شكّل سقوط نظام الأسد وصعود أحمد الشرع إلى قيادة السلطة في سوريا، نقطة تحول مفصلية في السياسة السورية على الصعيد الداخلي، وأيضًا على صعيد العلاقات الإقليمية التي شهدت تغيرات جذرية، منها علاقة سوريا بحزب الله اللبناني.
كان حزب الله أحد أبرز الحلفاء العسكريين الاستراتيجيين لنظام بشار الأسد تحت مظلة التبعية لإيران باعتبار الحزب ذراعًا أساسيًا لطهران في المنطقة، وكان للحزب دور عسكري بارز في مساندة نظام الأسد، ومواجهة فصائل الثورة، وارتكاب المجازر بحق سكان المناطق غير التابعة لهيمنة النظام.
تغير المشهد بشكل جذري بعد إسقاط نظام الأسد، وصعود حكومة الشرع، والتي أعادت بناء مفهوم السيادة الوطنية وصياغة العلاقات الخارجية على أساس المصالح المباشرة للدولة، بعيدًا عن منطق المحاور العسكرية.
بنى النظام السوري الجديد سياساته على إعطاء الأولوية لإعادة البناء، والنهوض بالاقتصاد، وتحسين الحالة المعيشية للمواطن، وترسيخ المؤسساتية، وبناء لحمة وطنية.
من ثم انتهج في سياساته الخارجية مبدأ تصفير النزاعات والنأي عن الصراعات، والاندماج في المحيط العربي والإقليمي، ومن ثم لم يتعامل مع حزب الله على مبدأ الخصومة والثأر، بل باعتباره أحد المكونات الأساسية للتركيبة اللبنانية، مع الأخذ في الاعتبار التأكيد على عدم تجاوز الحكومة الرسمية الممثلة لدولة لبنان، وعدم النظر إلى الحزب على أنه دولة داخل الدولة كما كانت تنظر إليه إيران.
وفي إطار سعي الحكومة لإنهاء السلاح خارج سلطة الدولة وتخليصها من آثار نفوذ إيران وحزب الله والذي توسع على الأراضي السورية في حقبة النظام البائد، عملت الأجهزة الأمنية على تفكيك خلايا حزب الله في الداخل السوري، وكشفت عن وجود أنفاق على الحدود السورية اللبنانية استخدمها الحزب لأغراض لوجستية وأمنية.
وفي مايو/أيار الماضي، أعلنت الحكومة السورية إحباط مخطط إرهابي واسع وتفكيك خلية لحزب الله قالت إنها كانت تستهدف زعزعة البلاد، كما أعلنت في يوليو/تموز الماضي عن إحباط محاولة تهريب شحنة من الأسلحة النوعية عبر الحدود العراقية السورية كانت في طريقها إلى حزب الله، وفي كل مرة ينفي الحزب صلته بالخلايا وعمليات تهريب السلاح التي يتم ضبطها.
في ضوء هذه الأنشطة المشبوهة لحزب الله داخل سوريا، يمكن لنا أن نفهم تصريح وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني عن إمكانية عقد لقاء مع حزب الله مستقبلا إذا كان هناك مصلحة تصب في صالح البلدين، فهو تصريح يغلب عليه الطابع الدبلوماسي تأكيدًا على سياسة سوريا في النأي عن الصراعات وتجنب التدخل في الشأن اللبناني ضد حزب الله، ومع فرضية عقد لقاء مع الحزب فالمتوقع أن يشمل تفاهمات تتضمن أخذ ضمانات من الحزب بعدم استخدام الأراضي السورية في أنشطته، وطمأنته على عدم وجود نية للسوريين في التدخل في الشأن اللبناني.
أما أن تكون هناك علاقات طبيعية مع الحزب تتخذ شكل التحالفات، فهذا مستبعد لأسباب، منها: التاريخ الدموي للحزب على الأراضي السورية والمطبوع في وجدان السوريين، ومنها: أن حزب الله بوابة للنفوذ الإيراني وهذا يتعارض مع سياسات النظام السوري الجديد الذي خرج من العباءة الأمريكية واندمج في البيت العربي، ومنها: أن التحالف أو إقامة علاقات متينة مع الحزب يضرب التقارب السوري الأمريكي في مقتل.
الولايات المتحدة تدخل على خط التوجهات السياسية لدمشق تجاه حزب الله، فقد حاول ترامب أن يضغط على الرئيس السوري أحمد الشرع ليتولى مواجهة حزب الله، وصرح علانية بأنه سوف يكل مهمة مواجهة الحزب للرئيس الشرع وأنه سيكون أقدر على ذلك من الكيان الإسرائيلي.
لكن الشرع أعلن وكرر أن بلاده بمنأى عن التدخل في الشأن اللبناني، ولا ينوي مواجهة الحزب، بل إنه صرح بتأجيل قضية ترسيم الحدود المشتركة بين سوريا ولبنان للتركيز في الوقت الحالي على أولويات الاستقرار والتنمية والربط الاقتصادي.
في الوقت نفسه، قدم الشرع بديلًا لترامب عن مهمة القيام بدور الوكيل في مواجهة حزب الله، هذا البديل يتسق ويتواءم مع متطلبات حماية الأمن السوري، على مبدأ ضرب عصفورين بحجر واحد، وهو قطع شريان الإمدادات البرية عن حزب الله عبر الأراضي السورية، عن طريق المراقبة الدقيقة للحدود، وبهذا جعل الشرع مهمة حماية الأمن السوري وسيلة لتخفيف الضغوط التي تمارسها الإدارة الأمريكية على الحكومة السورية لدفعها لمواجهة حزب الله.
الحكومة السورية لم تعتمد خطابًا تصعيدًيًا مع حزب الله، لكنها في الوقت نفسه نأت عن إعادة إنتاج العلاقة الخاصة التي كانت قائمة في عهد نظام الأسد مع الحزب، مع تركيزها على حماية حدودها وأمنها الداخلي من أنشطة حزب الله، والتأكيد على احترام سيادة الدولة، وفي الوقت ذاته إقامة علاقات متوازنة مع الحكومة اللبنانية باعتبارها الممثل الرسمي للدولة، وتجنب التعامل مع الفصائل السياسية أو العسكرية في الداخل اللبناني باعتبارها كيانات موازية للدولة.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة