في رأسي وطنٌ لا يظهر على الخريطة..

في رأسي مدينة لا تستطيع الأقمار الصناعية أن تلتقط لها صورة…..

لا أعرف في أي قارة تقع، ولا أي لغة يتحدث أهلها، ولا إن كانت تُطِلُّ على بحر أو تستند إلى جبل….

أعرف فقط أنني كلما ضاقت بي الأمكنة، ذهبت إليها…..

هناك بيت لم يبنِه مهندس، ونافذة لم يصنعها نجّار، وطريق طويل لا ينتهي عند عنوان….

هناك أناس لم ألتقِ بعضهم بعد، وأحاديث دارت في خيالي أكثر مما دارت في الواقع، ونسخة مني عاشت بشكل كامل عدّة مرّات ولم أعشها…..

ولعل أعقد ما في الإنسان أنه لا يعيش في العالم وحده؛ بل يعيش في تفسيره للعالم…

نحن نسكن غرفتين في الوقت نفسه:

غرفة من حجر، وغرفة من معنى…. الأولى لها جدران وأبواب…

أما الثانية فتبنيها الذاكرة والمشاعر المؤجلة…

ولهذا قد يكون جسد الإنسان في مكان، بينما يُقيم قلبه في مكان آخر !

ننام على سرير حقيقي، لكننا قد نستيقظ في ذكرى….

نجلس بين عشرات الناس، بينما وعيُنا يجلس في مكان آخر تماما….

وقد نغادر بلدا منذ عشرين عاما، بينما يظل جزء منا واقفا عند نافذة بيت قديم، ينتظر شيئا لن يعود…..

لذلك … سؤال: “أين تعيش؟” إن لم يتبعه سؤال : “أين تقيم روحك حين تكون وحدك؟” … هو سؤال أخرق !

المكان قد يتحول مع الزمن من جغرافيا خارجية إلى جزء من تعريف الإنسان لنفسه، بما يحمله من ذاكرة وأمان وألفة وانتماء…..

بعض الدراسات تميز حتى بين “البيت المادي” و”البيت الاجتماعي” و”البيت الشخصي”؛ أي أن البيت في التجربة الإنسانية أكبر من الجدران التي تحدّه…..

لكنني أظن أن الأمر يذهب أبعد من ذلك:

قد يكون للإنسان وطنٌ نفسي لم يسكنه قط….

مكان يصنعه من الأشياء التي افتقدها….

من كلمة كان يجب أن تُقال ولم تُقل…..

من حضن تأخر عشرين عامًا….

من عدالة لم يجدها…..

من حب كان ينبغي أن يكون أكثر رحمة…..

من فرصة ضاعت….

من حياة يتخيل أنه كان سيصبح فيها شخصًا آخر…..

وهنا تبدأ مفارقة عجيبة: أحيانا لا نبني عالمنا الداخلي مما حصلنا عليه، بل مما حُرمنا منه….

فالطفل الذي عاش كثيرا من الفوضى قد يبني في رأسه عالما شديد النظام…

ومن عاش القسوة قد يتخيل مكانا بالغ الرحمة….

ومن عاش حياته مطالبا بتفسير نفسه، قد يحلم بمكان يفهمه أهله من نصف كلمة..

ومن أمضى عمره وهو يحاول ألا يزعج أحدا، قد يتخيل أخيرا بابا يستطيع أن يدخله دون أن يستأذن في أن يكون نفسه..

لهذا ليست كل أحلام اليقظة هروبا ساذجا..

بعضها هندسة نفسية للتعويض…

العقل يقول للواقع، بطريقته الخاصة:

– إذا لم تعطِني مكانا أستطيع أن أكون فيه كاملا، فسأصنع واحدا …

لكن المأساة تبدأ حين يصبح العالم الداخلي أجمل إلى درجة تجعل الواقع غير قابل للسكن.. عندها لا يعود الخيال نافذة نستريح عندها، بل يصبح بلدا نهاجر إليه.

نؤجل الحياة لأن النسخة التي في رؤوسنا أجمل..

نرفض الناس الحقيقيين لأنهم لا يشبهون الشخصيات التي كتبناها لهم..

نحزن على احتمالات لم تحدث كأنها ذكريات..

ونشتاق أحيانا إلى أيام لم نعشها أصلا..

وهذه من أغرب قدرات النفس البشرية:

– أن تتألم على الممكن كما تتألم على المفقود..

فالإنسان لا يحمل ذاكرة الماضي فقط؛ يحمل أيضا مقبرة الاحتمالات:

لو أنني اخترت الطريق الآخر..

لو بقي فلان معي..

لو لم أسكت يومها..

لو بدأت أبكر..

لو لم أخف في ذلك اليوم وأهرب وأختفي..

لو وُلدت في زمن آخر..

لو كان لي أمّ ليست مثل أمي أو لو كان والد صديقتي هو والدي..

لو كنت أقل طيبة، أو أكثر جرأة، أو أكثر أنانية، أو أكثر حكمة.

وكل “لو” تفتح بابا إلى حياة موازية..

ثم نمشي بين الناس بأجسادنا، بينما تسكن رؤوسنا عشرات الحيوات التي لم تقع..

الغريب أيضا أن العالم الخارجي أصبح مزدحما بصورة غير مسبوقة، بينما يزداد الإنسان حاجة إلى غرفة داخلية يختبئ فيها..

لدينا آلاف الصور، ومئات المحادثات، وأخبار العالم تصلنا قبل أن يبرد الحدث، ومع ذلك قد يشعر المرء أنه يقف وحده وسط سوق هائل من الأصوات..

لأن كثرة الاتصال لا تعني بالضرورة كثرة اللقاء..

أن يراك الناس ليس هو أن يعرفوك..

أن يسمعوك ليس هو أن يفهموك..

أن يتابعك الآلاف لا يعني أن أحدا يعرف أين تذهب روحك عندما تنطفئ الشاشة..

وهنا نفهم لماذا قد يكون الإنسان مشهورا ووحيدا، محاطا ومغتربا، محبوب ا وغير مفهوم..

فالاغتراب ليس دائما أن تكون بعيدا عن وطنك..

أقسى الاغتراب أن تكون حاضرا في مكان لا تستطيع أن تكون فيه نفسك..

ولهذا أيضا قد نشعر بالألفة في مدينة نزورها للمرة الأولى، وبالغربة في بيت عشنا فيه سنوات..

فالانتماء النفسي لا يُختزل بعنوان السكن؛ الأدبيات النفسية نفسها تتعامل مع الإحساس بالمكان باعتباره شبكة من الألفة والهوية والارتباط والمعنى، لا مجرد وجود مادي في نقطة جغرافية.

ربما لهذا لا تكون البيوت الحقيقية هي البيوت التي نملك مفاتيحها..

البيت الحقيقي قد يكون إنسانا :

– إنسانا لا تضطر أمامه إلى إدارة صورتك..

-لا تزن كلماتك قبل إخراجها

– ولا تخشى أن يستخدم اعترافك ضدك

– ولا تحتاج أن تبدو قويا طوال الوقت..

هناك أشخاص ندخل إليهم كما يدخل المسافر بيته بعد رحلة طويلة؛ نخلع أمامهم دروعنا قبل معاطفنا.

وأشخاص آخرون، مهما أحببناهم، نظل أمامهم واقفين على أطراف أرواحنا..

وهنا يظهر معيار بالغ القسوة للعلاقات:

ليس المهم فقط مَن تحب؛ بل مَن تستطيع أن تكون بجواره دون أن تمثل..

فالحب الذي يطلب منك باستمرار أن تصغر كي يستوعبك ليس بيتا …

والصداقة التي تجعلك تراجع كل كلمة قبل قولها ليست بيتا …

والمكان الذي يمنحك سقفا لكنه يسلب منك صوتك ليس بيتا …

فالبيت، في أعمق معانيه، ليس المكان الذي يحمي جسدك من المطر؛ بل المكان الذي لا تضطر فيه روحك إلى الاحتماء منك ومن الآخرين…..

ومع ذلك، ثمة حقيقة أكثر قسوة:

لا ينبغي أن نطالب العالم بأن يطابق المدينة الموجودة في رؤوسنا….

فالناس الحقيقيون ناقصون….

والحب الحقيقي تتخلله أيام ثقيلة…..

والمدن الجميلة فيها ازدحام وقمامة وفواتير…..

والأصدقاء ينسون…..

والأحلام عندما تتحقق تفقد شيئا من لمعانها….

والحياة، بخلاف الخيال، لا تسمح لنا بإعادة كتابة المشهد كلما لم تعجبنا نهايته.

وهنا يبدأ النضج…..

ليس النضج أن نهدم العالم الذي في داخلنا.

بل أن نتوقف عن استخدامه لإدانة العالم الذي في الخارج….

أن نحتفظ بالخيال بوصفه بوصلة، لا مخبأ…

إذا كنت تتخيل مكانا أكثر رحمة، فاسأل: كيف أضيف شيئا من الرحمة إلى مكاني؟

إذا كنت تتخيل علاقات أكثر صدقا، فابدأ أنت بأن تكون أكثر صدقا.

إذا كنت تحلم بعالم أكثر عدلا، فلا تكتفِ بكرهه لأنه ليس عادلا؛ اصنع في المساحة التي تصل إليها يدك قدرا من العدل.

وهنا يتحول الخيال من مخدر إلى مشروع…. ومن عزلة إلى فعل.

ومن “ليت العالم كان هكذا” إلى:

ماذا أستطيع أن أفعل كي يصبح الجزء الذي أمرّ به من العالم أقل قسوة؟

هذه هي المسافة بين الحالم والباني…. كلاهما يرى ما ليس موجودا.

لكن الأول يسكنه، والثاني يحاول أن يصنع منه شيئا.

لذلك لم أعد أخجل من المدن التي في رأسي……

فيها الذين فقدتهم كما أحب أن أتذكرهم…

وفيها الذين أحبهم كما أتمنى أن يبقوا…

وفيها أحاديث لم يحن وقتها وطرق لم أمشِها، ونُسخ مني ماتت قبل أن تولد.

*لكنني تعلمت ألا أغلق الباب خلفي حين أدخل إليها…..

أترك نافذة مفتوحة على الواقع…..

لأن الإنسان يحتاج أحيانا أن يهرب قليلا كي يحتمل الحياة، لكنه يحتاج أكثر إلى أن يعود كي يعيشها….

ولعل الحكمة كلها في هذه المعادلة:

أن يكون لك عالم داخلي واسع … دون أن تصبح سجينا فيه.

أن تحلم بحياة أجمل، دون أن تحتقر حياتك الناقصة….

أن تحفظ في داخلك مكانا لا يصل إليه ضجيج العالم …

دون أن تنسى أن لك في هذا العالم عملا وحبا وواجبا وأثرا.

فالخيال العظيم ليس الذي يجعلنا نهجر الواقع، بل الذي يعيدنا إليه ومعنا فكرة عن كيفية إصلاح شيء منه…..

وفي رأسي ما زالت هناك مدينة لا يعرفها أحد….

لكنني لم أعد أريد الانتقال إليها بالكامل…..

يكفيني أن أذهب إليها أحيانا، أفتح نوافذها، أجلس قليلا مع نفسي، ثم أعود.

أعود إلى هذا العالم الناقص، المزدحم، المُربِك، الحقيقي…

لأنني أدركت أخيرا أن أجمل ما في المدينة التي في رأسي ليس شوارعها ولا بيوتها ولا سُكانها المُتخيلين….

بل أنها تخبرني، كلما دخلتها، ما الذي ينقص العالم الذي أعيش فيه.

وما دام الإنسان قد عرف ما ينقص العالم، فربما لم يعد دوره أن يبحث عن عالم آخر.

ربما دوره أن يترك هذا العالم أفضل قليلًا مما وجده.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

حين لا يراقبكَ أحد..

حين لا تحتاج إلى شرطيٍّ يمنعك أو جمهورٍ يراقبك.. أو قانونٍ يعاقبك.. حين تمتلك القدرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *