دولة المؤسسات أم فوضى السلاح: قراءة في مفهوم القوة والاستراتيجية

بعد الردّ على مجموعة من الأسئلة والاتهامات التي وصلتني تحت عنوان “خمس خطايا ارتكبتها السعودية تسببت في إعيائها العسكري وشللها الاستراتيجي” ..

سأردّ على اقتراح الكاتب المجهول ومَن تداولوا قوله وأيّدوا ما فيه.. والذي يُنادي بالعودة إلى التنظيمات الجهادية، وإعادة توزيع الموارد على قوى مسلحة، وتعبئة المنطقة في مشروع عابر للدول، مستشهدا بما ينسبه إلى تجربة صدام حسين في العراق.

لكن تجربة العراق بعد انهيار مؤسسات الدولة عام 2003 لا تصلح دليلا بسيطا على نجاح تسليح المجتمع.

فقد شهد العراق مقاومة للاحتلال، لكنه شهد أيضا اقتتالا طائفيا، وتنظيمات متطرفة، وصراعا بين سلطات مسلحة، وتراجعا حادا في قدرة المؤسسات على حماية المدنيين.

ولا يجوز انتقاء جانب من التجربة وتجاهل بقيتها.

أما الدعوة إلى جعل القدس ومكة محور تعبئة واحدة، فتخلط بين قضية شعب واقع تحت الاحتلال، وبين أمن دولة ذات سيادة ومسؤوليات إقليمية ودولية.

مكانة القدس الدينية وحقوق الفلسطينيين لا تحتاج إلى توظيفهما في مشروع تعبئة مسلحة مفتوحة. ونصرة الفلسطينيين لا تختزل في عسكرة المجتمعات، بل تشمل الحقوق السياسية والقانون الدولي والعمل الدبلوماسي والإنساني.

وليس من الإنصاف أن تصبح المقدسات وسيلة لإلغاء الفوارق بين القضايا، أو أن يستخدم اسم الأمة لتجاوز حق الشعوب في تقرير مصيرها….

ما الذي تكشفه هذه الأسئلة عن مفهوم القوة؟

تكشف أن صاحب النص يقيس القوة بقدرة الدولة على تعبئة الجماعات المسلحة، بينما تقوم الدولة الحديثة على مبدأ مختلف: أن يكون قرار استخدام القوة خاضعا لمؤسسات مسؤولة يمكن مساءلتها.

ولا يعني ذلك أن الدول الحديثة معصومة من الفشل، أو أن الجيوش النظامية وحدها تضمن النصر.

لكنه يعني أن تعدد مراكز السلاح والقرار قد يحول أي خلاف سياسي إلى صراع وجودي.

والسعودية، بحكم موقعها ومكانتها وثقلها الاقتصادي والديني، تواجه معادلة أصعب من مجرد الرد على جماعة مسلحة.

إنها مطالبة بحماية سكانها ومرافقها، وصيانة أمن الخليج، والحفاظ على استقرار أسواق الطاقة، وإدارة علاقاتها بالقوى الكبرى، والمساهمة في تسوية أزمة اليمن، دون أن يتحول الدفاع عن أمنها إلى حرب استنزاف دائمة.

وقد تعرضت سياستها في اليمن لانتقادات جدية تتعلق بكلفة الحرب الإنسانية ونتائجها….. وفي المقابل، كان لها دور في دعم جهود الوساطة الأممية ومسارات التهدئة.

والاعتراف بالأمرين ليس تناقضا، بل شرط لفهم الواقع دون تزييف.

فليس من الإنصاف أن ننكر الأخطاء باسم الدفاع عن السعودية، ولا أن ننكر مكانتها وقدراتها باسم معارضة قيادتها.

والتحليل الذي يبدأ بإعلان هزيمة الدولة، ثم ينتقي من الوقائع ما يثبت الهزيمة، لا يختبر فرضيته؛ إنه يبحث عن شهود يؤيدون حكما أصدره مسبقا.

بل المعيار الجاد للحكم على الاستراتيجية السعودية ينبغي أن يكون قدرتها على تقليل التهديدات، وتعزيز استقلال القرار، ورفع كفاءة الدفاع، وتنمية قدراتها الصناعية والتكنولوجية، وتحويل العلاقات الدولية إلى التزامات قابلة للتنفيذ، والمساهمة في بناء استقرار إقليمي لا يقوم على الخوف الدائم من الحرب.

وهذه أهداف لا تتحقق بالشعارات وحدها، ولا بمجرد زيادة الإنفاق العسكري، وإنما بالتكامل بين القوة والدبلوماسية والاقتصاد والمؤسسات.

وبالنسبة لي…

لا أرى أن السؤال الصحيح هو: كيف تعود السعودية إلى سياسات الماضي؟

بل: كيف تستفيد من تجارب الماضي دون أن تصبح أسيرتها؟

فالتاريخ ليس مستودعا لوصفات جاهزة، وما نجح في ظرف قد يفشل في آخر، وما بدا حلا عسكريا عاجلا قد يتحول إلى عبء سياسي طويل الأمد.

وأخطر ما يمكن أن يحدث لدولة تواجه تهديدا مسلحا أن تقتنع بأن خلاصها يكمن في تقليد البنية التي أنتجت ذلك التهديد.

أما قوة السعودية الحقيقية فلا تختزل في ترسانة سلاح، ولا في حليف خارجي، ولا في تيار ديني أو سياسي.

إنها حصيلة دولة ومجتمع ومؤسسات واقتصاد وموقع جغرافي ومكانة دينية وشبكة مصالح واسعة، مع تحديات حقيقية تستدعي المراجعة والتطوير.

وفي النهاية أقول:

من حق أي كاتب أن يسائل السعودية عن قراراتها، لكن عليه أيضا أن يسائل وصفته البديلة:

هل ستنتج دولة أكثر قدرة على حماية الإنسان، أم جماعات أكثر قدرة على تقرير مصيره دون الرجوع إليه؟

فليست كل دعوة إلى استعادة القوة طريقا إليها، وليست كل وصفة ترفع اسم الأمة قادرة على حماية دولها.

وأحيانا تكون أعظم خدمة نقدمها للدولة ألا نعفيها من النقد، وألا نسمح في الوقت نفسه بأن يتحول نقدها إلى دعوة لهدم الأسس التي تقوم عليها….

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

التصعيد ضد السعودية…أجندة حوثية أم إيرانية؟

شهدت المنطقة مؤخرًا تصعيدًا خطيرًا غير مسبوق من قبل جماعة الحوثي ضد السعودية، كان أبرز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *