أخلاق تتبدل في ساعات وأميال!

كيف يستطيع المعيار الأخلاقي نفسه أن يتغير خلال أربعٍ وعشرين ساعة، وبضعة مئات من الكيلومترات؟

في دمشق، أقيم حفل أصالة نصري بحضور الآلاف، وبرعاية رسمية من وزارة الثقافة السورية، وقُدّم الحدث بوصفه عودة فنية ووطنية بعد سنوات طويلة من الغياب….

وفي اليوم التالي تقريبا، أقيم حفل عمرو دياب في العقبة بحضور جماهيري كبير….

إلى هنا، لا مشكلة…

لكل مجتمع أفراحه، ولكل إنسان موقفه من الحفلات والغناء.

لكن المشكلة تبدأ حين يخرج خطاب إعلامي يحتفي بالحفل هنا باعتباره فرحا وعودة للحياة، ثم يفتح دفتر الموت في غزة عندما يصل الحفل إلى الأردن:

**كيف ترقصون وجيرانكم يدفنون شهداءهم؟**

وهنا فقط يصبح السؤال واجبا:

وهل دمشق في قارة أخرى؟!!

هل كانت غزة في حداد يوم حفل عمرو دياب، ثم خرجت من الحداد في الليلة التي غنت فيها أصالة؟

هل تتغير حرمة الدم الفلسطيني بتغير المسرح؟

هل يسمع أنين غزة من العقبة، ولا يصل صداه إلى دمشق؟

أم أن المسألة، في حقيقتها، لم تكن غزة أصلا بل الفجور المُعتاد بالخصومة؟

غزة ليست أداة قياس انتقائية….

ومن حقك أن تقول إن إقامة الحفلات في زمن المذابح أمر يؤذي الضمير.

موقف مفهوم….

لكن إن كان هذا مبدأ عندك، فعليك أن تتحمل كلفته الأخلاقية كاملة.

لا تستطيع أن تستدعي الطفل الفلسطيني عندما تريد إدانة خصمك، ثم تعيده إلى قبره عندما تريد الاحتفال مع صديقك !!

فالشهيد ليس “موظفا في غرفة الأخبار” نستدعيه عندما يخدم العنوان.

والأم الفلسطينية ليست صورة أرشيفية نخرجها من الملف عندما نحتاج إلى تخجيل شعب عربي، ثم نغلق الملف حين يعكر الحزن صفو المناسبة التي نحبها.

وغزة ليست سوطا سياسيا….

غزة مأساة بشرية حقيقية، ودم حقيقي، وأطفال حقيقيون، ومقابر حقيقية ومأساة حقيقية.

ولهذا فإن أبشع ما يمكن أن نفعله بالقضية الفلسطينية ليس فقط أن نتخلى عنها؛ بل أن نحولها إلى “عملة أخلاقية نصرفها حيث تخدم خصوماتنا”….

مرة نقول باسمها: لا تفرحوا.

ومرة ننسى باسمها أننا قلنا ذلك….

مرة يصبح الرقص قرب جراحها عارا.. ومرة تُصبح الدبكة ( حبل مودّع) بنات مع صبيان من أهم أسباب مقاومة العدوان !

ومرة يصبح الغناء، في المنطقة نفسها وفي الزمن نفسه، “عودةً للحياة” خاصة إذا احتفل أحد أثرياء فلسطين أنفسهم واستوردوا الورود والحلوى بالطائرات الخاصة من بلاد الغرب التي تدعم الصهاينة .. بينما يعيبون على الأردني أن يحتفل بعرس أو يُقيم مهرجانا أو وليمة فرح في مناسباته ويحملون في وجهه لافتة (كيف لا تشعر مع إخوة لك يُذبحون في غزة) !

ليس لأن غزة تغيرت…. بل لأن الدولة تغيّرت….

—

بالنسبة لي: لا ألوم دمشق… بل أسأل من يلوم عمّان…

وأريد أن أكون دقيقة جدا هنا….

أنا لا أكتب هذا لكي أقول للسوريين: لماذا فرحتم؟

ولا أطالب بإطفاء المسارح في دمشق لأن غزة تنزف….

السوريون أنفسهم خرجوا من سنوات قاسية من الحرب والفقد والتهجير، ومن حق مجتمعهم أن يناقش بنفسه علاقته بالحياة والفن والفرح والحزن.

بل إن حفل أصالة نفسه أثار اعتراضات داخل سوريا، وطالب دعاة بإلغائه، بينما أصرت وزارة الثقافة السورية على رعايته وإقامته….

وهذا طبيعي.

المجتمعات ليست شخصا واحدا….

في سوريا من يحب الحفلات ومن يرفضها…

وفي الأردن من يذهب إليها ومن يراها حراما….

ولست أناقش الآن حُكما شرعيا وليس هذا مجال تخصصي..

وفي البلدين من يبكي غزة، ومن يحمل همومه الخاصة، ومن يريد ساعتين ينسى فيهما العالم.

لذلك ليست قضيتي مع السوري الذي ذهب إلى حفل أصالة.

قضيتي مع الذي صفق له، ثم استدار بعد ساعات ليحاضر على الأردني في الضمير والشرف!

أنا لا أطلب منه أن يشتم دمشق…

أطلب منه فقط ألا يجعل الحزن “عقوبةً خاصة بالأردنيين”….

المبدأ شيء عجيب في بساطته:

لا يحتاج إلى معرفة اسم الفاعل حتى يقرر حكمه على الفعل…

إذا كنت ترى الحفلات والمجون والرقص حراما، فهي حرام في دمشق والعقبة والرياض والقاهرة.

وإذا كنت ترى أن استمرار الحياة والفرح لا يعنيان الخيانة، فهذه القاعدة للسوري كما هي للأردني…

وإذا كنت تعتقد أن القرب الجغرافي من غزة يفرض حدادا أخلاقيا دائما، فافتح الخريطة وطبّق نظريتك على الجميع….

أما أن تبدأ بالفاعل، ثم تبحث له عن الحكم المناسب، فأنت لا تملك مبدأ…

أنت تملك إحدى صفات المُنافق ( إذا خاصم فجر )!

وهذه واحدة من أقدم حيل العقل الأيديولوجي:

هو لا يسأل أولا: ماذا حدث؟

بل يسأل: **من فعل؟**

فإذا فعلها الصديق بحث لها عن سياق.

وإذا فعلها الخصم بحث لها عن جريمة.

للصديق ظروف..

وللخصم سوابق..

للصديق حق في الحياة…

وعلى الخصم أن يراعي مشاعر الأمة..

للصديق نصف الكأس الممتلئ..

وللخصم مقابر غزة..

وهكذا يستطيع الفعل الواحد أن يدخل غرفة التحرير فضيلة، ثم يخرج منها رذيلة، فقط لأن اسم البلد تبدل…..

==

أخطر أنواع التضليل لا يحتاج إلى كذبة..

ولعل هذه هي المشكلة الأعمق في بعض الإعلام المؤدلج.

ليس ضروريا أن يكذب عليك…. قد تكون كل معلومة نشرها صحيحة.

الحفل حقيقي.

والرقص حقيقي.

وقلة الأدب حدثت ..

وعلى مقربة منها غزة تنزف فعلا.

لكن التضليل قد يحدث في “اختيار اللحظة التي تتذكر فيها كل حقيقة”..

يمكنني أن أريك ألف حقيقة صحيحة، وأصنع منها كذبة كاملة إذا أخفيت عنك ألف حقيقة أخرى…

يمكن للإعلام أن يختار صورة امرأة ترقص في الأردن، ويضع إلى جانبها صورة جنازة في غزة، ثم يترك عقلك يصنع الحكم الذي أراده…

لكنه عندما يغني من يحبهم في مكان آخر، يستطيع أن يختار صورة الدموع والعودة والفرح واستعادة الحياة…

لا يحتاج الأمر إلى تزوير صورة واحدة….

يكفي أن نغيّر “الإطار”،،،،،،

وهنا تكمن خطورة الإعلام الأيديولوجي: أنه لا يزوّر الواقع دائما؛ بل قد يزوّر “معناه”….

==

هناك أسلوب أصبح مألوفا في خطابنا العربي يمكن تسميته “التخجيل السياسي”

بدل أن أناقشك في قرار محدد، أجعلك تخجل من حياتك كلها…

تشتري شيئا؟ وغزة جائعة!

تحتفل بزفاف؟ وغزة تقصف!

تذهب إلى مطعم؟ وغزة تنزف!

تحضر حفلة؟ وجيرانك يدفنون أبناءهم!

ولا شك أن مأساة بهذا الحجم ينبغي أن تترك أثرا في ضمائرنا وسلوكنا وإنفاقنا.

لكن السؤال الذي يميز المبدأ من الابتزاز هو:

هل تطبق هذا على نفسك ومن تحب كما تطبقه على من تكره؟

فالزهد الذي تفرضه على خصمك وتستثني منه نفسك ليس زهدا.

والورع الذي يبدأ عند حدود دولة وينتهي عند حدود أخرى ليس ورعا.

والحزن الذي تفرضه على شعب ولا تطلبه من شعب آخر ليس تضامنا.

إنه “استخدام دنيء لأحزان الناس ومآسيهم”…

—

لا تجعلوا الفلسطيني أداة في خصوماتكم

وأقول هذا دفاعا عن معنى فلسطين قبل أن يكون دفاعا عن الأردن.

كفانا استخداما للفلسطيني.

مرة نحوله إلى بند في خطاب سياسي.

ومرة إلى صورة في حملة إعلامية.

ومرة إلى شاهد اتهام ضد دولة عربية.

ومرة إلى معيار نقيس به تدين الشعوب وأخلاقها..

الفلسطيني ليس أداةً لتأديب الأردني…

ولا ينبغي أن يكون دم الفلسطيني بطاقة تمنح أحدا سلطة أخلاقية مفتوحة على بقية العرب.

فإذا كنت تحب فلسطين حقا، فلا تستخدم موت أبنائها لتصفية حساباتك.

“دع الشهيد شهيدا”… لا تحوله إلى عنوان صحافي انتقائي.

لا تخرجه من قبره لتهاجم به مجتمعا، ثم تعيده إليه عندما يبدأ حفل تحبه.

فهذا ليس وفاءً للشهيد… هذا استثمار في موته.

==

الأردن ليس حفلة عمرو دياب.

كما أن سوريا ليست حفلة أصالة.

الشعب لا يمثله بضعة آلاف اشتروا تذاكر…. أغلبهم من الجوار القريب جدا .. بل الأقرب الى غزة ..

ولا يجوز أن نستخرج الهوية الأخلاقية لملايين البشر من مقطع فيديو مدته ثلاثون ثانية…

في الأردن من لم يسمع بالحفل أصلا… وفيه من رفضه دينيا…

وفيه من حضره…

وفيه من كان في تلك الساعة يعمل، أو يصلي، أو يعتني بأطفاله، أو يتابع أخبار غزة، أو يجمع تبرعا، أو يعيش حياته ببساطة….

وكذلك سوريا…

اختزال الشعوب في المشهد الذي يخدم سرديتك ليس تحليلا.

إنه “كسل بل إخفاق أخلاقي وفكري”…

في القرآن الكريم قاعدة تصلح وحدها لتدمير هذا النوع من الانتقائية:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.

الآية لا تختبر عدلك مع من تحب..

هذا سهل.

إنها تضعك أمام الامتحان الأصعب:

هل تستطيع أن تكون عادلًا مع من تبغض؟

وهنا يظهر معدن المروءة.

المروءة ليست أن تبحث لرفيقك عن ألف عذر، ثم تبحث لخصمك عن ألف تهمة.

وليست أن تجعل الخطأ صغيرا عندما يأتي من جماعتك وكبيرا عندما يأتي من غيرها…

المروءة أن يكون لديك ميزان واحد حتى عندما يؤلمك استعماله.

ولهذا فإن أكثر ما يكشف الإنسان ليس موقفه من خصمه.

بل “المعيار الذي يعامل به صديقه وخصمه عندما يفعلان الشيء نفسه”….

—

لهذا سأعود إلى السؤال البسيط الذي بدأت منه:

إذا كان الاعتراض على حفل العقبة أن غزة قريبة وأن أهلها يدفنون أبناءهم، فقولوا لنا: وهل دمشق في قارة أخرى؟

لا أريد جوابا جغرافيا… أريد جوابا أخلاقيا.

ما المسافة التي يجب أن يبتعدها المسرح عن قبر الطفل الفلسطيني حتى يصبح الغناء مباحا في ضميركم؟

مائة كيلومتر؟

خمسمائة؟

ألفا؟

أم أن المسافة الحقيقية ليست بين غزة ودمشق والعقبة أصلا؟

“ربما المسافة بينكم وبين من تحبون، وبينكم وبين من تكرهون”

وهنا تنكشف حقيقتكم الفكرية كلها.

فإذا كان الفرح حقا، فلا تسلبوه من شعب لأنكم لا تحبون سياسته.

وإذا كان الحداد واجبًا، فلا تمنحوا حلفاءكم إعفاء منه.

وإذا كانت غزة قضيتكم، فلا تجعلوها موظفة في خصوماتكم.

وإذا كانت الأخلاق مرجعكم، فلا تغيروا نصوصها كلما تغير اسم المدينة.

فالغضب من أجل الله الذي يعمل في دمشق ويتعطل في العقبة ليس غضبا من أجل انتهاك حدود الله..

والضمير الذي يسمع بكاء غزة عندما يريد مهاجمة الأردن، ثم يصاب بالصمم حين يريد الاحتفاء بحفل آخر، ليس ضميرا أخلاقيا..

**إنه موقف سياسي تنكّر في ثياب الأخلاق.**

وأنا لا أطلب من أحد أن يحب الأردن…. ولا أن يمدح حفلاته.

ولا أن يصمت عن أخطائه..

أطلب شيئا أقل من الحب، وأثقل منه في الوقت نفسه:

أن يعدل..

أن يزن الفعل بالفعل، لا بالفاعل..

وأن يترك دماء غزة أطهر من أن يجعلها حبرا انتقائيا لعناوينه.

وأن يتذكر، قبل أن يرفع إصبعه في وجه شعب كامل، أن المبادئ لا تُعرف من شدّة الصوت حين يدين الخصم؛ بل من ثبات المعيار حين يرتكب الصديق الفعل نفسه.

فإما أن تكون غزة حاضرة في دمشق والعقبة ورام الله ونابلس معا، وإما أن تكفوا عن استدعائها كلما احتجتم إلى سوطٍ تجلدون به الأردنيين.**

لأن أسوأ ما يمكن أن نفعله بفلسطين بعد كل هذا الدم، أن نجعل شهداءها يموتون مرتين:

مرة تحت القصف، ومرة حين نحول موتهم إلى أداة في نفاقنا السياسي…

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

في رأسي وطنٌ لا يظهر على الخريطة..

في رأسي مدينة لا تستطيع الأقمار الصناعية أن تلتقط لها صورة….. لا أعرف في أي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *