن تصون أرضها وسماءها من الاعتداء.

فلا سيادة حقيقية مع ابتزاز دائم، ولا سلام مستدام مع سلاح يجعل المدنيين وسيلة تفاوض.

وإذا كانت القوة العسكرية تستطيع أن ترد على الاعتداء، فإن الحكمة الاستراتيجية هي التي تحول هذا الرد إلى أمن طويل الأمد.

ذلك أن الدول العظيمة لا تبني مكانتها على قدرتها على الانتقام، بل على قدرتها على حماية الحياة، ومنع تكرار المأساة، وصناعة مستقبل لا يظل معلقا على قرار من يطلق الصاروخ التالي.

وستبقى عزّة السعودية في أنها دولة تملك من أسباب القوة ما يحمي سيادتها، ومن مسؤولية الدولة ما يلزمها بحماية الإنسان، ومن وضوح المصلحة ما يجعل أمنها حقا لا موضوعا للمساومة.

فمن يقصف مطارا يستطيع أن يعطل رحلة، لكنه لا يكتسب بذلك حقا في تقرير مصير دولة.

ومن يملك القدرة على التهديد لا يملك بالضرورة القدرة على فرض المستقبل.

والشموخ الحقيقي أن تبقى السيادة فوق الابتزاز، وأن يبقى أمن الإنسان فوق حسابات الصراع.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

التصعيد ضد السعودية…أجندة حوثية أم إيرانية؟

شهدت المنطقة مؤخرًا تصعيدًا خطيرًا غير مسبوق من قبل جماعة الحوثي ضد السعودية، كان أبرز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *