في الميزان.. مقولة “الإخلاص عزيز”

لقد اتفقت كلمة علماء الإسلام على أن كل أحد يُؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، فمن ثم كل من عداه يصح أن يقع كلامه موضع الأخذ والرد والتصويب والتخطئة.

ولا شك أن هناك مقولات متوارثة من بعض العلماء والمصلحين والزهاد تعاملت معها الأجيال على أنها مسلمات شرعية، مع ما قد يشوبها من غلو أو نأي عن روح الشريعة ونصوصها.

من هذه المقولات الرائجة “الإخلاص عزيز”، وهو معنى يروج له تحت مظلة الترهيب من الرياء والعمل لغير الله تعالى، ويبين أن الإخلاص – الذي هو شرط قبول العمل الصالح عند الله- شيء عسير بعيد المنال لا يناله إلا قلة قليلة من الناس.

ابتداءً، هذه المقولة ليست آية قرآنية، وليست حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل هي مما أطلقه بعض الزهاد وعلماء السلوك على اختلاف فيما بينهم في الصياغة التي تضمنت مفهوم ندرة الإخلاص وأنه أشق شيء على النفس وأنها ليست لها فيه نصيب.

الرد الأوفى على هذه المقولة الرائجة هو من كتاب الله تعالى، حيث قال الله عز وجل {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}، وحول هذه الآية يقول ابن كثير: “أي: لا يكلف الله أحدًا فوق طاقته”.

فالآية واضحة في أن الله تعالى لا يكلف عباده إلا بما هو في وسعهم وقدرتهم، ولما أمر الله تعالى بالإخلاص في غير موضع من كتابه الكريم، وكذلك رسوله صلى الله عليه وسلم في السنة المطهرة، عُلم أن إخلاص العمل لله كشرط لقبول العمل يقع في نطاق قدرة الناس جميعًا، لكن منهم من يغلّب حظوظ نفسه وينأى عن تحقيق هذا الشرط بدافع الهوى وضعف التعلق بما عند الله تعالى.

فالله سبحانه وتعالى أمر عباده كلهم بالإخلاص ولم يشرعه للقلة والصفوة من الناس، وبناء على ذلك يتضح وهن هذه المقولة.

نتفهم أن علماء السلوك والتزكية أرادوا بها التحذير من فساد النية والقصد والتخويف من إحباط العمل بالرياء وإرادة الناس، أو ربما قالوا مدفوعين ببعض المشاعر الإيمانية، أو المرور بفترات فتور وتقصير ونحوه.

لكن الخطورة في ترويج مثل هذه المقولة وهذا المعنى، أنه يصيب الناس بالإحباط عندما يرون أن الإخلاص عزيز ونادر وشاق، ومن ثم قد يزهدون في العمل ويتركونه بعد أن يتملكهم اليأس من تحقيق شرط الإخلاص، كما أنه يفتح الباب على مصراعيه أمام الوساوس، فتجعل المرء يتشكك دائما في نيته فيثقل عليه العمل، مع أنه كان يكفي الترغيب في الإخلاص والترهيب من الرياء بما رغب ورهب به القرآن وكذا السنة المطهرة.

ولو قلبنا في سيرة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، لما وجدنا هذه المبالغات في شأن الإخلاص، نعم كانوا يهتمون به ويعظمون شأنه، لكنهم لم يتداولوا مفهوم ندرة الإخلاص، ونعم كانوا يخافون من الرياء والشرك ويأتون الأعمال الصالحة ويخافون ألا يتقبل الله منهم، ولكن ذلك اتهام لأنفسهم وليس ادعاء منهم بأن الإخلاص نادر بعيد المنال.

وربما كانوا يحرصون على إخفاء الأعمال، لكن ليست بالصورة المبالغ فيها التي نسمعها في بعض كتب التراجم والطبقات التي تجعل الإخلاص غاية لا يدركها إلا قلة قليلة من العباد.

إن منهج التلقي والاستقاء والاستدلال يفرض علينا أن نتوجه إلى مصادر التشريع لا إلى أقوال البعض الذين تأثروا بوضع معين أو حالة معينة وسجلت عنهم مثل تلك الكلمات.

ولا يفهم من ذلك أننا ننتقص من أهل العلم، ولكننا نضع الأمور في نصابها، لأن العلم (قال الله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم)، ولابد لكل تشريع من سند وفق مصادر التشريع، وليس هناك تسليم مطلق لقول أحدٍ إلا للنبي المختار صلوات ربي وسلامه عليه.

مثل هذه المقولات ينبغي تحريرها وتقييمها وفق الكتاب والسنة، وهذا أولى مما يفعله أدعياء التنوير الذين يريدون أن يجعلوا النص المعصوم عرضة للنقد ويجعلون عقولهم وأفهامهم معيارًا لقبول النص القرآني أو النبوي.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

التصعيد ضد السعودية…أجندة حوثية أم إيرانية؟

شهدت المنطقة مؤخرًا تصعيدًا خطيرًا غير مسبوق من قبل جماعة الحوثي ضد السعودية، كان أبرز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *