الدين أكبر من الحزب: نحو دولة مؤسسات لا دولة خصوم

يجب أن نكون واضحين جدا يا معشر الغاضبين من مقالة الأستاذ عبدالهادي راجي المجالي وقد كتبت في المقالة السابقة جزءا من وجهة نظري فيما كتب:

“الإسلام أكبر من الحركة الإسلامية”

وأكبر من حزب الأمة…

وأكبر من الإخوان المسلمين….

وأكبر من خصومهم جميعا….

لا يملك حزب – أي حزب على الكوكب- شهادة ملكية للإسلام.

وكما أنه من الظلم أن تجعل كل إسلامي متهما حتى يثبت اعتداله، فمن الخطأ المقابل أن تجعل نقد حزب إسلامي نقدا للدين.

هذه مغالطة تمنح التنظيم حصانة مقدسة لا ينبغي لأي حزب سياسي أن يمتلكها.

الحزب الذي يدخل السياسة يجب أن يقبل قواعد السياسة:

نمدحه.

ننقده.

نسأله عن ماله وبرنامجه وتحالفاته وخطابه….

ننتخبه…. أو لا ننتخبه ..

ونهزمه في الانتخابات إن وجدنا أفضل منه.

ولا يصبح الناقد عدوا للإسلام لأنه انتقد الإسلاميين، كما لا يصبح ناقد حزب قومي عدوا للعرب….

“الدين مقدس؛ ولكن الحزب ليس مقدسا”

وهذه المسافة ضرورية لصحة الدين وصحة السياسة معا.

وفي المقابل، الذين يتحدثون عن الإسلاميين وكأنهم جسم غريب هبط بالمظلة على الأردن يرتكبون الخطأ نفسه من الجهة الأخرى…..

هذه حركة لها تاريخ اجتماعي وسياسي، ولها مؤيدون أردنيون، ولها خصوم أردنيون….

تختلف معها؟

نافسها….

اكشف أخطاءها.

قدم برنامجا أفضل…

اذهب إلى الناس الذين تذهب إليهم….

افتح مقرات في المحافظات…

ابنِ كوادر شبابية….

قدم حلولا للبطالة والتعليم والنقل والاستثمار والضرائب….

ثم اذهب إلى الصندوق.

أما أن يكون خصمك أكثر تنظيما منك، ثم تطلب تغيير الملعب، فهذه ليست هزيمة للخصم؛ إنها اعتراف ضمني منك بتفوقه التنظيمي عليك.

===

وقرأت تعليقا يقول، بمعنى الكلام، إن الإسلاميين أفضل طبقة سياسية وإدارية وشعبية في البلد.

وأقول: حتى هذا الحكم يحتاج إلى الحذر….

النجاح في المعارضة ليس شهادة تلقائية بالنجاح في الحكم.

هناك أحزاب كثيرة في التاريخ كانت مذهلة في التعبئة، ثم اكتُشف عند انتقالها إلى السلطة أن إدارة الغضب أسهل بكثير من إدارة الموازنة والتوازنات.

فالمعارض يستطيع أن يقول ما الذي يرفضه….

أما الحاكم فعليه أن يقول:

من أين سيأتي بالدينار؟

وكيف سيوزع الموارد؟

وكيف سيخلق الوظائف؟

وكيف يدير الماء والطاقة؟

وكيف يوازن بين الأمن والحرية؟

وكيف يتعامل مع صندوق النقد والأسواق والاستثمار والجغرافيا السياسية؟

؛المنبر يختبر البلاغة؛ أما الدولة فتختبر القدرة”

ولهذا لا ينبغي شيطنة الإسلاميين، ولا منحهم شهادة نجاح قبل الامتحان.

دع المؤسسات تختبر الجميع.

===

أما فكرة “الأغلبية الصامتة” في القرى والبوادي والعشائر والمخيمات، فهي تستحق هي الأخرى مراجعة….

لا ينبغي لأحد أن يحتكرها مسبقا….

لا الإسلاميون…ولا خصومهم.

ولا الحكومة….

الناس ليسوا خزانات بشرية محفوظة باسم أحد.

العشيرة ليست بطاقة انتخابية مؤبدة…

والمخيم ليس أيديولوجيا واحدة….

والبادية ليست رأيا سياسيا أو توجُّها واحدا مُعلّبا..

والمحافظة ليست صندوق ولاء مغلقا…

المواطن الأردني أعقد من هذه التصنيفات.

قد يكون عشائريا ومتدينا ومواليا للنظام وينتخب إسلاميا….

وقد يكون محافظا اجتماعيا ويرفض الإسلام السياسي.

وقد ينتخب شخصا لخدماته المحلية، ثم يختلف معه في السياسة الخارجية.

وهنا تكمن خطورة اختزال المجتمع في “خزانات”

؛المواطن ليس خزانا لأحد؛ المواطن هو صاحب الخزان كله”…

===

وإذا أردنا مؤتمرا وطنيا عاما، فأهلا به.

لكن ليس بوصفه غرفة إنعاش بديلة عن المؤسسات، وإنما إضافة إليها.

نجمع فيه الإسلامي واليساري والعشائري والشباب والمرأة والاقتصادي والمثقف والمحافظات والمخيمات والقطاع الخاص….

لكن البرلمان يبقى برلمانا.

والحزب يبقى حزبا…

والحكومة حكومة

والقضاء قضاء….

والملك رأس الدولة وضامن استمراريتها الدستورية.

فالعبقرية ليست في جمع الجميع داخل مؤسسة واحدة، وإنما في:

“بناء مؤسسات مختلفة تستطيع أن تعمل معًا دون أن تبتلع إحداها الأخرى”

==

وهنا أصل إلى ما أراه السؤال الحقيقي الذي ضاع بين المقال والتعليقات:

“لماذا نريد دائما أن نبني مشروعا ضد أحد؟؛

مشروع ضد الإسلاميين….

أو مشروع إسلامي ضد العلمانيين….

أو أحزاب لمواجهة حزب….

أو معارضة لإسقاط حكومة….

أو موالاة لإسكات معارضة….

هذه ليست دولة حديثة…. هذه قبائل سياسية ترتدي ربطات عنق….

المشروع الوطني الحقيقي لا يُبنى “ضد الإسلاميين؛، بل يتسع لهم.

ولا يُبنى “للإسلاميين”، بل يتسع لخصومهم أيضا.

المشروع الذي يحتاج إلى إقصاء نصف المجتمع لكي ينجح ليس مشروع دولة؛ إنه مشروع نصف دولة….

===

الأردن لا يحتاج إلى حزب دولة…. ولا إلى دولة حزب.

يحتاج إلى “دولة مؤسسات وأحزاب دولة”

والفرق هائل….

حزب الدولة يعيش من قربه من السلطة….

أما حزب الدولة بالمعنى الوطني، فيعيش من قدرته على تقديم مشروع يخدم الدولة والمجتمع ولو كان في المعارضة.

نريد إسلاميا يقول: الأردن أولا في مسؤوليتي السياسية، وإسلامي مرجعيتي الأخلاقية.

ونريد ليبراليا لا يرى التدين تهمة….

ونريد قوميّا لا يجعل الحدود الوطنية تفصيلا.

ونريد عشائريا يعرف أن العشيرة سند للدولة وليست بديلا عنها.

ونريد مسؤولا لا يعتبر النقد خيانة….

ونريد معارضا لا يعتبر الدولة غنيمة ينتظر دوره للاستيلاء عليها.

====

وهنا ربما يكون الدرس الأهم:

لا تخافوا من الحزب القوي؛ خافوا من الدولة التي لا تستطيع إنتاج ملعب قوي يتنافس فيه الجميع…

الحزب القوي يمكن أن يهزم في الانتخابات….

أما المؤسسة الضعيفة، فتهزم الجميع معها…..

لا تخافوا من الفكرة؛ واجهوها بفكرة أفضل….

ولا تواجهوا التنظيم بحله؛ واجهوه بتنظيم أفضل….

ولا تواجهوا الخطاب بخفض صوت صاحبه؛ اصنعوا خطابا أكثر إقناعا منه.

هذه هي الدولة الواثقة.

وأما السابع من أكتوبر، فسيكتب المؤرخون طويلا في أثره على المنطقة، على الإسلاميين وغير الإسلاميين، وعلى مفهوم المقاومة، وعلى علاقة الشارع العربي بالدولة والسياسة والغرب وإسرائيل.

لكن تحويله إلى مفتاح يفسر كل تحول داخل كل حركة عربية سيجعل التحليل أكثر إغراء وأقل دقة….

الأحداث الكبرى لا تنتج أثرا واحدا…

الزلزال نفسه قد يهدم بيتا، ويكشف أساس بيت آخر، ويدفع ثالثا إلى إعادة البناء.

ولهذا نحتاج إلى دراسة التحولات لا إلى افتراضها….

===

أخيرًا، أتفق مع الأخ الكريم عبدالهادي في شيء جوهري ربما يكون أهم من تفاصيل مقاله كلها:

هناك أزمة في إنتاج النخب والمشروع السياسي….

لكنني أختلف في العلاج….

فإذا كانت الأحزاب الجديدة ضعيفة، فلنصنع بيئة تجعل القوي منها يبقى والضعيف يموت ميتة طبيعية.

وإذا كان الإسلاميون منظمين، فليكن تنظيمهم حافزا للآخرين، لا ذريعة لإغلاق الملعب كله ..

وإذا كانت النخب قد فشلت، فلتأتِ نخب جديدة عبر المجتمع والمؤسسات والانتخابات والكفاءة، لا عبر قوائم الشطب.

وإذا كان البرلمان لا يرضينا، فلنرفع كلفته السياسية ومعاييره حتى يصبح مقعد النائب مسؤولية ثقيلة لا وجاهة اجتماعية.

فالأردن لا يحتاج إلى “استراحة من السياسة”

بل يحتاج إلى سياسة حقيقية….

ولا يحتاج إلى أن نختار بين الدولة والإسلاميين؛ لأن الإسلاميين، مثل غيرهم، مواطنون داخل الدولة، والدولة أكبر منهم ومن خصومهم ومن حكوماتها وأحزابها المتعاقبة.

وأقول للإسلاميين أيضا ولأنصارهم في مواقع التواصل الاجتماعي:

لا تجعلوا شعبيتكم برهانا على العصمة؛ فالجماهير قد تصيب وقد تخطئ.

ولا تجعلوا الإسلام سورا يحمي الحزب من النقد؛ فالإسلام باقٍ بعد أن تزول كل الأحزاب….والدنيا وما فيها ..

وأقول لخصومهم:

لا تجعلوا خوفكم منهم مشروعكم السياسي؛ فمن لا يملك إلا التحذير من خصمه، يعترف من حيث لا يدري أن خصمه هو صاحب الفكرة وهو مجرد رد فعل عليها.

وأقول للجميع:

من يحب الأردن حقا، لا يسأل كيف يجعل فريقه أكبر من الآخر؛ بل كيف يجعل الأردن أكبر من الفريقين…

فالدولة التي تستحق البقاء ليست التي تنتصر فيها الموالاة على المعارضة، ولا الإسلاميون على العلمانيين، ولا العشيرة على الحزب.

الدولة التي تستحق البقاء هي التي “ينتصر فيها القانون على الجميع، والمؤسسة على الأشخاص، والكفاءة على الولاء الشخصي، والمواطنة على التصنيف، والأردن على نزواتنا الصغيرة جميعا”…

ذلك هو المشروع الذي نفتقده.

مشروع لا يحتاج إلى شيطان حتى يعيش، ولا إلى خصم حتى يتماسك، ولا إلى برلمان معطل حتى ينجح….

فالدولة الواثقة لا تبحث عن ساحة بلا خصوم؛ بل تبني ساحة لا يستطيع أي خصم أن يهدمها..

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

صلاح في الدوري التركي… صفقة تتجاوز حدود الرياضة

لم تعد رياضة كرة القدم مجرد تنافس بين فريقين في المستطيل الأخضر يستمتع به الجمهور، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *