ماذا يريد مطلق الصاروخ من الدولة التي يستهدفها بعد أن ينقشع الدخان؟
هذا هو السؤال الذي يكشف الغاية السياسية من وراء الاعتداء…
فالانفجار يستغرق لحظات، أما أثره المراد فقد يمتد إلى طاولة القرار:
أن تتراجع دولة عن موقف، أو تتخلى عن حليف، أو تقبل في جوارها واقعا كانت ترفضه، خشية أن يدفع مواطنوها ثمن الرفض مرة أخرى.
من هذه الزاوية يمكن قراءة التصعيد الحوثي ضد السعودية:
محاولة لانتزاع تأثير في قرار المملكة عبر تهديد أمنها….
وتلك مطالبة تتجاوز حدود الخلاف بشأن اليمن؛ إذ تمنح جماعة مسلحة نفسها حق معاقبة دولة كلما اتخذت سياسة لا تناسبها.
تقول الرواية الحوثية إن وقف الدعم السعودي للحكومة اليمنية ينهي أسباب التصعيد. لكن قبول هذه المعادلة يؤسس لسابقة خطيرة:
أن يصبح امتلاك القدرة على الإيذاء سندا لفرض الشروط، وأن تتحول سلامة المدنيين إلى مقابل سياسي تدفع الدولة ثمنه من استقلال قرارها…
وحين ينجح هذا الأسلوب مرة، يكتسب صاحبه سببا لاستخدامه مجددا كلما تعارضت مصالحه مع مصالح جيرانه.
هنا ينبغي التمييز بين التفاوض والابتزاز. فالتفاوض يتيح للأطراف البحث عن مصالح يمكن التوفيق بينها..
أما الابتزاز فيبدأ بصناعة الخطر ثم يعرض إيقافه بوصفه تنازلا يستحق المكافأة..
ويغدو السؤال عندئذ: هل تفضي التسوية إلى إزالة أسباب الاعتداء، أم تمنح المعتدي عائدا يشجعه على الاحتفاظ بها؟
في تقديري الشخصي، فإن أعمق ما يستهدفه هذا النمط من التصعيد هو العلاقة بين الدولة ومشروعها للمستقبل…..
فكل مشروع تنموي يقوم على قدر من القدرة على التوقع:
أن يعرف المستثمر أن منشأته ستعمل، والمسافر أن رحلته ستصل، والعامل أن مصدر رزقه لن يبقى معلقا على قرار جماعة وراء الحدود…
وعندما يتكرر التهديد، يحاول صاحبه إدخال إرادته في هذه الحسابات جميعا.
لهذا تتجاوز دلالة استهداف المطار جدرانه ومدرجاته….
فالمطار وعد بالوصول والعودة؛ فيه مريض ينتظر علاجا، وعامل يعود إلى أسرته، وأم تترقب ابنها….
تحويل هؤلاء إلى وسيلة ضغط يضعنا أمام انحطاط في تصور القوة:
أن يستمد المسلح وزنه من مقدار الخوف الذي يستطيع إدخاله إلى حياة أشخاص لا يعرفهم، ثم يطلب أن يعامل بوصفه صاحب قضية.
وتبدأ بعد ذلك محاولة تحويل الخوف الفردي إلى ضغط عام….
يريد المعتدي، وفق هذا المنطق، أن ينتقل السؤال من: كيف نمنع اعتداءه؟
إلى: ماذا ينبغي أن نقدم له حتى يكف؟
وإذا ترسخ السؤال الثاني وحده، يكون قد قطع مسافة نحو غايته، حتى لو أخفق في إصابة بعض أهدافه.
غير أن حسابات الدولة أعقد من هذه المقايضة….
فالتراجع تحت التهديد قد يخفف كلفة عاجلة، لكنه قد يرفع الكلفة اللاحقة إذا فسر بوصفه دليلا على جدوى الاعتداء….
وفي المقابل، فإن الاستجابة العسكرية تحتاج إلى غاية سياسية محددة، وإلى تقدير دقيق لنتائجها وحماية المدنيين…
لذلك تختبر هذه المواجهة قدرة الدولة على الجمع بين الصبر والردع، وعلى اختيار ما يخدم أمنها بعيدا عن الإيقاع الذي يحاول المعتدي فرضه.
ومن الخطأ افتراض أن استقلال القرار يعني الاستجابة لكل استفزاز….
فقد يخدم التصعيد غرضا آخر: استدراج السعودية إلى مواجهة تستنزف مواردها، أو تمنح الحوثي مادة لتعبئة الداخل وإعادة تقديم نفسه باعتباره حامي اليمن…
وهكذا قد يحاول أن يربح من إحجامها دليلا على فاعلية تهديده، ومن ردها ذريعة لتبرير استمرار سلاحه….
وكسر هذه المحاولة يقتضي حرمانه من التحكم في توقيت المواجهة وشكلها ومعيار نهايتها.
أما إيران، فإن استفادتها المحتملة من هذا الضغط تتصل بموقع السعودية في التوازن الإقليمي….
فكل أزمة تستدعي انشغال المملكة ومواردها قد توسع مساحة الحركة أمام منافسيها. وهذا تحليل للمنفعة الممكنة، لا دليل بذاته على صدور كل أمر عملياتي من طهران.
لكنه يوضح كيف يمكن لمطلب حوثي محلي أن يؤدي وظيفة أوسع: دفع السعودية إلى إنفاق قدر متزايد من قدرتها على حماية الحاضر، على حساب ما تخصصه لبناء المستقبل.
وتلك هي المفارقة التي ينبغي كشفها:
جماعة تطالب بحرية قرارها، ثم تستخدم السلاح لتضييق حرية قرار جارتها؛ وتستحضر سيادة اليمن، بينما تختزل هذه السيادة في إرادتها هي…
فأين موقع اليمني الذي يريد دولة وعلاقة مستقرة مع السعودية؟
ومن أعطى الجماعة تفويضا يجعل أمن شعب آخر ثمنا لبقائها وتفوقها؟
من حق السعودية في الأمن يظل قائما مهما اختلف الناس مع سياساتها….
ولكل سياسة مجال للنقد والمراجعة، وتبقى حرمة المدنيين خارج المساومة…
وحين يصبح الخلاف السياسي عذرا للاعتداء عليهم، يفقد الاحتجاج الأخلاقي معناه، ويصبح مجرد توزيع انتقائي للرحمة بحسب هوية الضحية.
لذلك، فإن جوهر المواجهة يتجاوز إسكات جولة من النار إلى إسقاط جدواها السياسية…..
أن يدرك الحوثي أن تهديد المدنيين لن يمنحه سلطة على خيارات المملكة، وأن التسوية التي تستحق البقاء هي التي توسع أمن اليمنيين والسعوديين معا، وتحد من قدرة أي جماعة على إعادة احتجازهما في الحرب.
تملك الدولة قرارها حين تستطيع أن تحمي شعبها، وتراجع سياستها بإرادتها، وتتفاوض من أجل مصلحة تراها، وترد بقدر ما يحقق غايتها….
أما اللحظة التي يسعى الحوثي إلى فرضها، فهي أن يصبح سؤال السعودية قبل كل قرار: هل يسمح لنا صاحب الصاروخ؟!!!!
وهذه تحديدا هي السلطة التي يجب ألا يكتسبها….
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة