نزع سلاح المقاومة…لماذا يخشى الاحتلال نموذج أيرلندا؟

بعد انفصال أيرلندا عن المملكة المتحدة في الربع الأول من القرن العشرين، وانقسامها إلى جمهورية أيرلندا، وأيرلندا الشمالية التي بقيت تابعة للمملكة، انقسم مواطنو الشمال إلى الوحدويين البروتستانت المؤيدين للعرش البريطاني، والقوميين أو الجمهوريين الكاثوليك الذين يطالبون بالانفصال عن المملكة.

مع بداية الستينيات اندلع الصراع المسلح بين الجانبين على مدى أكثر من ثلاثة عقود، ووصلت الهجمات المسلحة إلى العمق البريطاني، فأرسلت المملكة قواتها والتي واجهت الجيش الجمهوري الأيرلندي الذي كان ينفذ تفجيرات في بريطانيا وأيرلندا.

نجحت بريطانيا في إقناع الجماعات الأيرلندية المعارضة بالتخلي عن سلاحها خلال فترة سبعة أعوام تواكبت مع تسويات سياسية مشجعة، فكللت باتفاقية الجمعة العظيمة أو اتفاق بلفاست عام 1998، فتخلى الجيش الجمهوري الأيرلندي عن السلاح ووضعه خارج الخدمة ضمن عملية سرية خاضعة للرقابة الدولية، وتحول هذا الجيش إلى قوة سياسية تشارك في الحياة السياسية بأيرلندا، وصار هذا النموذج أطروحة سياسية لحل النزاعات الداخلية وتقاسم السلطة.

تكمن جاذبية هذا النموذج في أنه قام على مفهوم التحول السياسي لا الاستسلام العسكري، فبريطانيا لم تجبر الجيش الجمهوري على تسليم سلاحه أمام العدسات باعتبارها غنائم حرب، فخلق الاتفاق مسارًا سياسيًا جديدًا سلب العمل المسلح مشروعيته في البيئة الاجتماعية التي كانت تمنحه الحاضنة الشعبية، إذ كان من العبث أن تستمر المواجهة مع تحقق أهداف ومكاسب بهذا الحجم تفتح مسارًا سياسيًا آخر لحسم مسألة الاستقلال الكامل.

جاءت عملية نزع السلاح بشكل تدريجي بعيدًا عن الاستعراض، وتحت إشراف لجنة دولية مستقلة، وتم توفير ضمانات متبادلة لجميع الأطراف، بهدف التكريس لبناء الثقة.

هذا النموذج الأيرلندي عاد بقوة إلى الواجهة بعد إعلان انتهاء الحرب على غزة والدخول في سياق المفاوضات التي يديرها الوسطاء بين المقاومة الفلسطينية وجيش الاحتلال.

ففي هذا الإطار طرح رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أمام البرلمان في نهايات أكتوبر 2025، قيام بريطانيا بأداء دور قيادي في نزع سلاح المقاومة الفلسطينية في غزة استنادًا إلى تجربتها مع الجماعات المسلحة في أيرلندا الشمالية، على أن يكون تسليم السلاح لجهة فلسطينية وليس وضعه تحت الوصاية الدولية، ولا في ظل وجود الجيش الإسرائيلي.

المقاومة في غزة بدورها تعاملت مع المفاوضات بمرونة وأعربت عن قبولها بألا يكون لها دور في إدارة القطاع بعدالحرب، لإزالة الضغط من على كاهل المواطن والبدء في الإعمار.

لكنها في الوقت نفسه، تتمسك بتسليم السلاح لجهة فلسطينية بشكل تدريجي مرحلي يكفل تنفيذ الاحتلال لتعهداته بالتمكين في إعادة الإعمار وسحب قواته، نظرًا لغياب الثقة تجاه الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة الأمريكية.

مؤخرًا، تم الإعلان من قبل مجلس السلام والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عن التوصل إلى اتفاق وصف بأنه تاريخي للبدء في تنفيذ المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، يتضمن انسحابًا إسرائيليًا وتسليم حركة سلاح حركة حماس، على الرغم من الغموض الذي يكتنف التفاصيل.

استحضار النموذج الأيرلندي هنا بوصفه التجربة الأكثر شهرة في إدارة هذا النوع من التحولات، يطرح سؤالًا أكثر أهمية عن مدى قبول الاحتلال الإسرائيلي به، هل يستطيع التعايش مع منطق هذا النموذج الأيرلندي، أم أن بيئته الأمنية والسياسية تجعله ينظر إليه باعتباره مخاطر غير مقبولة.

وعلى الرغم من موافقة حماس على المسودة وفقا لشرط التخلي التدريجي عن السلاح ولجهة فلسطينية ورهنه بتنفيذ جيش الاحتلال التزاماته وتعهداته، إلا أن ردود الأفعال داخل اليمين الإسرائيلي لا تبعث على التفاؤل، في ظل تمسك الائتلاف اليميني بمبدأ عدم التفاوض، والاعتماد على القوة وفرض الأمر الواقع في حل كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

النموذج الأيرلندي غير مقبول لدى حكومة الاحتلال المتطرفة، بسبب اختلاف فلسفة الصراع نفسها، ففي أيرلندا لجأت بريطانيا رغم كل تجاوزاتها إلى التعامل مع النزاع باعتباره قضية سياسية داخلية يمكن تسويتها دستوريًا، أما في غزة، فإن الاحتلال لا ينظر إلى المقاومة باعتبارها طرفًا سياسيًا يمكن دمجه في نظام جديد فحسب، وإنما باعتبارها تهديدًا أمنيًا دائما ترى ضرورة تجريده بالكامل من أية قدرات عسكرية قبل الحديث عن مستقبل القطاع، وذلك على الرغم من أن حركة حماس أعلنت تنازلها عن المشاركة في إدارة القطاع.

وبينما كان النموذج الأيرلندي يقوم على تقدم سياسي يولد الثقة وإجراءات أمنية متدرجة نحو نزع السلاح، يذهب الخطاب الإسرائيلي السائد إلى نزع السلاح أولًا بالكامل وتقديم خارطة لجميع الأنفاق في غزة، ثم التفاوض بعدها بعد تجريد المقاومة من ورقتها الأخيرة التي تريد أن تضمن بها التزام الاحتلال بتعهداته.

أحد أسباب رفض الاحتلال هذا النموذج، هو فكرة الرقابة الدولية في أحد الملفات الحساسة، حيث اعتادت دولة الاحتلال رفض أية آليات دولية تمنح أطرافًا خارجية سلطة حقيقية على قراراتها الأمنية، لأنها ترى أن ذلك يقيد حرية جيشها في التدخل، ضمن عقيدة أمنية عسكرية قائمة على الاحتفاظ بحق التدخل والضرب الاستباقي.

تخشى دولة الاحتلال حال التخلي عن شرطها المتعسف، عودة المقاومة إلى الأنشطة العسكرية بعد إعادة ترتيب أوضاعها، على الرغم من أن السيطرة سوف تكون للجنة الوطنية الفلسطينية التي سوف لن تتولى إدارة أي منطقة إلا بعد التأكد من خلوها من السلاح.

ربما كذلك يطارد الاحتلالَ شبحُ تجربة الانسحاب الأحادي من قطاع غزة 2005، باعتباره مثالًا على أن الفراغ الأمني قد يتحول إلى مساحة لإعادة بناء القدرات العسكرية للخصم، حيث أن القدرات العسكرية لدى المقاومة من بعد الانسحاب قد تطورت بشكل قوي ومتسارع، ومن ثم يخشى الكيان الإسرائيلي حال التزامه بمسودة التفاوض والانسحاب قبل التدمير الكلي لقدرات المقاومة، من عودة الفصائل الفلسطينية إلى الكفاح المسلح مرة أخرى.

يضاف إلى ذلك، أن القضاء على المقاومة بشكل كامل كان أبرز أهداف الحرب الإسرائيلية المعلنة، وهذا ما يتعارض مع مشهد نزعٍ لسلاح الحركة تغيب عنه الأيادي الإسرائيلية، والذي ستبدو خلاله المقاومة لم تخسر سوى أسلحة يمكن لعناصرها ذات الخبرات القوية في تصنيع السلاح أن تتجه لإعادة تصنيعه لاحقا، ما يعد خسارة سياسية فادحة لحكومة نتنياهو.

برأيي، سوف يعمد الاحتلال إلى وضع العصا في عجلة التسوية السلمية على الرغم من رعاية الولايات المتحدة لها، وذلك بسبب سيطرة اليمين المتشدد على مقاليد الأمور، ونزعته في القضاء الكامل على كل أشكال المقاومة، والتشبث بالأراضي التي نشر بها قواته لحشر الفلسطينيين في أصغر بقعة ممكنة من القطاع توطئة للتهجير، وتهيئة الأرض للغزو الاستيطاني.

نتنياهو لا يعترف بأنصاف الحلول ولا بالمكاسب الجزئية، وفي أقل التقديرات سوف يماطل في التعامل مع المسودة المقترحة لحين تجاوز الانتخابات التشريعية في 27 أكتوبر/تشرين الأول من هذا العام، بسبب حاجته إلى دعم الأحزاب اليمينية التي ترفض قطع أي خطوة في التسوية – من بينها الانسحاب إلى ما وراء الخط الأصفر- قبل تجريد المقاومة من السلاح بالكامل، لا بشكل تدريجي مرهون بخطوات تقطعها دولة الاحتلال في التسوية السلمية.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

تصحيحٌ واجب: ماذا ثبت في رحلة النبي ﷺ إلى الطائف؟

كتبتُ قبل أيام عن رحلة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، واستحضرتُ الصورة المشهورة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *