بعد خمسة وأربعين عاما من الرحلة ..
تعلمتُ أن الناس يمكن أن يكونوا نعمة عظيمة، لكنهم لا يصلحون أن يكونوا سندا أخيرا…
نحبهم، نسكن إليهم، نأنس بقربهم، وربما نشعر تجاه بعضهم بذلك السر الغامض الذي يجعل اللقاء أشبه باستعادة معرفة قديمة؛ كأن الروح لم تبدأ قصتها يوم تعارف الجسدان، وكأن في بعض العلاقات ألفة تسبق التفسير، حتى قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: “الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف”.
لكن هنا يقع الامتحان الدقيق:
أن تعرف الفرق بين أن تحب إنسانا بالله، وبين أن تجعل هذا الإنسان في موضع لا ينبغي أن يكون إلا لله.
فالإنسان، مهما أحبك، محدود القدرة …
قد يريد ولا يستطيع، وقد يعد ولا يملك الوفاء، وقد يبقى ثم تأخذه الحياة، وقد يكون لك اليوم ثم تحول بينكما المسافات أو الأقدار أو الموت.
لذلك لم يكن التوكل على الله دعوة إلى البرود تجاه البشر، بل كان تحريرا للحب من الخوف.
حين يكون الله هو الأصل، تستطيع أن تحب الناس حبا عظيما دون أن تستعبدك احتمالات فقدهم؛ وتعطيهم قلبك دون أن تسلم إليهم مفاتيح وجودك؛ وتفرح ببقائهم دون أن يصبح بقاؤهم شرطا لبقائك.
وهنا نفهم معنى قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.
لم يقل: لا تحبوا، ولا تتعلقوا بالمودة، ولا تسكنوا إلى بعضكم؛ فالقرآن نفسه جعل المودة والرحمة من آيات الله… لكنه أعاد ترتيب الأشياء:
الله حسبك، والناس أسباب.
الله مأواك، والناس رفقة.
الله الباقي، والناس أجمل العابرين في أقدار بعضهم.
وربما كان هذا هو المعنى الأعمق للحب الناضج: ألا تقول لمن تحب أنت حياتي، بل: أنت من أجمل ما وضعه الله في حياتي.
والفرق بين العبارتين هو الفرق بين الحب والعبودية.
فبعض البشر قد يأتونك كأنهم إجابة لدعاء لم تتذكر أنك دعوت به، وتجد فيهم ألفة يعجز المنطق عن تفسيرها، وتشعر أن بين روحك وروحهم طريقًا أقدم من اللقاء…
وهذه من أسرار الوجود الجميلة التي لا يلزم أن نفسدها بكثرة التفسير.
لكن حتى أعظم حب لا ينبغي أن يحجب الواهب بالمَوهبة.
فإذا أحببت، فاشكر الله.
وإذا اجتمعت، فاشكر الله.
وإذا افترقت، فارجع إلى الله.
وإذا خذلك البشر، فلا تجعل خذلانهم حكما على الحياة كلها.
فالناس أبواب، والله هو الدار….
ومن عرف الدار، لم يعد يخاف كثيرا من باب يُفتح أو يُغلق.
وهذه، ربما، أرقى معادلة يستطيع القلب أن يبلغها:
أن يكون مع الناس بكامل الحب،
ومع الله بكامل الاعتماد؛
فلا يُفسد التوكلُ عليه مودته للخلق،
ولا تُنسيه مودته للخلق أن قلبه، في نهاية الأمر، لله.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة