– الإنسان قد يخطئ في قراءة حرب، وقد يختلف في تقدير دولة، وقد يحب حكومة أو يبغضها، وقد يرى في هذا المحور خلاصا وفي ذاك خطرا ..
لكن اللحظة التي يصبح فيها دم الإنسان رخيصا لأن صاحبه ينتمي إلى البلد الخطأ، وغاليا لأنه ينتمي إلى القضية التي نُحبها … نكون قد غادرنا ميدان العدالة إلى ميدان العصبية…. !
ولهذا فإن سؤالي لمن يبكي بحرقة على طفل في غزة، ثم يفرح بصاروخ يتجه إلى مدينة عربية، أو يتمنى الخراب لمكة والسعودية أو الأردن بشكل علنيّ بل ويعتبر عدم وقوفك إلى جانبه في هذه الدناءة دليل عمالة.. سؤالي له:
ما الذي تغيّر في تعريف الطفل بين المكانين؟
هل أصبح للدم جواز سفر؟
هل تسقط حرمة المسلم إذا حمل الجنسية التي نختلف مع حكومتها؟
وهل أصبح الفلسطيني إنسانا بحكم المأساة، والسعودي مجرد امتداد لقرار سياسي لا علاقة له به؟
المسألة هنا ليست السعودية أو الأردن في مواجهة فلسطين….
هذا هو الفخ الأول…
فلا توجد في ميزان الإسلام معادلة تقول: إما أن تحب فلسطين وإما أن تحترم دماء أهل الجزيرة العربية !
ولا توجد آية قُرآنية تمنحنا حق اختيار الشعوب التي تستحق الحياة….
الله سبحانه وتعالى لم يقل: اعدلوا مع الذين تحبون….
بل قال:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
وهنا تظهر عظمة الميزان القرآني: إنه يختبر عدلك تحديدا عند الكراهية…
فالعدل مع من تحب سهل…. والرحمة بمن تنتمي إليه سهلة….
والغضب لدم جماعتك غريزة قد تستيقظ حتى في أكثر المجتمعات تحضّرا؛ أما الإنسانية فتبدأ حين ترفض أن تجعل دم جماعتك أغلى من دم الآخرين….
بينما الأخلاق فتبدأ حين يصبح خصمك أمامك، وتملك ألف مبرر لكراهيته، ثم ترفض أن تكذب عليه، أو تظلمه، أو تستحل دمه….
أنا لا أسأل: لماذا تحب فلسطين؟ بل أسأل سؤالا أشد قسوة:
ماذا فعل حب فلسطين بأخلاقك؟
هل جعلك أشد حساسية تجاه الدم الإنساني كله؟
أم علّمك أن بعض الدماء مقدسة وبعضها مباح؟
إذا كانت مأساة الفلسطيني قد علمتنا أن قتل المدني جريمة، فهذه القاعدة يجب أن تسافر معنا إلى كل مكان.
أما أن يكون قتل المدني جريمة في غزة، ثم يصبح خبرا سارا إذا وقع في الرياض أو جدة أو مكة أو إربد أو عمّان أو القاهرة ؛ فالمشكلة لم تعد في الموقف السياسي، بل في فساد المعيار نفسه….
فلسطين ليست أغلى من السعودية لأن الإنسان الفلسطيني ليس أغلى عند الله من الإنسان السعودي….
والسعودية ليست أغلى من اليمن….
واليمني ليس أغلى من السوري….
والعراقي ليس أقل حرمة من الأردني أو اللبناني….
ولا يمنح جواز السفر دما معزّزا بقداسة مُضافة !
الدم المعصوم لا يرتفع سعره ينخفض في بورصة المحاور….
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾.
قال: بني آدم….
لم يقل بني جماعتنا، ولا بني مذهبنا، ولا أبناء الدولة التي نتفق مع سياستها.
بل إن القرآن الكريم يذهب أبعد من ذلك حين يجعل الاعتداء على النفس بغير حق اعتداء بالغ الفداحة على معنى الحياة الإنسانية نفسها:
﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
فكيف تحولت النفس في خطابنا السياسي من “نفس” إلى جنسية؟
ومن إنسان إلى موقف؟
ومن حرمة إلى رقم في معركة المحاور؟
القدس لا تحتاج إلى خراب مكة … وهنا أصل إلى المفارقة الأكثر إيلاما….
متى أصبح الطريق إلى القدس يمر فوق أنقاض مكة؟
ومتى احتاج المسجد الأقصى لكي نحبه أن نكره المسجد الحرام؟
ومتى أصبحت نصرة مقدس إسلامي تستلزم الشماتة بالخطر على مقدس إسلامي آخر؟
يمكنك أن تختلف مع السعودية سياسيا كما تشاء….
يمكنك أن تنتقد سياساتها، تاريخها، تحالفاتها وقراراتها….
فالسياسة ليست دينا، والدول ليست معصومة، والحكومات ليست مقدسات.
لكن مكة ليست حكومة…. والمدينة المنورة ليست وزارة….
والطفل السعودي ليس بيانا سياسيا…
والمرأة التي تخاف من صوت انفجار ليست مسؤولة عن السياسة الخارجية لدولتها.
والحاج والمعتمر والعامل والمقيم والإنسان النائم في بيته ليسوا أهدافا لأن شخصا في مكان آخر يكره نظاما سياسيا ويعتبره سبب كوارث الكوكب الإسلامي..
وهذه ليست فقط قاعدة أخلاقية أو دينية؛ فالقانون الدولي الإنساني نفسه يقوم على مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين والأعيان المدنية، ويحظر توجيه الهجمات إلى المدنيين أو الأعيان المدنية.
أي أن القاعدة التي نطالب بها لغزة لا يجوز أخلاقيا أن نمزقها عندما نصل إلى حدود خصومنا….
إما أن يكون المدني مدنيا في كل مكان، أو نعترف بأننا لا ندافع عن مبدأ، بل عن فريق….
المروءة في التراث العربي لم تكن أن تنتصر لقومك في حال قوّتهم وبأسهم الشديد، بل أن تمنع الخصومة من أن تسلبك شرفك..
ولذلك كانت العرب تعرف معنى حماية المستجير، وإغاثة الملهوف، وكف الأذى عن الضعيف، حتى قبل أن يأتي الإسلام فيرفع هذه المعاني من عرف اجتماعي إلى تكليف أخلاقي وديني.
المروءة أن تختلف ولا تتشفى..
أن تحارب الفكرة ولا تتمنى احتراق صاحبها…
أن ترفض سياسة دولة دون أن تتحول في داخلك إلى عدو لشعبها…
أن تستطيع القول عن خصمك:
“أختلف معك، لكنني لا أستحل دمك…”
ذلك هو الحد الفاصل بين صاحب المبدأ وصاحب الثأر…
فصاحب المبدأ إذا تغيّر اسم الضحية لم يتغير حكمه….
أما صاحب العصبية فيحتاج فقط إلى معرفة هوية القتيل قبل أن يقرر هل يبكي أم يحتفل.
وهذا ربما أخطر ما صنعته الحروب الطويلة في وعينا العربي: لم تعد بعض النفوس تسأل “ماذا حدث؟”، بل تسأل أولا: لمن حدث؟ …
فإن كان القتيل من جماعتها أقامت الدنيا باسم الإنسانية …
وإن كان من خصومها فتشت في التاريخ والجغرافيا والسياسة عن حجة تجعل موته مفهوما ومُبررا بل ومقبولا …!
وهكذا يموت الإنسان مرتين:
مرة بالسلاح ..
ومرة حين يجلس المثقف أمام الشاشة ليبرهن أن الضحية كانت تستحق ما جرى لها.
فيا بني ديني وقومي : لا تجعلوا فلسطين غطاءً للكراهية…
وفلسطين، تحديدا، أكبر من أن تتحول إلى غطاء أخلاقي للأحقاد العربية….
الفلسطيني الذي نطالب العالم بأن يراه إنسانا لا رقما، يجب أن يعلّمنا أن نرى الإنسان في غيره أيضا….
فالذي يقول للعالم: “لا تعاقبوا أهل غزة بسياسات حكومتهم”، ثم يعاقب شعبا عربيا بأكمله على سياسات حكومته، قد هدم بلسانه الحجة الأخلاقية التي دافع بها عن غزة.
والذي يقول: “ليس كل فلسطيني مسؤولا عن فعل فصيل مسلح”، ثم يجعل كل سعودي مسؤولاً عن كل قرار اتخذته دولته، وقع في التناقض نفسه.
المبدأ لا يعرف الجغرافيا….
ولهذا كان قوله تعالى بالغ الدقة:
﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.
لاحظوا قسوة التكليف:
حتى أنفسكم ليست استثناءً من العدالة….
فكيف أصبحت أحزابنا ومحاورنا استثناءً؟!
==
الحوثيون ليسوا فلسطين…
من الخطأ الفكري كذلك اختزال جماعة الحوثيين في شعار فلسطين.
فالجماعة لها تاريخ يمني داخلي طويل، وبنية سياسية وعسكرية واجتماعية ومذهبية خاصة بها….. وتشير دراسات متخصصة في الشأن اليمني إلى أن صعودها ارتبط أيضاً بعلاقتها المعقدة بالبُنية القبلية، وإخضاع قبائل وتوظيف أخرى، وبناء منظومة تعبئة وعسكرة تتجاوز القضية الفلسطينية بكثير.
لذلك يجوز للإنسان أن يكون مع حقوق الفلسطينيين بكل وضوح، وفي الوقت نفسه يختلف جذريا مع الحوثيين….. ولا تناقُض ..
كما يجوز أن ينتقد السعودية في ملف، ويتفق معها في ملف آخر….
هذه هي السياسة حين تتحرر من عقلية القبيلة …
أما تحويل فلسطين إلى شهادة براءة مفتوحة لكل من يرفع رايتها، فليس نصرة لفلسطين، بل إساءة إليها….
القضية العادلة لا تجعل كل من يتحدث باسمها عادلا….
والشعار المقدس لا يقدس حامله….
والراية لا تغسل الأفعال….
لهذا لا أسأل الذي يتمنى الخراب للسعودية: هل تحب فلسطين؟
ربما يحبها بالفعل….
بل أسأله سؤالا أصعب:
هل تحب العدل؟
لأن حب الأرض يمكن أن يكون هوية….
وحب الجماعة يمكن أن يكون عصبية….
وحب الراية يمكن أن يكون انفعالا…
أما العدل فهو أن تحكم بالمبدأ نفسه عندما يكون الحكم في صالحك وعندما يكون ضدك.
أن يكون دم الطفل الفلسطيني حراما لأنه دم إنسان بريء، لا لأنه فلسطيني فقط.
وأن يكون دم الطفل اليمني حراما للسبب نفسه.
ودم الطفل السعودي…واللبناني…والسوري… والأردني والسوداني والعراقي….
فاللحظة التي نحتاج فيها إلى معرفة جنسية الطفل قبل أن نُقرر مقدار الحزن عليه هي اللحظة التي ينبغي أن نخاف فيها على ما بقي فينا من إنسانية….
أخيرا :
لا تسألوني: أيهما أهم عندي كمُسلمة، فلسطين أم السعودية؟
السؤال نفسه مُختلّ وفاسد في أصله…
الأوطان ليست جُثثا نضعها في ميزان لنقرر أيها يستحق البقاء…
ومكة لا تنافس القدس… والقدس لا تنتقص من مكة….
وفلسطين لا تحتاج دم السعودي كي تكون قضيتها عادلة، كما أن الدفاع عن السعودية لا يحتاج إنكار مظلومية الفلسطيني….
القضية أعمق من ذلك كله:
هل لدينا مبدأ يعيش إذا تغيّرت الأسماء؟
إن كان قتل الأبرياء جريمة، فهو جريمة عندما يرتكبه عدوك وعندما يرتكبه حليفك.
وإن كانت الشماتة بالمذعور سقوطا أخلاقيا، فهي كذلك في غزة وصنعاء والرياض ومكة والأردن وفي أي مكان يكون فيه المستهدف مدنيا بريئا…
وإن كان الظلم حراما، فلا يصبح حلالا لأن المظلوم لا يعجبك…
هذه هي المروءة التي نفتقدها:
ألا تحتاج إلى حب الإنسان حتى تُنصفه…
وهذه هي العدالة التي جاء بها القرآن الكريم:
ألا يكون ولاؤك أقوى من الحق، ولا خصومتك أقوى من التقوى.
فمن أراد القدس حقا، فليحمل إليها ميزانا لا يختل عند مكة ودول الخليج…
ومن بكى دم فلسطين، فليصُن حرمة الدم حين يتغير اسم صاحبه….
لأن فلسطين إذا كانت قضية عدل، فلا يجوز أن ننصر العدل فيها بالظلم في غيرها.
وأخشى ما أخشاه على هذه الأمة ليس أن تختلف في السياسة؛ فقد اختلف الناس منذ عرفوا السياسة….
بل أن تبلغ بها الخصومة مبلغا ترى فيه المسجد الأقصى مُقدسا لأنها تُحبه، ومكة هدفا مقبولا لأنها تكره سياسة دولة؛ وتبكي طفلاً لأن اسمه فلسطيني، ثم تبحث عن مبرر لموت طفل آخر لأن اسمه سعودي….
عندئذ لن تكون المشكلة أننا اختلفنا على فلسطين أو اليمن أو السعودية….
بل في أننا فقدنا الميزان…
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة