تعلّم قواعد اللعبة قبل أن تحاول التغيير !

الثورة على شيء لا تفهمه ليست شجاعة….

والإبداع في مجال لم تتعلم أصوله قد يكون مجرد فوضى….

أتقن القاعدة أولا….

ثم اعرف أين يمكن كسرها…..

لا تحاكم السمكة لعدم قدرتها على تسلق الشجرة…

هذه العبارة الشهيرة تُنسب خطأً إلى أينشتاين، لكن معناها يستحق التأمل.

كم طفلا قيل له إنه غبي لأنه لم يتفوق في نوع واحد من الاختبارات؟

كم موظفا ظُن أنه فاشل لأنه وُضِعَ في المكان الخطأ؟!

العدل ليس أن نعطي الجميع المهمة نفسها، بل أن نفهم اختلاف الاستعدادات.

قال ربّ العزّة: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾.

==

الغموض ليس عدو العقل دائما

بعض أجمل الأسئلة هي التي لم نجد لها إجابة بعد….

الغموض هو المسافة بين ما نعرفه وما نريد معرفته….

ومن هذه المسافة وُلد العلم والفلسفة والفن….

لكن المؤمن يضيف إليها معنى آخر: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

كلما اتسعت المعرفة اتسع معها إدراكنا لحجم ما نجهل….

===

الشر لا يحتاج دائما إلى جيش من الأشرار… أحيانا يكفيه عدد كبير من الطيبين الصامتين.

ظلمٌ يستمر لأن الشهود خافوا….

فساد يتمدد لأن الجميع قال: وما شأني أنا؟

شائعة تدمر إنسانا لأن الآلاف أعادوا نشرها دون تثبُّت…

ولهذا لم يجعل القرآن المسؤولية في فعل الشر وحده، بل قال:

﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.

وفي الحديث: «من رأى منكم منكرًا فليغيره…»

الصمت ليس دائما حيادا…

أحيانا يكون البيئة التي يحتاجها الظلم كي يعيش…..

==

أنت لا ترى العالم كما هو فقط؛ تراه أيضًا كما هو أنت على الحقيقة…

شخصان يمران بالتجربة نفسها…

أحدهما يرى نهاية….

والآخر يرى بداية…..

الحدث واحد، لكن المعنى الذي أعطاه كل منهما للحدث مختلف.

لهذا فإن تغيير التفكير لا يغيّر قوانين الكون، لكنه يغير الطريقة التي نتحرك بها داخله.

==

اربط حياتك بمعنى أكبر من الأشياء والأشخاص….

من جعل سعادته كلها في شخص، انهار إذا غادر….

ومن جعلها في المال، ارتعب كلما خسره….

ومن جعلها في الشهرة، أصبح عبدا للهُتاف ولتصفيق الجمهور….

أما الهدف الأسمى فيمنح الحياة عمودا فقريا ويُشعل منارة أو شُعلة من المنظومة القيمية التي لا حياد عنها ولا تجاوُز ..

وفي التصور الإسلامي تصبح الغاية أوسع من كل غاية:

﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

وحين يكون المعنى أكبر منك، تستطيع احتمال أشياء كانت ستكسرك لو كنت أنت مركز القصة كلها…

==

في قلب الفوضى قد تختبئ بداية النظام …

الحياة لا تقدم الفرص دائمًا في صناديق جميلة….

بعض الفرص تأتي متنكرة في هيئة خسارة….

– وظيفة تفقدها فتدفعك إلى مشروعك….

– باب يغلق في وجهك فيمنعك من طريق كان سيؤذيك….

– أزمة تكشف لك أصدقاءك.

– مرض أو محنة يعيدان ترتيب أولوياتك….

– وفشل يسقط عنك وهما كنت ستبني عليه عشر سنوات أخرى….

** وهنا يلتقي المعنى الإنساني بمعنى قرآني بالغ العمق:

﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.

ليس معنى ذلك أن كل ألم جميل، ولا أن كل خسارة مكسب…

بل يعني أننا لا نرى القصة كاملة ونحن داخل فصل واحد منها.

الإنسان الذي لا يتغير… يتقادم…

هي ليست كلمات في تطوير الذات بالمفهوم الذي حوّلته بعض صناعة التنمية البشرية إلى شعارات من نوع: فكر بإيجابية، ابتسم، وستفتح لك الحياة أبوابها.

الحياة أعقد من ذلك….

قد تكون إيجابيًا وتفشل…. وقد تكون صالحًا وتُبتلى.

وقد تعمل بجد ولا تصل في الوقت الذي أردته.

وقد يسبقك من هو أقل منك كفاءة لأن الحياة ليست معادلة حسابية عادلة في كل لحظة….

لكن هناك شيئا تستطيع امتلاكه حتى عندما لا تمتلك النتائج:

-طريقة استجابتك لها…. يمكنك أن تجعل الفشل معلومة.

والألم معرفة…. والخسارة إعادة ترتيب.

والنجاح مسؤولية….. والعلم تواضعا

والقوة والمنصب عدلا .. والمال وسيلة… والشهرة امتحانا.

والعمر رحلة مستمرة في اكتشاف نفسك وقدرة ربّك والعالم.

وأخطر ما قد يحدث للإنسان ليس أن يكتشف أنه كان مخطئا….

بل أن يعيش عمرا كاملا وهو يخشى اكتشاف ذلك…..

فالعقل الذي لا يراجع نفسه يتحول مع الزمن من أداة لمعرفة الحقيقة إلى محامٍ بارع يدافع عن أخطائه.

ولهذا لم يكن التجدد في الإسلام خيانة للماضي، بل عودة مستمرة إلى الحق؛ ولم تكن الحكمة أن تتمسك بكل ما كنت تعتقده، وإنما أن تكون شجاعا بما يكفي لتقول عندما يتبين لك الصواب:

كنت مخطئا….

وتلك الجملة القصيرة قد تحتاج من الشجاعة أكثر مما تحتاجه خطبة كاملة.

فلا تجعل غايتك أن تموت وأنت تحمل الأفكار نفسها التي ولدت بها.

ولا أن تنتصر في كل نقاش….

ولا أن يصفق لك الجميع….

بل اجعل غايتك أن تصبح، كلما تقدمت بك الأيام، أكثر علما وأقل غرورا، أكثر قوة وأقل ظلما، أكثر نجاحا وأقل عبودية للنجاح، أكثر اختلافا وأقل احتقارا للمختلف، وأكثر قربا من الله كلما ازددت معرفة بهذا الكون.

فالكون الذي أبهر العلماء بقوانينه، يضع المؤمن أمام سؤال أعمق من القانون نفسه:

من الذي أودع فيه هذا النظام؟

والعقل الذي يستطيع أن يقرأ شيئا من أسرار المجرات، جدير به ألا يعجز عن قراءة نفسه.

﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾.

وربما هنا تبدأ الحكمة الحقيقية:

– أن تنظر إلى الآفاق فتتعلم العلم …

وأن تنظر إلى نفسك فتتعلم التواضع ..

وأن تنظر إلى الحياة فتتعلم العمل…

وأن تنظر إلى الموت فتتعلم ترتيب الأولويات…

ثم تنظر إلى الله الذي ليس كمثله شيء …

فتعرف لماذا كان لكل ذلك معنى….

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

حين تتحول الدولة إلى طرف… يضيع الوطن

قرأت مقالة للكاتب الأردني عبدالهادي راجي المجالي، ثم قرأت عددا كبيرا من التعليقات عليه، وربما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *