دخلت سوريا مرحلة جديدة على صعيد بناء الحوار الوطني الجامع وتعزيز اللُّحمة الداخلية، وذلك بعد أن أعلن مظلوم عبدي القائد العام لقوات سوريا الديموقراطية (قسد) حل هذه القوات بالكامل واندماجها في مؤسسات الدولة السورية.
وبهذا الإعلان، أسدل الستار على أزمة طاحنة امتدت لسنوات هددت أمن البلاد، وعرضتها لأخطار التقسيم، حيث أن هذه القوات حرّكتها النزعة الانفصالية وهدف الحكم الذاتي، مستفيدة من الغطاء الأمريكي والدعم الإسرائيلي وتعبئة المكون الكردي الذي قام نظام بشار بتهميشه.
جاء هذا الإعلان تتويجًا لجهود الحكومة السورية واتباعها سياسة النفس الطويل، وتوجيه المزاج الغربي نحو أهمية سيطرة الحكومة المركزية ومنع كيانات موازية في الدولة، من خلال الإصرار على سياسة تصفير النزاعات وتطابق التحركات الواقعية مع التصريحات الرسمية المطمئنة، واستثمارها ثقل الدبلوماسية التركية والخليجية لدى الولايات المتحدة لتذليل العقبات أمام احتواء المكون الكردي ومنع الانفصال، ودمج قسد في مؤسسات الدولة.
الإعلان أعقبه إجراءات رسمية تعزز ما تم إنجازه وتظهر حرص الحكومة على اللحمة الداخلية وصيانة حقوق الأكراد الذين يمثلون أحد أبرز مكونات المجتمع السوري، حيث أعلنت وزارة التربية السورية اعتماد تدريس اللغة الكردية في المدارس بالمناطق التي يشكل فيها الكرد نسبة ملحوظة من السكان، تزامنًا مع إعلان تعيين مصطفى خليل عبدي (مظلوم عبدي) مستشارًا لدى رئاسة الجمهورية.
وكانت جهود الحكومة السورية في هذا الشأن قد بدأت في مارس/ آذار 2025 خلال توقيع الرئيس أحمد الشرع ومظلوم عبدي اتفاقا لوقف إطلاق النار وإدماج قسد ضمن مؤسسات الدولة. وأشار الشرع خلال الاتفاق إلى ضمان حقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة في العملية السياسية وكافة مؤسسات الدولة بناء على الكفاءة، بغض النظر عن خلفياتهم الدينية أو العرقية، وأكد على أن المجتمع الكردي مجتمع أصيل في الدولة السورية، وتضمن الدولة حقه في المواطنة وكافة الحقوق الدستورية.
وشمل الاتفاق وقف إطلاق النار ودمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سوريا ضمن مؤسسات الدولة، بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز، إضافة إلى ضمان عودة المهجرين السوريين إلى مدنهم وتأمين حمايتهم.
وأخيرًا استكملت مراحل الاتفاق بهذا الإعلان التاريخي، الذي يطوي صفحة سوداء في سوريا، وإفشال مشروع الإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا.
هذا الإنجاز فتح المجال للبحث في مدى قدرة الحكومة السورية على تجاوز أزمة السويداء وإحباط التطلعات إلى إقامة حكم ذاتي للدروز بعيدًا عن مركزية الدولة.
تخضع السويداء لسيطرة رجل الدين الدرزي حكمت الهجري والذي يرفض التعامل مع حكومة دمشق، ويعلن ولاءه للكيان الإسرائيلي ويعول عليه في تحقيق الانفصال وإقامة الحكم الذاتي.
إضافة إلى تلقيه الدعم من الاحتلال الإسرائيلي، يستقوي الهجري بقوات الحرس الوطني التي قام بتشكيلها بمحافظة السويداء كقوة حامية لمشروع الانفصال.
لا شك أن نجاح الحكومة في إدارة ملف قسد وإنهاء هذا الكابوس، سوف يعزز صورة الدولة من حيث قدرتها على مواجهة النزعات الانفصالية وترويض الكيانات الموازية، ودحض فكرة قابلية الدولة للتفتيت والتقسيم.
كما أن هذه الصورة بلا شك سوف تؤثر على فكرة الانفصال في الجنوب وتشكك في إمكانية إقامة حكم ذاتي للدروز، كما أن حكمت الهجري قد انقطع عنه رافد الدعم من قبل قوات سوريا الديموقراطية بعد إعلان حلها.
لكن مع ذلك يبقى تكرار التجربة في ملف السويداء من الصعوبة بمكان، لأنه يصطدم بأطماع وأحلام الاحتلال الإسرائيلي الذي يقوم بتغذية تطلعات الهجري وأتباعه من الدروز الذين لهم امتداد في الداخل الإسرائيلي، فقام نتنياهو بقصف مواقع النظام السوري بحجة حماية الدروز، وحول جيش الاحتلال منطقة الجنوب إلى منطقة محرمة على القوات الحكومية للدولة، هذا لأن أحلام الهجري تلاقت مع الأحلام الصهيونية في تفتيت وحدة الأراضي السورية، وقيام دولة موالية للكيان الإسرائيلي على الحدود هو عين ما يتطلبه أمن الدولة المزعومة.
الموقف الأمريكي الذي يعد محوريًا في قضايا سوريا، يختلف في الحالتين، فواشنطن كانت تشكل غطاء لقوات سوريا الديموقراطية باعتبارها وكيلًا في تأمين النفط ومواجهة تنظيم داعش، وورقة ضغط كذلك على أنقرة، لكن مع تغير خارطة التحالفات ورغبة الولايات المتحدة في أن تخفف أعباءها في المنطقة، تخلت عن دعم قسد وقبلت بدمجها في المؤسسات السورية، طالما أن الحكومة الجديدة سوف تتولى مهام تأمين النفط ومواجهة داعش إضافة إلى مراقبة الحدود ومنع الإمدادات التي تصل إلى حزب الله اللبناني عن طريق الأراضي السورية.
الموقف الأمريكي بالنسبة لملف السويداء يختلف، لأن الأمر يتعلق بالأمن الإسرائيلي وتوجهات حكومة نتنياهو المدعومة من قوى وكيانات متنفذة داخل الولايات المتحدة، تجعل من المصالح الإسرائيلية في المنطقة على رأس أولويات أية إدارة أمريكية، لذلك لا تتجاوز واشنطن ممارسة ما يمكن أن نسميه الضغط الهادئ على نتنياهو، وهو في الغالب ينتهي بالمماطلة والإرجاء دون حسم، وهو ما يمنح نتنياهو فرصة للمناورة والالتفاف.
الشرع يدرك أن حسم أزمة السويداء لا يمكن أن يكون بقوة السلاح، لأن ذلك يمنح الكيان الإسرائيلي الفرصة لتحويل الأجواء السورية إلى ساحة عمل إسرائيلية تقضي على حلم البناء.
لا سبيل للحكومة السورية سوى التزام سياسة ضبط النفس، وتكثيف العمل على إشراك الوساطات الإقليمية والدولية لدعم فكرة وحدة الأراضي السورية ومنع إقامة حكم ذاتي في السويداء، خاصة وأنه لا سند قانونيًا لهذا المنحى.
إضافة إلى ذلك، ينبغي أن تعمل دمشق على تفريغ البيئة الانفصالية المحيطة بحكمت الهجري، وذلك لا يكون إلا باستيعاب الجنوب من النواحي الخدمية وفتح الطريق أمام جماهير السويداء خاصة الشباب أمام الاستفادة القصوى من التقارب مع الحكومة المركزية في دمشق، وعلى الإعلام الرسمي أن ينشط في هذا الجانب، وذلك حتى تظهر أحلام الهجري على أنها غير مبررة، خاصة بعد تصريحاته الصادمة عن الولاء للاحتلال الإسرائيلي.
كما يمكن لحكومة الشرع الاستفادة من الأصوات والقوى المعارضة لحكمت الهجري من المكون الدرزي، باستيعاب تلك القوى والتنسيق معها من أجل دعم فكرة سوريا موحدة.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة