خمس خطايا سعودية أم خمس مغالطات غير سويّة !

وصلتني مجموعة من الأسئلة والاتهامات تحت عنوان “خمس خطايا ارتكبتها السعودية تسببت في إعيائها العسكري وشللها الاستراتيجي”، تنتهي بوصفة لإنقاذ المملكة، تبدأ بإعادة الاعتبار للجماعات المسلحة، وتنتهي بإعادة تشكيل المنطقة تحت عنوان التعبئة الإسلامية الشاملة !!!

ويبدو أنها رسالة مُتداولة لأنها وصلتني من عدّة أطراف …

ولأن الأسئلة تتعلق بدولة لها ثقلها الديني والسياسي والاقتصادي، ولأن مصير السعودية لا ينفصل عن استقرار الجزيرة العربية والخليج، فإن الإجابة تستحق أكثر من سجال عشوائي عادي، وأعمق من دفاع عاطفي أو رفض مُسبق لمجرد أنه وصلني ممن يُظهر كراهيته للمملكة العربية السعودية بل ويتقرّب الى الله بتداول أيّ تحليل سياسي يُدينها أو يُقلل من شأنها … !!

سأناقش الفرضيات الخمس واحدة بعد الأخرى، لا على أساس أن السعودية فوق النقد، ولا أن كل قراراتها كانت صائبة، بل انطلاقا من قاعدة أراها ضرورية لفهم السياسة: أن نقد الدولة شيء، وتقديم تفكيك الدولة علاجا لأخطائها شيء آخر تماما.

وأول ما يلفت النظر في النص أنه يبدأ من نتيجة لم يثبتها: “الشلل الاستراتيجي”.

فهل تعني قدرة الحوثيين على تنفيذ هجمات مؤلمة أن السعودية فقدت قدرتها الاستراتيجية؟ أم أن هناك خلطا بين اختراق دفاعي، وإخفاق في تحقيق هدف عسكري محدد، وبين العجز الشامل لدولة؟

هذه ثلاثة أحكام مختلفة، ولا يجوز جمعها في عبارة واحدة لمجرد أن العبارة مثيرة.

فالدول لا تقاس قوتها بعدد الصواريخ التي تعترضها وحسب، وإنما بقدرتها على استمرار مؤسساتها، وحماية اقتصادها، وتجديد تحالفاتها، وتعبئة مواردها، وتصحيح أخطائها، وتحويل القوة إلى نتائج سياسية.

والقوة الاستراتيجية لا تعني استحالة تعرض الدولة للضرب، بل قدرتها على ألا تتحول الضربة إلى انهيار في قرارها أو مؤسساتها.

الخطيئة الأولى: هل كان تفكيك التنظيمات الجهادية خطأ استراتيجيا؟

يقول صاحب النص “إن السعودية أضعفت نفسها بانخراطها في الحرب على الإرهاب، وإنها لو احتفظت بالتنظيمات الجهادية كما احتفظت إيران بأذرعها لوجدت من يقاتل عنها اليوم”.

وهنا نواجه أخطر تناقض في الأطروحة كلها.

فهو ينتقد إيران لأنها تستخدم جماعات مسلحة عابرة لسلطة الدولة، ثم يطالب السعودية بأن تستنسخ النموذج نفسه !

وكأن علاج الدولة من خطر الميليشيات أن تصنع ميليشيات مضادة.

والحقيقة تقول: إن الجماعات التي تمتلك السلاح والتمويل والعقيدة التنظيمية المستقلة قد تتقاطع مصالحها مع الدولة اليوم، لكنها لا تتحول بذلك إلى مؤسسة خاضعة لقرارها غدا….

ومن يملك حق إعلان الحرب خارج مؤسسات الدولة، يستطيع أن يفرض عليها حربا لم تخترها، أو يجرها إلى مواجهة لا تخدم مصالحها.

وهنا ينبغي التفريق بين الجهاد بوصفه مفهوما شرعيا له أحكامه وضوابطه، وبين التنظيمات المسلحة التي تتبنى تفسيراتها الخاصة، وتمنح نفسها سلطة تقرير الحرب والسلم.

ليس كل من رفع شعار الجهاد ممثلا للأمة، ولا كل من حمل السلاح أصبح مؤهلا لحماية الدولة.

وقد عانت السعودية نفسها من هجمات تنظيم القاعدة داخل أراضيها…

فكيف يصبح الاحتفاظ بتنظيمات من هذا النوع ضمانة للأمن؟!!!

لقد علمتنا تجارب المنطقة أن السلاح الذي ينشأ خارج مؤسسات الدولة لا يبقى بالضرورة موجها إلى العدو الذي اختير له أول مرة.

والدولة التي تستعير سيادتها من جماعة مسلحة قد تجد نفسها مضطرة لاحقا إلى استعادة سيادتها منها.

الخطيئة الثانية: هل خسرت السعودية الشعوب العربية بسبب موقفها من الثورات؟

سأجيب على هذه المُغالطة في المقالة القادمة بعد قليل…

ومن ليس لديه جلد على القراءة أو ليس لديه وقت لذلك .. فلي رجاء عنده أن يغادر الصفحة دون تعليق مُسيء أو مُطالبة بالاختصار.. ليس كل شيء قابل للاختصار مع احترامي لآرائكم جميعا ..

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

هل خسرت السعودية الشعوب العربية بسبب موقفها من الثورات؟

هذا السؤال أكثر تعقيدا مما يسمح به التعبير عن “الثورة المضادة”… فالثورات العربية لم تكن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *