* الذكاء ليس أن تملك إجابة واحدة لكل شيء؛ بل أن ترى كيف تتشابك أشياء متعددة من غير أن تختزلها في شعار واحد او تبني عليها حُكما تُطلقه في وجه الناس دائما…
أما الإسلام العظيم … فنعم .. لا يريد امرأة مُسترجلة ولا رجلا مُستبدا ..
الخطاب القرآني لا يبني العلاقة بين الجنسين على التماثل الكامل ولا على الحرب، بل على وحدة الأصل وتبادل الولاية:
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.
لم يقل الله سبحانه: الرجال أولياء المجتمع والنساء مُلحقات به، بل جعل المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض في إقامة الخير ومقاومة الشر…
وحين أثبت القوامة للرجل، ربطها بالتكليف والإنفاق:
﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾….
فالقوامة ليست امتيازا مجانيا ولا تفوقا في الإنسانية،
وإنما مسؤولية تزداد معها المحاسبة….
القوامة تكليف للرجل وتشريف للمرأة وقد كتبتُ عن هذا الملف سابقا ..
والمرأة في الإسلام ذمة مالية مستقلة؛ مالها لها، وميراثها لها، ومهرها لها، وعملها المشروع لها….
قال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾.
ولم يجعل النبي ﷺ معيار الرجولة كثرة المال ولا القدرة على إخضاع المرأة، بل قال: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».حسب سنن الترمذي…
فالرجولة في الميزان النبوي لا تُختبر أمام الرجال في المجالس، بل في البيت، حين تسقط الأقنعة ولا يبقى جمهور للتصفيق…..
والأنوثة في الإسلام ليست زينة بلا عقل؛ فقد ناقشت خولة بنت ثعلبة قضيتها حتى أنزل الله في شأنها قرآنا يُتلى، وكانت عائشة رضي الله عنها من كبار علماء الأمة، وكانت خديجة رضي الله عنها تاجرة وناصِرة وموطن سكينة للنبي ﷺ…
لم تحتج الواحدة منهن إلى التنكُّر لأنوثتها كي تكون صاحبة عقل وموقف.
كما لم يحتج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى قسوة دائمة كي يكون رجلا، ولا أبو بكر إلى إخفاء رقته،رضي الله عنهما..
ولم يحتج النبي ﷺ إلى الامتناع عن خدمة أهله كي يحافظ على هيبته….
لقد جمع النموذج الإسلامي بين الحزم والرحمة، وبين العقل والعاطفة، لأنه لم يحصر هذه الصفات حصرا مطلقا في جنس واحد.
الأمومة من أعظم وظائف الوجود الإنساني.. ومن السطحية وصفها بأنها مجرد عمل غير مدفوع؛ فهي علاقة حب وعبادة وامتداد، لا يمكن اختزالها اقتصاديا.
لكن تعظيم الأمومة لا يعني أن تُترك الأم وحدها….
حين يقال للمرأة: الأمومة أعظم رسالة، ثم لا تحصل على نوم أو مساعدة أو تقدير أو أمان مالي، فالمشكلة ليست في تعظيم الأمومة، بل في تحويل كلمات التعظيم إلى بديل عن تحمل المسؤولية.
قد يمدح المجتمع الأم كي يوفر تكلفة خدمتها…..
يقول لها: الجنة تحت قدميك، ثم يتركها تحمل البيت وحدها.
يقول: أنت مدرسة، ثم لا يمنحها وقتا تتعلم فيه أو تتطوّر أو تستريح.
يقول: الأم تضحي، ثم يحول التضحية من فضيلة اختيارية إلى التزام بلا حدود.
فإذا انهارت قيل لها: أين صبر الأمهات؟
التضحية فضيلة حين تكون صادرة عن حب وقدرة، لكنها تصبح ظلما حين يستخدمها الآخرون لإسقاط واجباتهم.
وليس مطلوبا أن يدفع الزوج لزوجته أجرا عن كل طبق تغسله؛ لكن مطلوب منه أن ينفق عليها بالمعروف، ويحفظ مالها، ويقدر جهدها، ويشاركها حين تحتاج، ولا يتصرف كأن البيت فندق وهي طاقم الخدمة.
والرجل ليس محفظة نقود تمشي … ولا يجوز أن نحرر المرأة بتحويل الرجل إلى أداة تمويل.
الرجل ليس راتبه… فإذا تعطّل أو مرض أو خسر تجارته، لا تسقط رجولته..
والنفقة واجب شرعي بحسب الاستطاعة، لكنها لا تبيح تحقيره إذا ضاقت يده، ولا مقارنته المستمرة بمن هو أغنى منه.
كم من رجل خرج قبل الفجر، وعاد بعد نوم أطفاله، وظن أنه أدى واجبه كاملا لأنه دفع الفواتير، ثم اكتشف متأخرا أن أبناءه كانوا يحتاجون إلى أب لا إلى ممول فقط.
وكم من زوجة لم ترَ أن زوجها ينهار؛ لأنه لم يملك اللغة التي يقول بها: أنا خائف ومتعب…
لقد تعلم أن الحزن ضعف، فترجم خوفه غضبا، ووحدته صمتا، واحتياجه انشغالا ورُبما هروبا…
قد يكون الرجل مستفيدا من عمل زوجته في المنزل، لكنه قد يكون أيضا مستعبدا لتوقع أن عليه وحده إنقاذ الجميع…
والبيت العادل لا يتجاهل تعب المرأة ولا يسخر من هشاشة الرجل؛ بل يوزع الأعباء بالمعروف والقدرة والاتفاق.
ماذا يعني أن تكوني أنثى حقيقية؟
الأنثى الحقيقية ليست قالبا واحدا. ليست بالضرورة امرأة بالكعب العالي والغرة المُسرّحة، ولا امرأة تكره الزينة كي تثبت استقلالها… ليست ناقصة إذا أحبت المنزل والأمومة، ولا مسترجلة إذا أحبت الرياضيات والهندسة والسياسة.
أنوثتك لا تُقاس بمقدار إعجاب الرجال بك، ولا بمقدار قدرتك على هزيمتهم في لعبتهم…. ولا تحتاجين إلى احتقار النساء كي يصدق الرجال أنك ذكية ومُختلفة…
أن تكوني أنثى حقيقية يعني أن تتصالحي مع تكوينك من غير أن تسمحي لأحد باختزالك فيه؛ أن تكون عاطفتك مصدر معرفة لا سيدا أعمى، وأن يكون عقلك قوة لا وسيلة للتنكر من جنسك…
أن تختاري ثوبك وعملك وأمومتك ومواقفك داخل حدود الله، لا داخل خوفك من حكم الجمهور. المرأة الحرة لا تقول: أنا أفضل لأنني لست كالبنات. بل تقول: لا توجد صورة واحدة تختصر النساء جميعا.
وماذا يعني أن تكون رجلا بحق؟
أن تكون رجلا يعني أن تكون مسؤولا من غير استبداد، قويا من غير قسوة، رحيما من غير ضعف، قادرا على حماية من تحب من غير امتلاكهم.
الرجولة أن تذهب إلى عملك، وأن تعرف متى تعود إلى بيتك…
أن تنفق، ولكن أيضا أن تحضر… أن تتحمل، ولكن أن تطلب المساعدة قبل أن يتحول ألمك إلى أذى للآخرين.
الرجل الذي يعتذر لا يفقد رجولته؛ بل يثبت أن ضميره أقوى من غروره… والذي يحمل طفله ويخدم زوجته لا يصبح أقل هيبة؛ بل يقتدي بنبي كان في في خدمة أهله.
تحويل كل معاناة نسائية إلى اتهام للرجال ظلم، وتحويل كل نقد لأعراف الرجال إلى مؤامرة نسوية هروب من الحقيقة.
ليست المرأة عدو الرجل، ولا الرجل عدو المرأة….
وقد لا يكون عدوهما دائما «الرأسمالية» بوصفها شيطانا مطلقا؛ فالسوق أتاح لناس كثيرين الخروج من الفقر، ووسع الابتكار والاختيار….
لكن السوق حين يصبح المرجع الأعلى للقيمة، ويُترك بلا أخلاق ولا عدالة ولا ضوابط، يحول الإنسان إلى مورد، والأسرة إلى وحدة استهلاك، والوقت إلى مال، والجسد إلى إعلان…
والإسلام لا يلغي السوق، لكنه يمنعه من أن يصبح إلها…
يُقِرّ الإسلام الملكية والتجارة والربح، ثم يفرض الزكاة،
ويُحرم الربا والاحتكار والغش، ويقرر حق الفقير، ويجعل المال وسيلة للقيام بالحياة لا معيارا لقيمة الإنسان…
قال تعالى في فلسفة توزيع المال: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾.
فالمشكلة ليست أن يوجد غني، بل أن يدور المال والفرص والنفوذ في حلقة مغلقة، بينما يُطلب من الباقين أن يعملوا ويستهلكوا ويصمتوا…
* أيّها الباحثون والباحثات عن الحرية ..
الحرية أن تتوقف عن التمثيل…!
أخطر سجن نعيش فيه ليس أن يمنعنا أحد من أن نكون أنفسنا، بل أن ننسى أنفسنا لكثرة ما أدينا الأدوار…
المرأة تمثل الأنوثة التي يريدها الرجل، أو تمثل الذكورة التي يكافئها السوق.
والرجل يمثل القوة التي تريدها القرية، أو النجاح الذي تريده الشركة…
ثم يعود الاثنان مساء مُنهكين، لا من العمل وحده، بل من حمل الشخصيات التي كان عليهما تمثيلها طوال اليوم….
هنا في القرية قد تخشى المرأة أن يقال إنها متمردة، ويخشى الرجل أن يقال إنه ضعيف….
وهُناك في المدينة تخشى المرأة أن يقال إنها غير ناجحة، ويخشى الرجل أن يقال إنه غير قادر…
وفي الغرب يخاف الاثنان أن يفشلا في صناعة «أفضل نسخة» قابلة للعرض والتسويق بل والاستعراض …
تختلف اللغة، لكن المحكمة واحدة:
الناس والسوق والصورة….
ولا تبدأ الحرية بأن تكره المرأة أنوثتها، ولا بأن يبالغ الرجل في رجولته، ولا بأن يعلن الجنسان حربا طويلة على بعضهما…
تبدأ حين يسأل كل واحد منهما:
– من أنا أمام الله، قبل أن أكون دورا أمام الناس؟
– ما الذي أفعله لأنه حق، وما الذي أفعله خوفًا من السخرية والانتقاد؟
– هل اخترت حياتي، أم اخترت الدور الذي يمنحني أكبر قدر من التصفيق؟
– هل أعمل لأعيش، أم أعيش كي أثبت أنني أستحق الحياة؟
ـهل أحب أسرتي، أم أؤدي أمامها صورة الزوج أو الزوجة المثاليين؟
– وهل ما أسمّيه «طبيعتي» طبيعة فعلا، أم عادة ورثتها ولم أجرؤ على فحصها؟
**ليس المطلوب أن تتحول المرأة إلى رجل كي تتحرر، ولا أن يتحول الرجل إلى حجر كي يحافظ على رجولته….
نحن لا نحتاج نساء يعتذرن عن رقّتهن، ولا رجالا يخجلون من دموعهم..
لا نحتاج أمًا تُستنزف حتى الموت ثم نمدح تضحيتها، ولا أبًا يغيب عمره كله ثم نضع المال على قبره ونقول: لقد أدى واجبه…
نحتاج امرأة تعرف أن عقلها لا ينتقص من أنوثتها، ورجلا يعرف أن رحمته لا تنتقص من رجولته…
نحتاج أسرة لا تُدار بمنطق السيد والخادم، ولا بمنطق الخصمين المتفاوضين، بل بمنطق قوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾….
لقد بلغت ثروة إنسان واحد تريليون دولار، ولو لأيام قليلة، كما ذكرنا في الجزء الأول من سلسلة مقالات لايوم.. بينما لا تزال أم في قرية بعيدة تحمل الماء والحطب والطعام والطفل ولا يقال عنها إنها تعمل !!
ولا يزال أبضا هناك رجل في مدينة كبيرة يبتلع اكتئابه لأنه يخشى أن تسقط رجولته إذا قال: أنا لا أستطيع أو تعبت .. !
وليس المطلوب أن نحقد على الناجح، بل أن نعيد السؤال عن معنى النجاح نفسه…
فأي حضارة هذه التي تعرف كيف ترسل صاروخا إلى الفضاء، ولا تعرف كيف تمنح الأم وقتا للنوم؟
وأي تقدم هذا الذي يضاعف ثروة القمة، بينما يطلب من الرجل في القاعدة أن يستهلك جسده كي يثبت قيمته كل يوم، ومن المرأة أن تستهلك روحها كي تثبت حبها لأهلها وأبنائها وزوجها؟
إن أعظم تحرير للمرأة ليس أن تصبح نسخة من الرجل الذي أنهكه النظام، وأعظم تحرير للرجل ليس أن يظل سيدا في بيت تحوّل أهله إلى خائفين منه…
التحرير الحقيقي أن يسترد كلاهما إنسانيته: أن تكون المرأة أنثى من غير أن تكون سلعةً أو خادمة…
وأن يكون الرجل رجلا من غير أن يكون مستبدا أو آلة إنتاج…
وأن يصبح البيت مكانا للسكن، لا فرعا من فروع السوق أو السجن…
وأن يعود المال خادما للحياة، لا إلها يُقرر مَن يستحق الاحترام…
فالمرأة ليست ما يريده الرجل منها، والرجل ليس ما يريده السوق منه…
وكلاهما، قبل كل الأدوار والتعريفات، عباد لله، وبشر كرّمهم ربّهم، لن يسألهم الله يوم القيامة: هل أديت الدور الذي صفق له الناس؟
بل سيسأله: هل كنت عادلًا؟ هل حفظت الأمانة؟
وهل عشت بالحق الذي عرفته، أم بالشخصية التي كوفئت على تمثيلها؟
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة