الرئيسية / تقارير / هل ستغير الاتفاقية الإيرانية الصينية خارطة النفوذ بالشرق الأوسط؟

هل ستغير الاتفاقية الإيرانية الصينية خارطة النفوذ بالشرق الأوسط؟

– ستعزز اتفاقية الشراكة الصينية الإيرانية الحضور الصيني في مناطق النفوذ الإيراني وعلى سواحل البحر المتوسط
– يمكن للاتفاقية أن تشكل محورا ثلاثيا “قويا” يضم إيران والصين وروسيا يعزز الدور والنفوذ الإيراني في المنطقة وأفغانستان

تسود حالة من القلق لدى الدول المهتمة بكبح جماح نفوذ طهران المتصاعد في المنطقة، جراء التردد الواضح لدى الإدارة الأمريكية الجديدة في تعاملها مع التهديدات الإيرانية.

وتتجه الولايات المتحدة لتركيز وجود قواتها لمواجهة التهديدات الروسية والصينية والكورية الشمالية “المفترضة”.

لكن الرئيس الأمريكي جو بايدن، وفق ما أعلنه البيت الأبيض منتصف مارس/آذار الماضي، لا يزال يعتقد أن تصرفات إيران تشكل تهديدا للولايات المتحدة، وأنها لا تزال تواصل عمليات تطوير الصواريخ الباليستية وغيرها من الأسلحة التقليدية، ودعم الجماعات الإرهابية في الشرق الأوسط والعالم.

وتحاول إيران فرض رؤيتها لقبول العودة إلى مفاوضات الملف النووي، في الوقت الذي تسعى فيه الإدارة الأمريكية لتوسيع المفاوضات لتشمل أيضا الصواريخ البالستية والنفوذ الإيراني في المنطقة، وهو ما ترفضه إيران التي تصر على رفع العقوبات قبل العودة إلى المفاوضات مع مجموعة العمل المشتركة التي خرجت منها الولايات المتحدة في مايو/أيار 2018.

وتواجه إيران جملة من التحديات بسبب تداعيات العقوبات الاقتصادية الأمريكية، والشراكة بين الولايات المتحدة ودول خليجية عدة وإسرائيل في مواجهة التهديدات الإيرانية، والحد من اتساع نفوذ طهران في العراق وسوريا واليمن ولبنان.

** الانسحاب الأمريكي من المنطقة

ونقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية مؤخرا عن مسؤولين أمريكيين أن وزارة الدفاع تدرس خيارات إضافية لتقليص التواجد العسكري الأمريكي في المنطقة بعد سحب 3 بطاريات على الأقل من منظومات “باتريوت” الصاروخية للدفاع الجوي، إحداها من قاعدة الأمير سلطان الجوية بالسعودية دون الكشف عن ذلك.

إلى جانب دراسة سحب طائرات استطلاع مسيرة ومنظومات مضادة للصواريخ، قد يعاد نشرها في مناطق أخرى، في إجراء موجه ضد الذين يعتبرهم المسؤولون في البنتاغون كبار خصوم الولايات المتحدة على مستوى العالم، بمن فيهم الصين وروسيا.

ويُعتقد أن هذه الخطوات تعد تمهيدا لسحب آلاف الجنود الأمريكيين من الشرق الأوسط، بعد تقليص تدريجي لتواجدهم من نحو 90 ألفا في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب إلى نحو 50 ألفا في الوقت الحاضر.

التراجع الواضح في دور الولايات المتحدة بالمنطقة “قد” يدفع دولا مثل السعودية إلى إعادة النظر في علاقاتها مع إيران وتطويرها إلى مستوى الشراكة، وفق تصريحات أدلى بها وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، ضمن حوار مع شبكة “CNN” الأمريكية عن فرص إطلاق حوار بين المملكة وإيران، وإمكانية تطور العلاقات بينهما إلى مستوى الشراكة.

إذ طالب الوزير إيران بأن تقلل مخاوف بلاده الإقليمية بما “يفتح الأبواب ليس فقط للتقارب، ولكن حتى للشراكة”.

** اتفاقية الشراكة الصينية الإيرانية

ويتزامن التراجع الأمريكي مع احتمالات تعزيز إيران لنفوذها في المنطقة بشكل أوسع بعد توقيعها اتفاقية شراكة اقتصادية طويلة الأمد مع الصين في مارس الماضي.

وتثير الاتفاقية قلق الولايات المتحدة وإسرائيل ودول خليجية مثل السعودية والإمارات كونها ستحرر المزيد من الأصول المالية التي يمكن لإيران أن تستخدمها في دعم القوات الحليفة لها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، والتي تشكل تهديدا لأمن دول المنطقة وإسرائيل والولايات المتحدة.

ويُعتقد أن الاتفاقية ستعطي لطهران ما يكفي لتعزيز قدراتها الاقتصادية في مواجهة تداعيات العقوبات الأمريكية التي فرضها الرئيس السابق دونالد ترامب، إلى جانب تمسكها بثنائية العودة إلى اتفاقية الملف النووي في مقابل رفع العقوبات الأمريكية أولًا.

كما ستساهم الاتفاقية بمواجهة ما تراه طهران ضغوطات داخلية نتيجة تدني المستوى المعيشي والأزمة الاقتصادية الخانقة التي قوبلت باحتجاجات شعبية واسعة.

ووفق ما أُعلن من بنود اتفاقية الشراكة الاقتصادية بين الصين وإيران الموقعة بين البلدين الشهر الماضي، فإن هناك نحو 400 مليار دولار تتكفل بها الصين لإنعاش خطة تنموية طويلة الأمد تشمل جميع القطاعات الاقتصادية الإيرانية، في مقدمتها قطاع الطاقة.

ونشرت صحف أمريكية خريف العام الماضي “مسودة” الاتفاقية بين الصين وإيران التي تضمنت استثمارات صينية لمدة 25 عاما بقيمة 400 مليار دولار في عدد من المجالات، الصرافة والسكك الحديد والرعاية الصحية وتكنولوجيا المعلومات، بالإضافة إلى قطاع الطاقة مقابل إمدادات نفطية إيرانية مخفضة للغاية.

وأنجزت الاتفاقية بعد مشاورات متواصلة بين البلدين استمرت قرابة 5 سنوات بعد زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ، إلى إيران في العام 2016.

** العلاقات الصينية الإيرانية

ومنذ العام 2005، وقعت إيران والصين 7 اتفاقيات تشمل استثمارات صينية لشركات مملوكة للدولة في قطاعات الإنتاج النفطي.

وتعود جذور العلاقات الدبلوماسية بين الصين وإيران إلى العام 1971، وهي علاقات قامت على أساس تلبية بعض احتياجات الصين من النفط الإيراني، والموقف الصيني الرافض لعزل إيران عن المجتمع الدولي.

وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين حوالي 31 مليار دولار في عام 2016 تراجع بعد العقوبات الأمريكية إلى أقل من 20 مليار دولار بنهاية 2020، حسب تصريحات رئيس غرفة التجارة بين إيران والصين، مجيد رضا حريري في 26 مارس الماضي.

ومن المتوقع أن يرتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين بعد توقيع اتفاق الشراكة الاقتصادية، وتسارع وتيرة التنسيق بينهما في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة وفي جنوب شرق آسيا.

** مآلات اتفاقية الشراكة

ستعزز اتفاقية الشراكة الصينية الإيرانية الحضور الصيني في مناطق النفوذ الإيراني وعلى سواحل البحر المتوسط، وفي سوريا والعراق بعد تبني الإدارة الأمريكية سياسة الانسحاب التدريجي من المنطقة وأفغانستان.

ومن المتوقع أن تساهم اتفاقية الشراكة الاقتصادية في توسيع “مبادرة الحزام والطريق” لتشمل منطقة الخليج والعراق وسوريا، وتحويل دمشق إلى مركز تجاري رئيسي بين إيران وتركيا والعراق، ضمن شراكة مستقبلية قد ترى الولايات المتحدة فيها تهديدا لمصالحها ونفوذها في المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية أمنيا واقتصاديا.

ويعكس اتفاق الشراكة الاقتصادية تنامي العلاقات بين الصين وإيران على الصعد الاقتصادية والتجارية عبر استثمارات صينية ضخمة في البنية التحتية للطاقة والصناعات البتروكيماوية، وتعزيز الدور الإيراني بشكل أوسع في مبادرة الحزام والطريق الصينية التي تشكل مصدر قلق للولايات المتحدة ودول حلف الناتو.

يمكن للاتفاقية الصينية الإيرانية أن تشكل محورا ثلاثيا “قويا” يضم إيران والصين وروسيا من شأنه أن يعزز الدور والنفوذ الإيراني في المنطقة وأفغانستان، وقدرتها على مواجهة الضغوط الأمريكية في مفاوضات الملف النووي، وكذلك تلبية جزء من طموحات الصين المتزايدة لتعزيز دورها في الشرق الأوسط باستغلال الموقع الجغرافي الاستراتيجي لإيران.

وفي السياق العام للعلاقات الثلاثية الوثيقة بين إيران والصين وروسيا، وطبيعة علاقات الدول الثلاث التي توصف بـ”العداء” أو التنافس مع الولايات المتحدة، فإن هناك احتمالات تغيرات واضحة في خريطة النفوذ في المنطقة العربية لصالح الدول الثلاث على حساب مصالح الولايات المتحدة التي بات دورها يتراجع في المنطقة وفق سياسات الإدارة الجديدة التي تتجه لإعطاء الشرق الأوسط أولوية متأخرة جدا على قائمة أولويات السياسة الخارجية الأمريكية.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

تقرير الاستخبارات الأمريكية عن خاشقجي والسياسة الحذرة

التقرير استبعد أن يغتال مسؤولون سعوديون خاشقجي من دون ضوء أخضر من ولي العهد محمد …

تعليق واحد

  1. فهمي محمد ( كريم)

    مقال ممتاز ويصف الواقع تمامًا ويضع نقاط كثيرة على الحروف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *