وقع الإنسان على مر العصور في شباك فكرة الجبر، والتي تنفي عن الإنسان امتلاك القدرة على الاختيار، ومن رحم هذه التصورات خرجت إحدى الفرق الضالة في التاريخ الإسلامي وهي فرقة الجبرية، والتي ترى أن الله أجبر العباد على أفعالهم من خير أو شر دون أن يكون لهم إرادة في ذلك، وساوت بين الإنسان والجماد من حيث نسبة الفعل إليه على سبيل المجاز لا الحقيقة.
وهذا محض خلل في التفكير، فإنك إن طلبت من أحدهم كوبًا من الماء فإن لديه القدرة على الاختيار بين أن يلبي طلبك أو يرفضه، والعبد الذي يدخل عليه وقت الصلاة المفروضة بوسعه أن ينهض للوضوء ثم الصلاة، وبوسعه أن يظل مكانه لا يغادره.
والعجيب أن من يقول بأنه مجبر على أفعاله، قد يستغرق في التفكير زمنًا ويعصف ذهنه عصفًا من أجل المفاضلة بين وظيفتين أو مجالين من مجالات الدراسة أو بين عدة صفقات في العمل، أو بين عروسين، فهو بذلك يناقض نفسه، فلو كان مجبرًا كما يزعم لترك نفسه لأي منها أو اختار إحداها بعشوائية، وتراه إذا أحسن الاختيار يفتخر بنفسه وقدرته على الاختيار والتمييز، فكيف يتفق ذلك مع كونه مجبرًا على أفعاله؟!
فكرة الجبر لا تقتصر على العقائد الدينية، بل لها أشباه ونظائر في كثير من مجالات الحياة بشكل أو بآخر، تتفق جميعها في كون الإنسان يبرر بها نقائصه وعيوبه وأخطاءه ليزيح عن كاهله عبء الشعور بالذنب والتقصير، ويهرب من مواجهة حقيقية للأزمات والمشكلات.
الجيل الحالي يتعرض لخطاب نفسي من الخطورة بمكان، ينبثق عن هذه الفكرة، فالخطاب النفسي السائد خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، يركز في تناول قضايا ومشكلات الشباب على تحميل الأبوين المسؤولية المطلقة عن كل التصرفات الخاطئة والانحرافات السلوكية للأبناء.
هذه الفكرة مضطربة، فلئن كان للتربية والتنشئة دور بارز فيما نشأ عليه الأبناء، إلا أنها ليست سجنًا أبديًا لهم يمنعهم من تجاوز هذه الصبغة التربوية التي صبغتهم بها البيئة، فهم يملكون القدرة على الاختيار وتبديل المسار، والدليل على ذلك أن البعض يتمردون على قوالبهم الاجتماعية ومذاهبهم الدينية، وينأون عن مألوف المجتمع الذي يعيشون فيه.
من رباه والداه مثلًا على الاعتمادية والاتكالية لا يعني أن يظل أبد الدهر متلبسًا بتلك الصفات مستسلمًا لها، بل بإمكانه أن يتغير، والواقع يشهد أن بعض الناس الذين تربوا على ذلك نهضوا من سباتهم، وقاموا بتنمية الدافع الذاتي، وكسروا حدة الاعتمادية، وأصبحوا يعتمدون على أنفسهم، فالتربية رغم أثرها القوي لكن آثارها ليست سجنًا يستحيل تجاوز أسواره.
المشكلة في هذا الخطاب النفسي المعاصر غير المتوازن، أنه خطاب مخدّر للشباب، يريحهم بشكل مؤقت من عناء التفكير في أخطائهم واضطراب سلوكياتهم، ويكون استحضار مضمونه بمثابة حيلة نفسية للشاب أو الفتاة، يبررون بها الأخطاء والنقائص، ويهونها في أعينهم، وتصبح كأنها ممارسات لا دخل لهم بها، بل تحدث بفعل عوامل بيئية خارجة عن إرادتهم.
ومن ناحية أخرى، فإن إغراقهم في هذه الأفكار، يضيع عليهم فرصة مواجهة النفس بالعيوب والأخطاء، ويريحهم من الامتثال لأي من متطلبات التغيير.
أضف إلى ذلك، أن طرح هذه الفكرة المضطربة يحدث الشقاق والجفاء مع الآباء والأمهات ويوسع الهوة فيما يعرف بصراع الأجيال، إذ يجد الشاب في نفسه من أبويه، ويحملهما المسؤولية كاملة عن قصوره وأخطائه.
قطعًا لا أتهم كل من يتبنون هذه الفكرة في خطاباتهم أنهم يقفون عند حد التفسير، فهناك من يقدم هذا التفسير للبناء عليه، والإرشاد والتوجيه إلى كيفية التعامل مع رواسب الماضي، وعدم إخضاع الواقع والمستقبل لآثارها بخطوات علاجية منتظمة مثمرة.
لكن المشكلة في طرح فكرة الجبر الاجتماعي نفسها التي يضج بها عالم التواصل الاجتماعي، والذي صار فضاء مستباحًا لكل من يحسن ومن لا يحسن.
الإنسان مهما تلقى تربية خاطئة، فإن بوسعه أن يتغير، وألا يركن للآثار التربوية السيئة، فالله تعالى الذي أمرنا بالتغيير هو نفسه القائل في كتابه الكريم (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها)، فالتغيير مأمور به، إذًا هو مقدور عليه، ولو كان التغيير محالًا لبطلت الوصايا والمواعظ، ولما أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بأن نحسّن أخلاقنا.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة