الرئيسية / تقارير / محاولات انقلابية في مهد حكم السلطان عبد الحميد

محاولات انقلابية في مهد حكم السلطان عبد الحميد

– في محاولة الانقلاب الأولى شن علي سعاوي هجوما بمائتي رجل على قصر جيراغان لإعلان مراد سلطانا بديلا عن عبد الحميد، ولكن تم إحباط ذلك
– المحاولة الثانية كانت بعدها بشهرين بمعرفة جماعة ماسونية وبرعاية بريطانية، تحاكي المؤامرة الأولى، إلا أنه تم الإبلاغ عنها من قبل أحد أعضائها، وقبض عليهم
– المحاولتان تكشفان صعوبة الأحوال التي تولى فيها السلطان عبد الحميد شؤون الحكم، وقدرته على الصمود 33 عاما في إدارة الدولة، رغم تتابع المكائد والاضطرابات

تولى السلطان العثماني عبد الحميد الثاني شؤون الحكم في ظل أحوال عصيبة مرت بها الدولة، منها سوء الأحوال الاقتصادية والعجز في الميزانية والإغراق في الديون، واشتداد السياسة التغريبية للوزراء واستبدادهم، ووعورة الأحوال السياسية، والكيد الأجنبي ضد الدولة العثمانية، إضافة إلى أنه تولى السلطة عقب اغتيال عمه السلطان عبد العزيز، فكانت مهمة عسيرة أن يدير البلاد في هذا المناخ القاسي.

ومن أبرز الأحداث التي واجهت السلطان في مهد حكمه، تعرضه لمحاولتي انقلاب دعمتهما إنجلترا واستهدفتا قلب نظام الحكم وخلع السلطان عبد الحميد.

المحاولة الأولى كانت على يد علي سعاوي، أحد أعضاء جمعية العثمانيين الجدد، وكان مواليا للإنجليز ومناوئا لحكم السلطان عبد الحميد، ومن قبل كان يعارض أيضا حكم السلطان عبد العزيز وتم نفيه في عهده، إلى أن جاء عبد الحميد وأصدر عفوا عنه.

عاد علي سعاوي من منفاه يتزلف إلى السلطان وحظي ببعض المناصب، لكنه تم إقصاؤه نتيجة سوء سلوكه، فعاد مرة أخرى إلى مناوءة حكم عبد الحميد.

وفي تلك الفترة، كان السلطان مراد قد أعفي من منصبه نظرا لإصابته بالجنون ويقيم في قصر جيراغان، فبنى سعاوي خطته الانقلابية على مهاجمة القصر وإخراج مراد وتنصيبه سلطانا بدلا من عبد الحميد، مستفيدا من رغبة إنجلترا والدوائر الماسونية في الإطاحة بالسلطان الجديد.

وبالفعل قام سعاوي في يوم 18 مايو 1878، مع مائتي رجل مسلح بالهجوم على القصر والوصول إلى مكان السلطان المخلوع مراد، إلا أن قوة من الحرس كانوا قريبين من القصر، وصلوا في الوقت المناسب وأحبطوا الهجوم، وقُتل سعاوي وعشرون رجلا من أتباعه.

لم يكد يمر شهران على إحباط هذه المحاولة، حتى تعرض السلطان عبد الحميد إلى محاولة انقلاب جديدة عن طريق جمعية “كلانتي سكالييري” الماسونية، وتسمى الجمعية أيضا باسم “كلانتي وعزيز بك” الماسونية السرية.

وكلانتي هو الأستاذ الأعظم لمحفل برودوس الماسوني في إسطنبول، وأما عزيز بك، فهو أحد أعضاء الجمعية، والذي كان من المفترض أن يقوم بإيواء السلطان مراد في قصره بعد إخراجه، تمهيدا لتنصيبه سلطانا بدلا من عبد الحميد.

واكتمل التخطيط للمؤامرة التي كانت تقف وراءها إنجلترا أيضا، في يوليو 1878، واختار كلانتي توقيت قيام السلطان عبد الحميد بعزل أدهم باشا الصدر الأعظم، ذلك لأن الأخير كان أبرز الشخصيات التي تعتمد عليها الماسونية في إسطنبول، كما ذكر المؤرخ المصري محمد حرب في كتابه “السلطان عبد الحميد الثاني آخر السلاطين العثمانيين الكبار”.

وقبيل تنفيذ الانقلاب، نشطت الجمعية في الدعاية ضد السلطان عبد الحميد تمهيدا لإسقاطه، وكثرت الملصقات المنددة بالسلطان في الشوارع، وأشركت الجمعية في العملية عناصر نسائية من قصر جيراغان الذي يتواجد فيه السلطان مراد.

وتلقت السلطات العثمانية قبيل تنفيذ العملية، بلاغا من شخص يدعى “حسني” وهو أحد أعضاء الجماعة، يفيد بخطة الانقلاب، وتم إلقاء القبض على أعضاء الجمعية أثناء عقد اجتماع لها، وبذلك تم إحباط هذه المحاولة أسوة بسابقتها.

ويكشف تنفيذ محاولتين انقلابيتين على السلطان عبد الحميد في فترة أقل من عامين من توليه الحكم، حجم الاضطرابات التي عانت منها الدولة وحجم التآمر الغربي والفساد الداخلي، وهي غيض من فيض من مظاهر سوء المناخ في هذه الفترة.

وحفاظ السلطان عبد الحميد طوال 33 عاما على الدولة العثمانية وإدارة شؤونها وسط الكيد من الداخل والخارج، يشير أن هذا الرجل كان صاحب عقلية سياسية فريدة وحكمة عميقة في التعامل مع الأزمات، وليس هذا رأيا تدفعنا إليه العاطفة بل هو ما أشاد به رموز عصره، أمثال الإمام محمد عبده.

وقال عبده بحق السلطان عبد الحميد: “لو وزن مع أربعة من نوابغ رجال العصر لرجحهم ذكاء ودهاء وسياسة، خصوصًا في تسخير جليسه. ولا عجب، إذ رأيناه يذلل ما يقوم لملكه من الصعاب من دول الغرب، ويخرج المناوئ له من حضرته راضيًا عنه وعن سيرته وسيره، مقتنعًا بحجته”.

وأضاف: “رأيته يعلم من دقائق الأمور السياسية ومرامي الدول الغربية وهو معدّ لكل هوة تطرأ على الملك مخرجًا وسلّمًا. وأعظم ما أدهشني ما أعد من خفي الوسائل وأمضى العوامل كي لا تتفق أوروبا على عمل خطير في الممالك العثمانية، ويريها عيانًا محسوسًا أن تجزئة السلطنة العثمانية لا يمكن إلا بخراب الممالك الأوربية بأسرها”.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

خلافات إيرانية خليجية حول الغاز.. والحشد الشعبي يدخل على خط الأزمة

– منذ اكتشافه عام 1967، ظل حقل الدرة ملفا خلافيا بين إيران والكويت التي لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *