لغتنا الجميلة.. هوية ينبغي الحفاظ عليها

في رواية “رحلة إلى مركز الأرض” للروائي الفرنسي جول فيرن، وصل أبطالها إلى مركز الأرض، وتركوا أثرًا قبل المغادرة يوثق هذه الرحلة العجيبة، كان هذا الأثر نقشًا باللغة العربية، فُسئل المؤلف الذي عاش في القرن التاسع عشر عن سبب اختياره للغة العربية دون سائر اللغات، فأجاب: لأنها لغة المستقبل.

ربما يكشف هذا المقطع جانبًا من أزمتنا مع اللغة العربية، وهو أننا لا نعرف قدرها، وتم اختطافنا ببريق الحضارة الغربية فأصبحنا نهتم بلغاتها على حساب لغتنا التي صرنا ننظر إليها باعتبارها ركامًا ثقافيًا.

لقد صنفت المصنفات في خصائص وسمات اللغة العربية التي تمتاز بها عن غيرها من اللغات، فمن ذلك اتساع معجمها اللفظي، فتجد ألفاظا عدة تعبر عن المعنى الواحد، وبذلك تتيح لمن يتكلم بها شجاعة وثباتا، فإذا تعسر في كلمة أتى بما يرادفها، فلا يهاب فقدانها بالنسيان أو بالعجز عن نطق بعض الحروف.

فهي أغنى لغات العالم وفق تعبير المستشرق الألماني جورج فريتاغ، ففي حين لا تحتوي الفرنسية إلا على خمسة وعشرين ألف كلمة، تجد أن عدد الألفاظ المستعملة من اللغة العربية أكثر من خمسة ملايين وتسعة وتسعين ألف لفظ، من جملة ما يقارب ستة ملايين وسبعمائة ألف لفظ.

ومن خصائصها كما جاء في كتاب “القياس في اللغة العربية” لـ محمد الخضر حسين “أنها أقرب لغات الدنيا إلى قواعد المنطق، بحيث أن عباراتها سلسلة طبيعية، يهون على الناطق صافي الفكر أن يعبر فيها عما يريده من دون تصنع وتكلف باتباع ما يدله عليه القانون الطبيعي”.

وهي أكثر اللغات عذوبة وجمالا وحسن تركيب، فما من كلام يعدل كلام العرب في عذوبته وحسن بيانه واختصاره وطريقة التأليف بين حروف الكلمة الواحدة، لذلك لدينا تراث ضخم من التراث العربي الرائع من شعر ونثر يفوق كل وصف.

الحديث عن سمات وخصائص اللغة العربية أكثر بكثير من أن يحيط به هذا المقام، لكن لابد من الإشارة إلى أن اللغة العربية منذ أن ارتبطت بالقرآن بعد نزول الإسلام، لم تعد لغة أمة العرب وحدهم، بل صارت لغة فكر وعقيدة وثقافة للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

هذا الارتباط قد أكسبها صفة الخلود، لأنها ترتبط بأصل خالد وهو القرآن الكريم، الذي نزل باللسان العربي، حيث حافظ القرآن عليها من الاندثار.

اللغة العربية هي المعبرة عن هويتنا وحضارتنا، ولذا تعرضت لمؤامرات متواصلة ارتبطت بالاستعمار والاستشراق والتبشير والصهيونية، وعلى سبيل المثال، كانت هناك دعوات إبان الاحتلال البريطاني لمصر إلى معارضة العربية الفصحى لغة القرآن، وتشجيع المصريين على اللهجة العامية واعتبارها حجر الزاوية في البناء الثقافي والتعليمي في مصر، وتم الربط المتعسف بين التخلف وبين اللغة العربية بلا برهان، مع أنها نفس اللغة التي كانت لسان الحضارة الإسلامية التي أذهلت العالم.

كانت هناك دعوات أخرى لاستبدال الحرف العربي باللاتيني، فهي إن وجدت رفضًا في بعض الدول إلا أنها نجحت في أخرى، تركيا على سبيل المثال، كما كانت هناك محاولات لتعميم لغة وسطى تجمع بين الفصحى والعامية، إضافة إلى العمل على التحلل من أصول وقواعد اللغة العربية.

نحن نزداد ابتعادًا عن لغتنا خاصة الجيل الحالي، ومن ثم فإن هويتنا محفوفة بالمخاطر، فمن الواجب دعم التحدث باللغة العربية، ويمكن أن يكون ذلك من خلال عقد لقاءات دورية للمتخصصين يتم فيها التحدث والنقاش بالعربية الفصحى، وتصحيح الأخطاء اللغوية عن طريق القائمين على اللقاء، على غرار ما يقوم به معلمو اللغات الأجنبية في مؤسساتنا التعليمية من الشرح والمناقشة باللغة المراد تدريسها، فمع مرور يكتسب الطلاب سلامة النطق بها.

كما يمكن عقد دورات تدريبية خاصة بالآباء والأمهات في اللغة العربية، بهدف دعمهم في التحدث مع أبنائهم وذويهم في المنازل باللغة الفصحى، لجعلها أمرًا أساسيًا في حياتهم.

في الوقت نفسه، يمكن للمراكز المعنية بالهوية واللغة العربية، أن تنشئ رابطة لمعلمي اللغة العربية، تتمكن خلال التواصل معهم من دمجهم في هذا المسار، والتزام المعلم بالتحدث مع طلابه بالفصحى خلال الحصص المقررة مع التصحيح للأخطاء.

الأدوات والوسائل التي ندعم بها اللغة العربية كثيرة، فقط تحتاج إلى قناعة وإرادة وهمم عالية تقوم بترجمة ما يسطره القلم إلى واقع عملي يسهم في إنقاذ اللغة.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

نزع سلاح المقاومة…لماذا يخشى الاحتلال نموذج أيرلندا؟

بعد انفصال أيرلندا عن المملكة المتحدة في الربع الأول من القرن العشرين، وانقسامها إلى جمهورية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *