أخشى أننا بلغنا زمنا أصبح فيه الإنسان مُطَالبا بأن يثبت قيمته بما يملك، لا بما يرفض أن يبيعه من مبادئه….
صرنا نسأل عن ثمن الساعة قبل أن نسأل عما فعل صاحبها بوقته..
وعن ماركة الحذاء قبل أن نعرف في أي الطرقات تعب صاحبه…
وعن حقيبة المرأة قبل أن نعرف كم حِملا ثقيلا وضعته الحياة على كتفيها….
ويا للمفارقة !
قد يحمل رجل على معصمه ساعة بثمن بيت، ولا يجد ساعة يجلس فيها إلى أبيه العجوز…
وقد تحمل امرأة حقيبة تساوي راتب عامل لعام كامل، وتعجز عن حمل هم إنسان واحد…..
وليس العيب في الثراء، ولا في اقتناء الأشياء الجميلة، بل في أن تتحول الممتلكات من وسائل تخدم حياتنا إلى شهادات نطلب منها إثبات قيمتنا….
أنا التي تكتب… ابنة الفلاحين في شمال الأردن، وأعرف أن للثياب سيرة أخرى لا تكتبها دور الأزياء….
أعرف قميص الفلاح الذي يخرج مع الفجر نظيفا، ثم يعود وقد التصق به تراب الأرض وملح العرق….
أعرف جيوب المعاطف القديمة “مثقوبة البِطانة الداخلية” .. والتي تتسع لمسمار صدئ، ومفتاح بيت متواضع، وورقة دين مطوية، وقطعة حلوى اشتراها أب لطفله ونسي أن يشتري لنفسه شيئا..
وأعرف أمهات كُن يرتدين الثوب نفسه في أعياد متعاقبة، لا لأنهن يجهلن أن في الأسواق أثوابا أجمل، بل لأنهن يعرفن أن في البيوت حاجات أهم…
كانت الأم تؤجل شراء حذائها حتى يشتري ابنها حقيبة المدرسة، وتخيط ثوبها الممزق كي لا يشعر أطفالها بأن شيئا ينقصهم….
وحين يسألها أحدهم لماذا لا تشترين لنفسك شيئا، تبتسم وتقول: عندي كل شيء…
ولم تكن تملك كل شيء….
كانت فقط قد أنفقت نصيبها من الحياة على الآخرين، حتى اعتادت أن تسمي الحرمان رضا.
وكم أخفت عبارة “عندي كل شيء” من احتياجات لم يلتفت إليها أحد!
ولعل أشد ما يؤلمني في الفقر ليس ما يحرم الإنسان منه، بل ما يضطره إلى إخفائه.
ذلك الأب الذي يسأل عن ثمن حذاء لابنه، ثم يعيده إلى مكانه قائلا للبائع: سأعود غدا.
وهو يعرف أنه لن يعود…..
ثم يمضي إلى بيته يبحث عن حجة يقنع بها طفله بأن الحذاء القديم لا يزال صالحا.
وتلك الطفلة التي تتظاهر بأنها لا تحب الرحلات المدرسية، لأنها سمعت أمها تبكي وهي تحسب ما بقي من راتب أبيها.
الفقر ليس دائما معدة فارغة، بل قد يكون رغبة كاملة يضطر صاحبها إلى قتلها قبل أن يراها الآخرون….
ومع ذلك، لا أحب أن نجعل من الفقر فضيلة في ذاته، أو نُصوّر الحرمان كأنه مدرسة إجبارية للنُبل والنُبلاء….
فالفقر الذي يحرم مريضا من دوائه، وطفلا من تعليمه، وأما من علاجها، ليس قصيدة رومانسية….
وليس كل فقير كريما، كما ليس كل غني متكبرا….
فالفضيلة لا تنشأ بالضرورة من غياب المال، ولا تموت بحضوره….
إنما يكشف الإنسان عن معدنه حين يمتلك القدرة على الاختيار:
هل يجعل مما لديه وسيلة لرفع الناس، أم سلما يتعالى به عليهم؟
وأفكر كثيرا في المسافة بين ثوبين:
ثوب يشتريه صاحبه ليراه الناس، وثوب يرتديه آخر كي لا يرى الناس فقره….
– الأول يخشى أن يراه الناس بالثوب نفسه مرتين…
– والثاني يخشى أن يكتشف أحدهم أنه لا يملك غيره….
* الأول يبحث عن الأنظار، والثاني يهرب منها…
وما أوجع أن يصبح الإنسان خجلا من فقر لم يختره، بينما يتباهى آخر بثروة لم يتعب في جمعها !
وقد رأيت في الحياة أيدي متشققة من العمل لم تمتد يوما إلى حق غيرها، وأيدي ناعمة معطرة وقعت على ظلم الناس دون أن ترتجف….
فالأناقة لا تعني النزاهة، كما أن خشونة الثياب لا تعني خشونة القلوب….
أحيانا أتساءل: ماذا لو استطاعت الثياب أن تتحدث؟
ماذا سيقول معطف عامل البناء عن صباحات الشتاء فوق السقّالات؟
وماذا سيقول ثوب امرأة مُسِنة عن أولاد كبروا في حضنها، ثم صاروا يزورونها على عجل؟
وماذا سيقول قميص أب احتفظ به ابنه بعد موته، فلم يعد يصلح للارتداء، لكنه صار آخر مكان يستطيع أن يعانق فيه رائحة أبيه؟
هنا تنهار فلسفة الأسعار كلها….
فثمة قميص لا يساوي في السوق شيئا، لكنه عند صاحبه أغلى من خزائن الحرير…
وثمة عباءة قديمة لا تستطيع ابنة أن تتخلص منها، لأن أمها كانت ترتديها في آخر صيف جمعهما….
نحن لا نحتفظ أحيانا بالأشياء لأنها جميلة، بل لأن الذين جعلوها جميلة لم يعودوا هنا…
ولست ضد الماركات، بل ضد أن يستعير الإنسان قيمته من شركة لا تعرف اسمه، وأن يقيس الآخرين بما يستطيعون دفعه، لا بما يستطيعون منحه.
ضد أن يخجل شاب من حذائه المتواضع، بينما ينبغي أن نخجل نحن إن ربينا أبناءنا على احتقار البساطة قبل احترام العمل.
وضد أن تعتذر امرأة عن حقيبتها القديمة، وقد حملت على كتفيها مسؤولية أسرة كاملة، وكأن سنوات الكفاح لا تكفيها لتدخل أي مجلس مرفوعة الرأس.
فليس مطلوبا من الفقير أن يتظاهر بالغنى ليستحق الاحترام، ولا من الغني أن يتظاهر بالفقر ليثبت التواضع.
المطلوب ألا يصبح ثمن ما نرتديه معيارا لما نستحقه من كرامة….
في قُرانا البعيدة المنسية والتي لا يدري عن أمر بؤس أهلها أحد.. رحل أناس لم يتركوا عقارات ولا حسابات مصرفية ولا مصاغ ذهبي …
تركوا أشجار زيتون، وثيابا معلقة خلف الأبواب، وديونا سامحوا بها، وأيتاما أعانوهم “بالقليل الذي في أيديهم” ودون أن يعلم أحد….
بعضهم مات ولم تكتب عنه صحيفة، ولم تقف عند قبره كاميرا….
لكن امرأة فقيرة ما زالت تدعو له لأنه أصلح جدران بيتها في شتاء شديد البأس..
ورجلا يذكره لأنه دفع عنه دينا في ساعة ضيق ..
وطفلا كبر وصار أبا ولم ينسَ من اشترى له أول حقيبة مدرسية.
هؤلاء لم يتركوا علامات تجارية…. بل تركوا علامات في أرواح البشر.
وهذا هو الفارق الذي لا تستطيع الأسواق تسعيره:
أن بعض الناس يرحلون فتوزع ممتلكاتهم على الورثة، وبعضهم يرحلون فتتوزع رحمتهم على الذاكرة.
وأعود إلى قمصان الفلاحين في قريتي كفرأبيل…
إلى الأكمام التي مسحت العرق ودبقَ العوّامة وطراطيش اللبن وفتافيت الخبز …
والجيوب التي حملت حبال الحلوى المُطعّمة بألوان الفاكهة ..
والوجوه التي شاخت وهي تحاول أن تجعل الحياة أقل قسوة على أبنائها….
أعود إليها لأقول إن العالم قد يظلم الإنسان مرتين:
حين يحرمه من أسباب العيش الكريم…
وحين يقنعه أن قيمته تنقص بسبب هذا الحرمان….
وما أقسى الظلم الثاني!
فالأول يسلب الإنسان شيئا مما في يده، أما الثاني فيحاول أن يسلبه احترامه لنفسه…
وسيأتي يوم نخلع فيه جميعا آخر ما ارتديناه، وتبقى الخزائن بما فيها….
لن يرافقنا اسم المصمم، ولا ثمن الساعة، ولا أناقة الصور….
سيبقى ما صنعناه في حياة الآخرين، وما تركناه في قلوبهم من جبر أو كسر….
فليس أعظم ما يتركه الإنسان أن يتذكر الناس كيف كان يبدو، بل أن يتذكروا كيف كانوا يشعرون حين يكون معهم…..
وربما لهذا أبكي حين أرى قميصا قديما معلقا خلف باب بيت ريفي…..
لا لأن صاحبه كان فقيرا…
بل لأنني أتخيل كم مرة عاد إلى ذلك البيت متعبا…
وكم مرة أخفى تعبه عن أهله…
وكم مرة أخرج من جيبه ما يُسعدهم مثلما كان يفعل أبي، ثم نام دون أن يسأله أحد:
وأنت يا أبي، من الذي كان يعتني بقلبك؟
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة