لماذا نستكثر مبلغا يسيرا نبذله في سبيل الخير، ثم لا نكاد نحسب أضعافه حين ننفقه على متعة مؤقتة زائلة؟
ولماذا تستثقل نفوسنا دقائق العبادة، بينما تتسع ساعاتنا لما نحب من اللهو والمرح؟
ولماذا نتحرى الدقة في حساب أموالنا، ثم نتساهل في حساب أعمارنا، مع أن المال قد يُعوَّض، أما العمر فلا يعود؟
*المشكلة ليست دائما في جهل الإنسان بالقيم، بل في المسافة التي تفصل بين القيمة التي يؤمن بها، والقيمة التي تحكم اختياراته الفعلية….
وقد يعلن المرء أن القرآن أحب الكتب إليه، ثم يمضي شهورا لا يقرأ منه إلا قليلا، بينما يجد الوقت لرواية طويلة….
وليس العيب في قراءة الروايات، ولا في الاستمتاع بمباحات الحياة؛ وإنما السؤال: لماذا يتسع الوقت لكل ما نرغب فيه، ثم يضيق عما نزعم أنه أولى اهتماماتنا؟
وقد يضيق إنسان بخطبة جُمعة تطول لدقائق إضافية، ثم يجلس ساعات أمام شاشة لا يشعر بمرورها….
هنا ينبغي ألا نتسرع في اتهام الناس بالنفاق؛ فالنفوس تتفاوت في نشاطها، والعبادات تحتاج مجاهدة، والترفيه المباح حاجة إنسانية….
لكن هذه المفارقات تستحق أن نسائل بها أنفسنا، لا أن نتخذها محاكم لإدانة الآخرين.
ومن أعجب تناقضاتنا أننا قد نُخضع نصوص الوحي للأسئلة والشكوك، وهو أمر قد يكون طلبا مشروعا للفهم، ثم نستقبل إشاعة توافق أهواءنا كأنها حقيقة لا تقبل المراجعة !
نتثبت مما يكلّفنا التزاما، ونتساهل فيما يمنحنا لذة الإدانة….
وقد قال الله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، فجعل التثبت مسؤولية أخلاقية، لا ترفا معرفيا.
والأخطر أن هذا الخلل نفسه يمتد من العبادة إلى المعاملة، ومن الضمير الفردي إلى فساد المؤسسات والدول.
فقد ترى إنسانا يلعن الفساد في المجالس، ثم يستعمل واسطة لانتزاع حق غيره. ويطالب بالعدالة حين يكون مظلوما، ثم يستكثرها على خصمه حين يصبح قادرا على ظلمه.
وقد يثور لهدر المال العام، بينما لا يرى بأسا في إهدار موارد المكان الذي يعمل فيه، أو تقاضي أجر عمل لم يؤده.
إنه لا يرفض الفساد من حيث المبدأ؛ بل يرفض أن يكون هو الخاسر فيه.
وهذه إحدى أخطر صور الانحراف الأخلاقي: أن تصبح المبادئ أدوات للدفاع عن مصالحنا، لا موازين نحاكم بها أنفسنا.
وفي علم النفس يُعرف التنافر المعرفي بوصفه حالة من التوتر تنشأ حين تتعارض قناعات الإنسان مع سلوكه….
وقد يلجأ المرء إلى تبرير أفعاله بدلا من تغييرها؛ لأن الاعتراف بالتناقض يكلّفه مواجهة صورة نفسه….
وهكذا قد يتحول الضمير، بدلا من أن يكون قاضيا على رغباتنا، إلى محامٍ بارع عنها….
لذلك ….. أخطر ما يصيب الإنسان ليس أن يخطئ؛ فكلنا خطّاء، وإنما أن يفقد القدرة على تسمية خطئه باسمه….
أن يسمي المحاباة وفاء، والجبن حكمة، والطمع طموحا، والتعصب ثباتا، والظلم حزما، والإسراف كرما والبُخل حرصا …
فحين تفسد الأسماء، يسهل على النفس أن تتصالح مع الأفعال….
وقد كشف القرآن هذا الخلل الأخلاقي في صورة بليغة:
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ..الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ …وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾….
وإن كان النص في أصله يتناول التطفيف في الكيل والوزن، فإن فيه عبرة أوسع: خطورة أن نطالب بحقوقنا كاملة، ثم نبخس الآخرين حقوقهم.
نريد الصدق من الناس، ونتسامح مع أكاذيبنا….
نريد الإخلاص من شركائنا، ونبرر خياناتنا الصغيرة….
نطالب المسؤول بالنزاهة، ثم نغضب إن لم يمنحنا استثناءً من القانون.
نريد مجتمعا فاضلا، شريطة ألا تكلفنا فضيلته شيئا من امتيازاتنا….
لكن الإنصاف يقتضي ألا نختزل فساد الدول في أخطاء الأفراد الصغيرة؛ فالفساد الكبير تصنعه أيضا سلطة بلا مساءلة، ومؤسسات ضعيفة، وقوانين تُطبق بانتقائية….
ولا يجوز أن يتحول الحديث عن إصلاح الذات إلى ذريعة لإعفاء أصحاب السلطة من المسؤولية….
فالإصلاح الحقيقي يحتاج إلى ضمير يخاف الله، وقانون لا يخاف أصحاب النفوذ.
وهنا أصل إلى معنى أراه جديرا بأن يكون مشروعا تربويا كاملا:
إلى جوار الحديث عن الموت في سبيل الله، ينبغي أن نُعلّم أبناءنا معنى الحياة في سبيل الله.
أن يعيش الإنسان لله، لا أن يتذكره في لحظات الخطر وحدها.
أن تكون عبادته حاضرة في أمانته، وصلاته ظاهرة الأثر في عدله، وصيامه مدرسة لضبط شهواته، وتدينه سببًا في أن يأمن الناس ظلمه.
فليس كل امتحان للإيمان يقع في ساحات القتال؛ بعض أعظم امتحاناته يقع خلف مكتب، وأمام خزينة، وفي مجلس خصومة، وعند توقيع عقد، وفي لحظة يستطيع فيها الإنسان أن يخون ولا يراه أحد.
وما أعظم أن يموت المرء ثابتا على مبدئه، ولكن ما أشق أن يعيش عمرا كاملا وهو يرفض بيعه كلما عرضت عليه الحياة ثمنا !
إن قيمة المبادئ لا تظهر حين نصفق لها، بل حين ندفع كلفة الالتزام بها…
والتدين الذي لا يردع الظلم يحتاج صاحبه إلى مراجعة نفسه، كما أن الوطنية التي لا تمنع سرقة الوطن تحتاج إلى أكثر من الأناشيد والخطب.
فلا تسألني كم مرة تحدثت عن الأمانة، بل أخبرني ماذا فعلت حين استطعت الخيانة. ولا تخبرني كم تحب العدل، بل أرني موقفك حين كان العدل في مصلحة خصمك…
هناك تسقط الزينة اللفظية، وتظهر حقيقة الإنسان….
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يلاحق ضمائرنا ليس: ماذا نقول إننا نؤمن به؟
بل:
ماذا تقول اختياراتنا اليومية عمّا نؤمن به حقا؟
فقد يستطيع الإنسان أن يخدع الناس بخطاب الفضيلة، وأن يخدع نفسه بحسن الظن بنياته….
أما حياته، فهي الشهادة التي يكتبها كل يوم على حقيقة ما في قلبه….
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة