من يملك شروط التفكير؟

لم تعد القوة تقتصر على امتلاك الإجابة….

صارت تشمل القدرة على تحديد السؤال الذي يصل إليك، والمعلومة التي تظهر أمامك، والاحتمالات التي تبدو لك متاحة….

فقد تعيش داخل فضاء واسع من الخيارات، بينما تتولى جهة أخرى ترتيب هذا الفضاء، وإبراز بعض طرقه، وإخفاء بعضها، ثم تترك لك شعور الاختيار.

هذه إحدى أعمق مسائل السلطة في العصر الرقمي:

أن يستطيع الإنسان الكلام، لكنه لا يملك شروط وصول صوته..

أن يستطيع البحث، لكنه لا يعرف لماذا تقدمت هذه النتيجة وتأخرت تلك…

وأن يظن أنه يراقب العالم من شاشة، بينما تسجل الشاشة بعض تفاصيل الطريقة التي يراقبه بها.

في عام ٢٠١٩، كان القلق يتركز على شركات تجمع البيانات وتستثمر الانتباه…

اليوم، اتسعت المسألة مع الذكاء الاصطناعي: فالأنظمة تستطيع، إلى جانب تصنيف المحتوى، إنتاج النصوص والصور وتلخيص المعرفة والمشاركة في صياغة القرارات.

والفرق عميق….

محرك البحث يعرض عليك مصادر، أما المساعد الذكي فقد يقدم خلاصة متماسكة، بلغة واثقة، تخفي وراء سلاستها أسئلة عن المصادر والاختيارات والحدود…

وهنا يصبح امتلاك قدرة التفسير موقع قوة جديدا: من يصوغ الجواب يستطيع التأثير في الطريقة التي نفهم بها المشكلة.

لا يعني ذلك أن كل إجابة تلاعب، أو أن التقنية مشروع شر شامل…

فهذه الأدوات توسع فرص التعلم والعمل، وتمنح أفرادا قدرات كانت تحتاج إلى مؤسسات كاملة…

لكن المنفعة لا تلغي سؤال السلطة؛ بل تجعل طرحه أكثر إلحاحا، لأن الأداة التي نعتمد عليها كثيرا تكتسب قدرة أكبر على تشكيل عاداتنا.

ثم إن خريطة النفوذ تجاوزت اختصار “غافام” القديم….

ففي تصنيفها الأول لحراس البوابة الرقمية عام ٢٠٢٣، أدرجت المفوضية الأوروبية ألفابت وأمازون وآبل وميتا ومايكروسوفت، ومعها بايت دانس….والمصطلح نفسه دال: بعض الشركات تملك بوابات يضطر الآخرون إلى المرور عبرها للوصول إلى الأسواق والجمهور.

غير أن البوابة التي نراها ليست كل البناء….

خلف التطبيقات توجد مراكز بيانات، وخدمات سحابية، ورقائق، ونماذج، ومتاجر تطبيقات، وشبكات توزيع….

وقد يظهر تطبيق جديد بوصفه منافسا، بينما يعتمد في تشغيله وتمويله ووصوله إلى المستخدمين على شركات أكبر منه.

وفي تقرير صدر في يناير ٢٠٢٥، درست لجنة التجارة الفيدرالية الأميركية شراكات مايكروسوفت مع OpenAI، وأمازون وغوغل مع Anthropic، وأشارت إلى مخاطر محتملة تشمل تقييد الوصول إلى موارد التطوير، وارتفاع كلفة الانتقال بين مقدمي الخدمات، ووصول الشركاء الكبار إلى معلومات تجارية وتقنية حساسة….

التقرير يعرض مخاطر المنافسة، ولا يثبت أن جميع هذه المخاطر تحققت.

وهنا يتغير معنى الاستقلال….

قد تملك الشركة اسمها ومكاتبها وعملاءها، لكنها تجد أن الانتقال من البنية التي تعتمد عليها يحتاج إلى إعادة بناء أجزاء من عملها….

ليست كل علاقة اعتماد خضوعا؛ إنما تظهر المشكلة عندما يصبح الخروج منها باهظا إلى درجة تفقد معها حرية التفاوض.

وينطبق ذلك على الأفراد أيضا….

كاتب يبني جمهوره سنوات، ثم يكتشف أن تغيير آلية التوصية خفض وصوله…

وتاجر ينجح داخل منصة، ثم يجد أن تعديل رسومها ابتلع جزءا من ربحه…

وباحث يعتمد على أداة ذكية، ثم يعجز تدريجيا عن تقييم إجاباتها خارج منطقها.

هذه أمثلة تشرح كيف تتحول الوساطة إلى سلطة….

فالجهة التي تصل بينك وبين جمهورك أو سوقك أو مصادر معرفتك تستطيع التأثير في شروط بقائك، حتى دون أن تمنعك صراحة.

وقد أصبح بعض هذا النفوذ موضوع مساءلة قضائية فعلية. ففي أبريل ٢٠٢٥، قضت محكمة أميركية بأن “غوغل أو قوقل” احتكرت بصورة غير قانونية سوقين في تقنيات الإعلان الرقمي…

القيمة التحليلية للحكم أنه ينقل النقاش من الانطباع عن ضخامة الشركات إلى فحص سلوك محدد وآثاره في المنافسة.

أما البيانات، فقيمتها تتجاوز ما يقوله الإنسان عن نفسه. بعض المنصات تستطيع الاستدلال من النقرات ومدة المشاهدة وأنماط التفاعل على اهتماماته المحتملة. وقد يستخدم هذا لتحسين الخدمة، كما قد يستخدم لزيادة قدرته على الاستهلاك والاستمرار داخلها.

ومن هنا يظهر تفاوت في المعرفة: المستخدم يرى واجهة، والشركة ترى أنماطا واسعة من السلوك….

هو يعرف التجربة التي يعيشها، وهي تستطيع مقارنة تجربته بتجارب أعداد كبيرة من الآخرين….

وهذا التفاوت يستحق قواعد تحدد ما يجوز جمعه، وما يجوز استنتاجه، وكيف تستخدم النتائج.

ويجب التمييز بين هذا وبين التجسس الذي يخترق الأجهزة….

ففي نوفمبر ٢٠٢١، أدرجت وزارة التجارة الأميركية شركتي NSO وCandiru الإسرائيليتين في قائمة الكيانات الخاضعة لقيود تصدير، استنادا إلى أدلة على تطوير وتوريد أدوات تجسس استخدمتها حكومات أجنبية لاستهداف صحافيين وناشطين ومسؤولين وغيرهم….

هذه واقعة محددة تتعلق بشركات وأدوات وممارسات، ولا تبرر تعميم الاتهام على جماعة دينية أو شعب كامل.

لكن المساءلة لا تنتهي عند حدود الخارج….

فالدولة التي تشتري أداة مراقبة تحتاج إلى رقابة على استخدامها، وإلى قانون يحمي الناس من إساءة توظيفها…

وقد تبني دولة قدرة تقنية محلية، ثم تستخدمها لتقييد مجتمعها. لذلك فإن السيادة الرقمية تحتاج إلى حقوق ومحاسبة، بقدر حاجتها إلى خوادم وخبراء.

وفي العالم العربي، أصبح تكرار صورة العجز المطلق أقل دقة….

فقد أطلقت السعودية “هيوماين” في مايو ٢٠٢٥ لبناء منظومة تشمل مراكز البيانات والبنية السحابية والنماذج والتطبيقات…

وفي الإمارات، تطور مشروع “جيس” للنماذج العربية، وأعلن إطلاق “جيس ٢” في ديسمبر ٢٠٢٥ عبر شراكة بين Inception وجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي وCerebras.

هذه خطوات مهمة، لكن الإعلان عن المشروع لا يجيب وحده عن سؤال الاستقلال. المعيار هو مقدار المعرفة التي تتراكم محليا، وقدرة الباحثين على التطوير، ووضوح حقوق البيانات، وتعدد الموردين، وإمكان استمرار العمل عند تغير شروط الشراكة.

شراء التقنية قد يختصر سنوات من التطوير، لكنه يحتاج إلى مسار ينقل القدرة، لا الاستخدام فقط…. ويمكن للشراكة الدولية أن تبني استقلالا أكبر إذا أتاحت التعلم والتعديل والتفاوض، كما يمكن أن تعمق الاعتماد إذا جعلت كل تقدم مشروطا بإذن جديد.

والجامعة تقع في قلب هذا السؤال…..

فالطالب الذي يحصل على إجابة ممتازة من آلة قد يكون تعلم شيئا، وقد يكون تجاوز لحظة التعلم نفسها….

ويتحدد الفرق بقدرته على فهم الجواب واختباره والاعتراض عليه. لذلك تحتاج المؤسسات التعليمية إلى تقييم القدرة على الحكم، لا جودة النص الذي يسلمه الطالب وحدها.

أما اللغة العربية، فحضورها في النماذج يتصل بحق أبنائها في أن تمثل معارفهم وتجاربهم بدقة….

ترجمة الواجهة لا تكفي إذا ظلت مصادر التدريب والتقييم عاجزة عن استيعاب اختلاف السياقات، أو كانت الأخطاء في تاريخنا وثقافتنا تمر بلا تصحيح.

لهذا تبدو عبارة «منتجو المعرفة حكام، ومستهلكوها عبيد» حادة أكثر مما ينبغي. استهلاك المعرفة جزء من إنتاجها، والاستفادة من إنجازات الآخرين ضرورة…

الخطر يقع حين نفقد القدرة على فحص ما نستهلكه، وتعديل أدواته، والتفاوض على شروطه، وبناء بدائل له.

فالمعرفة تمنح القوة حين تتحول إلى قدرة مستقلة على الفهم والعمل…

وأعمق صور التبعية أن تتسع الأدوات بين أيدينا، بينما تضيق قدرتنا على مساءلتها.

السؤال الذي سيحدد موقعنا في المستقبل هو:

هل نستخدم التقنية لتوسيع قدرتنا على الحكم، أم نترك لها، ولمن يملكها، مهمة الحكم بالنيابة عنا؟

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

مع الله والناس…

بعد خمسة وأربعين عاما من الرحلة .. تعلمتُ أن الناس يمكن أن يكونوا نعمة عظيمة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *