وقّعت السعودية وتركيا وباكستان في مكة المكرمة اتفاقا يقوم على مبدأ بالغ الدلالة: أن الاعتداء المسلح على دولة منها يُعدّ اعتداءً عليها جميعا….
وأكد البيان المشترك أن الغاية هي تعزيز الردع الجماعي والأمن والاستقرار، لا تأسيس محور طائفي، ولا استهداف دولة بعينها….
نحن إذن أمام محاولة لبناء مظلة أمنية إقليمية، لا أمام إعلان حرب.
ومكة هنا ليست مكانا محايدا.
فحين يُولد الاتفاق في مكة، فإن المدينة لا تمنحه السلاح، لكنها تمنحه المعنى. تقول له إن القوة التي نبحث عنها ليست قوة الغزو والاستعلاء، وإنما قوة تحرس الإنسان والدولة والمقدسات وحق الشعوب في الحياة دون ابتزاز.
وكأن الجغرافيا المقدسة أرادت أن تذكّر السياسة بأن الأمة التي تتجه وجوه المسلمين إلى قبلتها خمس مرات في اليوم ليست أمة زائدة على هامش التاريخ.
هذا الاتفاق، في جوهره، إعلان هادئ بأن دولا كبرى في العالم الإسلامي لم تعد تريد أن تبقى مجرد ساحات تتنافس فوقها مشاريع الآخرين؛ بل تريد أن تنتقل من انتظار الضمانات إلى المشاركة في إنتاجها، ومن استيراد الأمن إلى صناعة بعضه، ومن دفع فواتير الحروب إلى امتلاك القدرة على منعها.
ستقولون: تحالف ضد مَن؟
وسأقول: السؤال الأصح ليس “ضد مَن؟”، بل “ضد ماذا؟”!
إنه تحالف ضد الفراغ الاستراتيجي؛ لأن الفراغ في السياسة الدولية لا يبقى فارغا. إن لم تملأه الدولة بمؤسساتها وجيشها وتحالفاتها، ملأته الميليشيات، أو القوى الأجنبية، أو تجار الحروب، أو أصحاب الخرائط الذين يرسمون حدودنا في غرف لا نجلس فيها.
وهو تحالف ضد التبعية الأمنية؛ ضد أن تظل عواصمنا تنتظر من يقرر عنها متى يكون الاعتداء اعتداء، ومتى تستحق مدنها الدفاع، وأي صاروخ يُدان وأي صاروخ يُبرَّر.
وهو تحالف ضد استباحة سيادة الدول، وضد تهديد المدنيين ومصادر الطاقة والممرات البحرية، وضد تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة لتصفية حسابات الآخرين.
وهو تحالف ضد تفكيك الدولة الوطنية لمصلحة الفوضى، والسلاح المنفلت، والولاءات العابرة للحدود.
وهو، قبل ذلك كله، تحالف ضد الوهم القديم الذي أقنع المسلمين بأن اجتماع قوتهم خطر، بينما اجتماع الآخرين حكمة؛ وأن دفاع الغرب الجماعي عن نفسه “هندسة أمنية”، أما دفاع المسلمين المشترك عن أوطانهم فـ”محور مقلق”.
منذ عقود يقوم حلف شمال الأطلسي على قاعدة أن الاعتداء على عضو واحد اعتداء على الجميع، ويصف هذا المبدأ بأنه حجر أساس دفاعه الجماعي…
فلماذا يصبح المبدأ ذاته مثيرا للريبة حين تتبناه الرياض وأنقرة وإسلام آباد؟
لسنا مطالبين بالاعتذار لأننا نريد لأوطاننا أن تكون محمية….
ولا ينبغي أن نرتبك أمام سؤال: “على من تتآمرون؟”….
فامتلاك باب قوي لا يعني أنك تخطط لمهاجمة جيرانك؛ بل يعني أنك لم تعد راغبا في أن يدخل كل عابر أو دخيل إلى بيتك دون استئذان.
هذا الاتفاق ليس ضد الشعب الإيراني، ولا ضد مذهب، ولا ضد شعب من شعوب المنطقة، ولا يلزم أن يكون خصومة مع الغرب أو الشرق..
إنه، كما ينبغي أن يكون، ضد العدوان أيا كان مصدره؛ ضد تحويل ضعفنا إلى فرصة، وتفرّقنا إلى غنيمة، وثرواتنا إلى جائزة حرب.
الردع الناضج لا يقول: “نريد الحرب”، بل يقول للمعتدي: ؛لن تكون الحرب رخيصة”.
والفرق بين التهديد والردع أن التهديد يبحث عن خصم، أما الردع فيبحث عن سلام تحرسه القوة كما القدرة….
السعودية: ليست طرفا في المثلث، بل مركز ثقله …
من الظلم الفكري اختزال المملكة العربية السعودية في أنها “المموّل” داخل هذا التكتُّل….
فالمال عنصر من عناصر القوة السعودية، لكنه ليس سرّها كله، وربما ليس أهم أسرارها….
السعودية هي الدولة التي اجتمع فيها من عناصر القوة ما ندر أن يجتمع لدولة إسلامية معاصرة:
– الشرعية الروحية التي يمنحها شرف خدمة الحرمين
– والوزن العربي والإسلامي
– والموقع بين الخليج والبحر الأحمر
– والتأثير في أسواق الطاقة
– والحضور في مجموعة العشرين
– والقدرة الاستثمارية والعلاقات الدولية الواسعة …
ثم مشروع تحوُّل وطني ينقلها من اقتصاد يعتمد على الثروة الطبيعية إلى دولة تسعى لامتلاك المعرفة والصناعة والتقنية والقرار.
إنها ليست مجرد مساحة تصل بين أطراف التحالف؛ إنها الدولة القادرة على تحويل التوافق إلى مؤسسة، والإمكانات المتفرقة إلى مشروع، والعلاقات الثنائية إلى هندسة جماعية….
تركيا تملك خبرة عسكرية وصناعة دفاعية متقدمة، وباكستان تملك خبرة قتالية وثقلا بشريًا وردعا استراتيجيا، لكن السعودية تملك ما هو أندر من السلاح:
**القدرة على جمع القوى المتباعدة حول طاولة واحدة، ومنح المشروع ثقله العربي والإسلامي والاقتصادي والدبلوماسي**
وفي السياسة، ليس القائد دائما هو من يحمل السلاح الأكبر؛ فقد يكون القائد هو من يجعل الأسلحة المتفرقة قوة واحدة، والمصالح المتوازية إرادة مشتركة.
لهذا لم يُسمَّ الاتفاق باسم مدينة محايدة، بل حمل اسم مكة….
ولم تكن الرياض ملحقة بمشروع صاغه الآخرون؛ بل كانت الحاضنة التي التقت عندها أنقرة وإسلام آباد….
السعودية هنا لا تشتري حماية؛ إنها تبني شبكة حماية تشارك في قيادتها، وتنقل علاقتها بالقوى الكبرى من موقع المتلقي للضمان إلى موقع الشريك الذي يضيف إلى ميزان الأمن ولا ينتظر أن يُضاف إليه.
إن المال السعودي لا يقف إلى جانب السلاح التركي والخبرة الباكستانية فحسب؛ بل يستطيع، إذا أحسن التخطيط، أن يحوّلهما إلى صناعة مشتركة، ومراكز أبحاث، وسلاسل إمداد، وتدريب موحد، وقرار أكثر استقلالا.
هناك دول تملك المال ولا تملك الموقع، ودول تملك الموقع ولا تملك الشرعية، ودول تملك السلاح ولا تملك القدرة على جمع الآخرين….
أما قوة السعودية فتكمن في اجتماع هذه العناصر فيها، وفي قدرتها على جعل مكة قلب المعنى والرياض مركز القرار….
السعودية التي نريدها قوية …
إن محبة السعودية ليست مجاملة مُكررة لشعب كريم، ولا تملُّقا لدولة كبيرة؛ لأن قوة السعودية مصلحة عربية وإسلامية ودولية.
حين تكون السعودية قوية تكون المقدسات في يد دولة قادرة على حمايتها وخدمتها….
وحين تكون مستقرة يبقى قلب الجزيرة العربية مستقرا…
وحين تكون مؤثرة تملك القضايا العربية صوتا أثقل في العواصم الدولية…
وحين تنجح في بناء اقتصادها وصناعتها، فإن نجاحها لا يتوقف عند حدودها؛
بل يفتح أسواقا وفرصا واستثمارات وطُرقا تمتد في العالمين العربي والإسلامي.
السعودية ليست محطة وقود في النظام الدولي كما أراد بعض الخطاب الاستعماري أن يصورها؛ إنها دولة قارة، وموطن الحرمين، ومركز عربي، وفاعل عالمي، وصاحبة مشروع وطني طموح، وتمتلك القدرة على أن تصبح أحد أهم مراكز التوازن بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.
والقوة السعودية التي نفتخر بها لا تحتاج إلى إنقاص تركيا أو باكستان؛ بل تظهر عظمتها في قدرتها على مصافحة القوي دون خوف، والتعاون معه دون ذوبان، وقيادة التوافق دون استعلاء….
العظيم لا يجمع حوله الضعفاء ليبدو كبيرا؛ العظيم يجلس إلى جوار الكبار ويصنع معهم تاريخا أكبر.
أما تركيا، فهي ليست ضيفا عسكريا على هذا التفاهم، بل ضلع يصعب أن يقوم من دونه.
تركيا التي تملك ثاني أكبر جيش في حلف الناتو لا تدخل الاتفاق بعدد جنودها فحسب، وإنما بخبرة طويلة في التصنيع الدفاعي، والطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، والصناعات البحرية، وإدارة العمليات، والعمل داخل التحالفات المعقدة.
وقد أصبح السلاح التركي خلال سنوات قليلة جزءا من المعادلة الدولية، بعدما كانت تركيا نفسها تعتمد إلى حد بعيد على مشترياتها الخارجية.
وهذه التجربة مهمة؛ لأنها تقول إن الاستقلال لا يبدأ بالاستغناء الكامل عن العالم، بل يبدأ بألّا يكون قرارك رهينة قطعة غيار لا تملكها، أو ذخيرة لا تُسلَّم إليك إلا بشروط سياسية…. !
القوة التركية التي نفرح بها ليست قوة عرق في مواجهة عرق، ولا عودة إلى أوهام إمبراطورية؛ إنها قوة دولة مسلمة كبيرة….
وكل دولة مسلمة تملك مصنعا أو مختبرا أو سفينة أو قمرا صناعيا أو منظومة دفاع تضيف – إذا صلحت سياساتها – لبِنة إلى أمن العالم الإسلامي.
ومن يحب تركيا حقا لا يعزلها عن العرب، ومن يحب العرب حقا لا يخاف من تركيا قوية ومُتعاونة….
لقد دفعنا ثمنا باهظا حين جعل بعضنا العلاقة العربية التركية أسيرة ذاكرة انتقائية، أو منافسة حزبية، أو حملات إعلامية….
المستقبل لا يُبنى بإنكار التاريخ، لكنه لا يُبنى أيضا بالسكن الأبدي في أكثر صفحاته مرارة…..
أنقرة لا تخسر حين تقترب من الرياض؛ بل تتسع قوتها….
والرياض لا تتنازل حين تتعاون مع أنقرة؛ بل تضاعف خياراتها.
أما الذين لا يرون العلاقة إلا بوصفها مباراة ينتصر فيها طرف إذا خسر الآخر، فهم يفكرون بعقلية الملعب في عالم تُدار فيه القوة بعقلية الشبكات….
أما باكستان فليست الدولة الثالثة التي أُضيفت لاستكمال الصورة؛ إنها دولة دفعت أثمانا قاسية في الحروب والإرهاب والاضطرابات، وبنت جيشا كبيرا، واكتسبت خبرة عسكرية وأمنية ممتدة، وهي الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك سلاحا نوويّا.
لكن الأمانة تقتضي ألّا نُحوّل هذه الحقيقة إلى أسطورة غير منصوص عليها؛ فالاتفاق لم يعلن مظلة نووية….
وعظمة باكستان لا تحتاج إلى مبالغاتنا.
يكفيها أنها احتفظت بقوتها ووحدتها رغم ما تعرضت له، وأن علاقتها بالسعودية لم تولد بالأمس، بل قامت على عقود من التدريب والتعاون والثقة، وأن علاقتها بتركيا تجمع بين الوجدان الشعبي والتعاون العسكري.
وإذا كانت السعودية قلب هذا التكوين، وتركيا ذراعه الصناعية، فإن باكستان عمقه البشري والعسكري والاستراتيجي….
والتحالفات الناجحة لا تقوم على تشابه الحلفاء، بل على تكاملهم:
أن يملك كل طرف ما يحتاج إليه الآخر، وأن يعرف الجميع أن قوة الشريك لا تنتقص من قوتهم، بل تحميها….
عزة الإسلام ليست هتافا بلا مصنع .. وقوّة الأمّة ليست بالتبخيس والشيطنة واستحضار الخصومات ..
نعم، ينبغي لنا أن نفرح لكل تقارب صادق بين دولنا؛ لا لأننا نعيش على العاطفة، بل لأن التنازع كان أغلى سلعة صدّرناها مجانا إلى خصومنا.
قال الله تعالى في مُحكم التنزيل:
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
والريح في الآية الكريمة ليست مجرد هيبة معنوية؛ إنها القوة والقدرة والتأثير…
كأن القرآن العظيم يرسم معادلة سياسية خالدة:
يبدأ الفشل من التنازع، ثم لا تبقى الهزيمة داخل القلوب، بل تخرج منها فتأخذ القدرة والهيبة والقرار.
وقال تعالى:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ… تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾.
والمقصود هنا الردع؛ أي أن يرى المعتدي من القدرة ما يصرفه عن العدوان. ولذلك اكتملت العقيدة القرآنية بقوله تعالى:
﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾.
الإسلام لا يريد أمة تستمتع بالحرب، ولا أمة تستسلم خوفا منها؛ يريد أمة تمتلك من القوة ما يمنع الحرب، ومن العدل ما يمنعها من إساءة استخدام القوة.
وعزة الإسلام ليست أن نكتب ألف قصيدة في أمجاد الماضي، بينما طائراتنا تُصنع في الخارج، وبياناتنا تُخزّن في الخارج، وطرق تجارتنا يحميها الخارج، وقرارنا ينتظر موافقة الخارج.
العزة الحديثة مصنع وجامعة ومختبر وقمر صناعي وميناء آمن ومنظومة دفاع جوي وغرفة عمليات مشتركة، إلى جانب الإيمان والقيم والثوابت….
فمن يفصل القوة المادية عن الروح يصنع آلة بلا ضمير، ومن يفصل الروح عن القوة يصنع ضميرا لا يستطيع حماية صاحبه.
التقارب السعودي التركي الباكستاني يمنحنا فرصة للانتقال من “وجدانية الأخوة” إلى “مؤسسات الأخوة”…..
لقد بالغنا طويلا في الاحتفال بتشابه الشعارات، بينما القوة الحقيقية تبدأ حين تتشابه معايير الذخيرة، وتتصل شبكات الإنذار، وتتكامل مصانع الدفاع، وتتبادل أجهزة الاستخبارات المعلومات في الوقت المناسب.
==
سيخرج من يسخر من الاتفاق؛ بعضهم لأنه لا يصدق أن دولنا تستطيع التعاون، وبعضهم لأنه يخشى أن تستطيع، وبعضهم لأن ولاءه لمشروع سياسي أو حزبي أو طائفي أو أيديولوجي أقوى من ولائه لاستقرار المنطقة.
وسيحاول آخرون زرع الشقاق بالسؤال: من يقود؟ من يدفع؟ من يستفيد أكثر؟ وماذا لو اختلفوا؟ وسيبحثون في كل صفحة من التاريخ عن جرح قديم ليمنعوا التئام جرح حاضر….
هؤلاء يجب الحذر من خطابهم، خصوصا حين تكون سخريتهم انتقائية: يصفقون لكل تحالف في العالم، ثم يطالبون الدول الإسلامية بأن تواجه الأخطار منفردة؛ يحترمون مظلات الدفاع الغربية، ثم يسمّون أي تعاون إسلامي “مغامرة”؛ يريدون السعودية محتاجة، وتركيا معزولة، وباكستان محاصرة، ثم يحدثوننا عن العقلانية….
لكن ليس كل ناقد عدوّا.
من يسأل عن آليات التنفيذ، وسلاسل القيادة، وتعريف العدوان، وحدود الالتزام، والتمويل، والرقابة، وتسوية الخلافات، يطرح أسئلة يحتاج إليها الاتفاق كي يتحول من بيان عظيم إلى مؤسسة فاعلة.
أما العدو الفكري فهو من يرفض أصل التقارب، ويحرّض الشعوب بعضها على بعض، ويستدعي العصبيات القومية والطائفية لهدم كل جسر قبل اكتماله.
علينا ألّا نخلط بين عين تراقب البناء كي يستقيم، ويد تهدمه كيلا يقوم….
وأقوى رد على الساخرين ليس شتمهم، وإنما نجاح الاتفاق؛ فالاتفاقات لا يحميها الحماس الإلكتروني، بل تحميها المصالح المتبادلة، والمصانع المشتركة، والعقيدة الدفاعية الواضحة، والالتزام عند الخطر.
الاتفاق الحقيقي يبدأ بعد التوقيع …
لا يكفي أن نقول: الاعتداء على واحد اعتداء على الجميع….
لا بد من تعريف “الاعتداء”، وتحديد آلية التشاور والاستجابة، وإنشاء مجلس دفاع دائم، وغرفة إنذار مبكر، وقيادة تنسيق لا تمس سيادة الدول، ومناورات دورية، ومنظومة مشتركة لمواجهة الصواريخ والمسيّرات والهجمات السيبرانية.
ولا بد من نقل الاتفاق من شراء الأسلحة إلى صناعتها؛ ومن صفقات متفرقة إلى سلاسل إنتاج مشتركة؛ ومن تدريبات موسمية إلى عقيدة عمليات؛ ومن تبادل المجاملات إلى تبادل المعرفة.
فالسلاح الذي تشتريه يحميك ما دام البائع موافقا، أما السلاح الذي تشارك في صنعه فيحمي قرارك أيضا.
والتحدي ليس في جمع ثلاث ميزانيات دفاعية، بل في تحويل جزء منها إلى سيادة صناعية ومعرفية.
إن قوة التحالف لا تُقاس بعدد البيانات التي تصدر عنه، بل بعدد القرارات التي يستطيع اتخاذها دون إذن من خارجه، وعدد الأخطار التي يمنعها قبل أن تتحول إلى حروب.
هو ليس حلفا للحرب… بل إعلان بلوغ سياسي …
قد يختلف الحلفاء غدا في ملف أو موقف؛ فالتحالف ليس زواجا عاطفيا، ولا إلغاء للمصالح الوطنية….
لكن النضج السياسي لا يعني غياب الخلاف، بل امتلاك مؤسسات تمنع الخلاف من هدم الضروري المشترك.
لقد حان الوقت كي تفهم شعوبنا أن اختلاف الرياض وأنقرة وإسلام آباد في مسألة لا يجعل التقارب بينها خيانة، وأن الاتفاق ليس امتحان ولاء يطلب من دولة أن تتخلى عن نفسها، بل صيغة تحمي حق كل دولة في أن تبقى نفسها داخل قوة أكبر.
هذه ليست وحدة اندماجية، ولا عودة إلى إمبراطورية، ولا إلغاءً للحدود الوطنية. إنها شراكة بين دول مستقلة اكتشفت أن السيادة لا تُحمى دائما بالانفراد، وأن بعض الاستقلال لا يتحقق إلا بالتكامل.
الدولة المنفردة قد تملك جيشا، لكنها لا تملك وحدها كل السماء والبحار والأسواق وسلاسل الإمداد….
لهذا لم يعد التحالف في العالم الحديث نقصا في السيادة، بل قد يكون أداة لحمايتها.
يا إخوة الدين والجغرافيا والتاريخ …
ارفعوا رؤوسكم… وافتحوا أعينكم …
نعم، اهتفوا لهذا التقارب….
نعم اهتفوا لأن السعودية وتركيا وباكستان اختارت أن تجعل الأخوة سياسة، والسياسة مؤسسة، والمؤسسة قدرة على الردع.
اهتفوا للسعودية؛ قلب العالم الإسلامي، وحامية الحرمين، والدولة التي لم تعد تقبل أن تكون ثروتها بديلا عن إرادتها، بل تجعل من ثروتها وقودا لبناء الإرادة.
واهتفوا لتركيا؛ لصناعتها وجيشها وشعبها الذي يعرف معنى أن تقاتل الدولة من أجل استقلال قرارها….
واهتفوا لباكستان؛ لعمقها وخبرتها وشعبها الذي ظل يرى في الحرمين قضية تتجاوز المسافات والحدود….
لكن لا تجعلوا هتافكم بديلا عن الوعي….
طالبوا بأن يتحول الاتفاق إلى مصانع وجامعات ومراكز أبحاث ومنظومات دفاع وتكامل اقتصادي؛ فالأمة لا تستعيد مكانتها بالصوت الأعلى، وإنما بالعقل الأعمق والقدرة الأثبت.
وحين يسألوننا مرة أخرى: “هذا التحالف ضد من؟”، نقول:
ليس ضد شعب، ولا مذهب، ولا جار يريد السلام.
إنه ضد الصاروخ حين يستبيح مدننا، وضد المسيّرة حين تعبر حدودنا، وضد الميليشيا حين تختطف الدولة، وضد الحصار حين يخنق تجارتنا، وضد الفوضى حين تُقدَّم إلينا على أنها قدر، وضد من يظن أن دماءنا أقل قيمة، وأن سيادتنا قابلة للتفاوض، وأن تفرّقنا حق مكتسب له.
إنه ضد زمن كانت فيه الحروب تُصنع لنا، ثم يُطلب منا أن ندفع ثمنها…
مكة وأنقرة وإسلام آباد ليست ثلاث نقاط متباعدة على الخريطة؛ إنها ثلاث طاقات إذا التقت صنعت قوسا من الردع يمتد من قلب الجزيرة العربية إلى الأناضول وجنوب آسيا.
لسنا نريد أن نخيف العالم من إسلام قوي؛ بل نريد أن نطمئن العالم إلى أن الإسلام القوي العادل أكثر قدرة على حماية السلام من عالم إسلامي ممزق تتنازع أرضه الميليشيات والقوى الأجنبية.
فالقوة إذا سكنت يد العادل كانت سياجا، وإذا غابت عنه أصبحت أرضه طريقا لكل غازٍ….
وفي مكة، لم تجتمع ثلاث دول لتعلن أن لها أعداء جددا؛ بل لتعلن أن ضعفها القديم لم يعد صديقا لأحد.
وربما كانت هذه هي العبارة التي تختصر الاتفاق كله:
السعودية تمنحه المركز والمعنى والقدرة على الجمع…
وتركيا تمنحه ذراع الصناعة والخبرة..
وباكستان تمنحه العمق والردع…
فإذا صدقت الإرادة، فلن يكون اتفاق مكة تحالفا بين ثلاث دول فحسب، بل بداية انتقال العالم الإسلامي من جغرافيا تُدار إلى قوة تشارك في إدارة التاريخ….
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة