المرأة ليست ما يريده الرجل منها، والرجل ليس ما يريده السوق منه…

المرأة ليست ما يريده الرجل منها، والرجل ليس ما يريده السوق منه….

وكلاهما، قبل كل الأدوار والتعريفات، عبدٌ لله، وإنسانٌ مكرّم، لن يسأله الله يوم القيامة: هل أديت الدور الذي صفق له الناس؟

بل سيسأله:

هل كنت عادلًا؟ هل حفظت الأمانة؟ وهل عشت بالحق الذي عرفته، أم بالشخصية التي كوفئت على تمثيلها؟

إن الظلم قد يقع على المرأة في صورة خدمة بلا اعتراف، ويقع أيضا على الرجل في صورة مسؤولية بلا رحمة.

**في المدينة العربية: تحررت المرأة من وظيفة… لتجمع وظيفتين

دخلت المرأة العربية المتعلمة إلى الجامعة والعمل، وهذا مكسب مهم حين يكون باختيارها وفي بيئة تحفظ حقوقها….

لكن المدينة لم تُسقط عنها بالضرورة كل أعباء الدور القديم؛ بل أضافت إليها أعباء جديدة.

تخرج صباحا إلى وظيفة كاملة، وتعود إلى منزل ينتظر منها أن تكون وحدها الطاهية والمُنظفة والمربية والممرضة ومديرة العلاقات الاجتماعية ولازم يكون عندها ذكاء عاطفي لاحتمال كل صنوف البشر والتعامل معهم بحكمة…

ثم يقال لها: أنت مستقلة لأن لديك راتبا، ثم قد يُطلب منها أن تنفق على البيت كما ينفق الرجل، من دون إعادة عادلة لتوزيع العمل المنزلي.

فتصبح مطالبة بأن تنجح كالرجل في السوق، وكأنها بلا أطفال، وأن ترعى أطفالها، وكأنها بلا عمل !!

وفي الطرف الآخر يوجد الرجل المديني الذي ارتفعت تكاليف السكن والزواج والتعليم فوق قدرته، لكنه ما زال مُطالبا ثقافيا بأن يؤمّن وحده منزلا وسيارة وحفلا ومهرا ومستوى معيشة تعرضه الصور يوميا…

فإذا تأخر زواجه قيل إنه غير مسؤول، وإذا قل دخله قورِن بغيره، وإذا فقد عمله اهتز تعريفه لنفسه…

وهكذا يدخل الاثنان البيت منهكين:

هي تشعر أنه يستفيد من عملها غير المرئي…

وهو يشعر أنه يُقاس بما يدفعه لا بما يكونه….

هي تتهمه باللامبالاة….

وهو يفسر حاجتها إلى الحوار بأنها ضغط جديد و ( نكد) بعد يوم عمل طويل….

لكن الخصم الحقيقي قد لا يكون أحدهما….

قد تكون المشكلة في نظام حياة جعل الوقت سلعة، وأطال ساعات العمل، ورفع كلفة السكن، وسحب الأسرة الممتدة من شبكة الرعاية، ثم ترك زوجين مرهقين يتبادلان الاتهام.

**في الغرب: لم تُلغَ الأدوار، بل تغيرت لغتها …

الغرب الحديث أعلن تحرير الفرد من الأدوار القديمة، لكنه لم يحرره من ضرورة الأداء الاجتماعي؛ فقط غيّر الدور المطلوب.

المرأة المثالية في الخطاب الاستهلاكي الغربي مطالبة بأن تكون مستقلة ماليا، ناجحة مهنيا، رشيقة، جميلة بلا جهد ظاهر، أمًا حاضرة، زوجة مثيرة، مثقفة، هادئة، واثقة، وأن تفعل كل ذلك من غير أن تبدو منهكة.

تحررت من صورة «ربة المنزل الكاملة» لتدخل أحيانا في صورة «المرأة الخارقة» التي تعمل كأنها بلا أسرة، وتربي كأنها بلا وظيفة، وتعتني بجسدها كأنها تملك وقتا لا ينتهي للرياضة وترسيخ عادات أهل اللياقة..

أما الرجل الغربي فقد تخففت عنه بعض قواعد الرجولة القديمة، لكنه دخل سباقا آخر: عليه أن ينجح في سوق شديد التنافس، وأن يبني «علامته الشخصية»، ويبدو واثقا، منتجا، لائقا بدنيا، متحررا عاطفيا ولكن غير ضعيف، حساسا ولكن غير محتاج، طموحا ولكن متوازنا.

قال إريك فروم إن الإنسان الحديث يتوهم أنه يعرف ما يريد، بينما يريد غالبا ما يُتوقع منه أن يريده…

وهذا لبّ المسألة: قد لا يجبرك أحد على الدور، لكن المجتمع يزرع فيك الرغبة فيه، ثم يسمي اندفاعك نحوه حرية….

بعض الخطاب النسوي لم يحرر المرأة من مقياس القيمة الذكوري، بل طلب منها التفوق داخله.

قيل للمرأة سابقا: قيمتك في خدمتك للبيت.

ثم قيل لها حديثا: قيمتك في إنتاجك للسوق.

في الحالتين، هناك جهة خارجية تقرر قيمتها….

فإن مكثت في البيت لتربي أبناءها قيل: ضيعت مستقبلك.

وإن خرجت إلى العمل وتركت طفلها طويلا قيل: أمّ أنانية.

وإن اختارت العمل الجزئي قيل: غير طموحة….

وإن وصلت إلى الإدارة قيل: لا بد أنها ضحّت بأنوثتها أو أسرتها.

لم تُمنح حق الاختيار بقدر ما نُقلت من معيار قاسٍ إلى معيار قاسٍ آخر.

والسؤال التحرري الحقيقي ليس: كيف نجعل كل امرأة موظفة؟

ولا: كيف نعيد كل امرأة إلى البيت؟

بل:

كيف نصنع مجتمعا يحترم اختيار المرأة المشروع، ويعترف بقيمة الرعاية، ولا يجعل الأمومة عقوبة اقتصادية، ولا يجعل الوظيفة شهادة الإنسان الوحيدة على قيمته؟

الأمومة ليست «عِشرة» ولا وظيفة متدنية، كما يصفها بعض الخطاب الناقم؛ هي بناء للإنسان والمجتمع…

لكنها ليست مبررا لترك المرأة بلا حماية مالية أو احترام أو وقت أو مشاركة. وتقديس الأمومة بالكلمات، مع استهلاك الأم وإهمال حقوقها، ليس تكريما بل نفاقا اجتماعيا.

ومن الظلم أن يُقال للأم: أنت تصنعين الأجيال، ثم إذا احتاجت إلى مال قيل لها: أنت لا تعملين.

وفق منظمة العمل الدولية، يُنجز البشر يوميا أكثر من 16 مليار ساعة من العمل المنزلي والرعائي غير المدفوع، وتؤدي النساء عالميًا نحو 76.2% من ساعاته؛ أي أكثر من ثلاثة أضعاف ما يؤديه الرجال.

كما أن مسؤوليات الرعاية غير المدفوعة تُبقي قرابة 708 ملايين امرأة خارج قوة العمل. حسب منظمة العمل الدولية، تقديرات الأمم المتحدة ومنظمة العمل..

هذا لا يعني ضرورة تحويل كل قُبلة للأم وطبخة للزوجة إلى فاتورة؛ فالأسرة ليست شركة مقاولات، والحب يفقد روحه إذا تحول كله إلى حساب بالدقائق.

والرجل أيضا يقدم داخل الأسرة أشكالا من العمل والتضحية لا تُقاس دائما: حماية، ونفقة، وأعمالا شاقة، ومخاطر، وقلقا صامتا على المستقبل.

لكن هذه الأرقام تكشف عيبا في نظرتنا إلى القيمة: السوق لا يعترف غالبا إلا بما يمر عبر المال.

إذا رعت أم طفلها طوال اليوم قيل إنها لا تعمل…

وإذا دفعت لامرأة أخرى كي ترعاه أصبح ذلك عملا يدخل في الناتج الاقتصادي.

الفعل واحد تقريبا، لكن النقود هي التي منحته اعترافا رسميا.

وهنا تظهر محدودية السوق: إنه ممتاز في تسعير ما يمكن بيعه، لكنه عاجز عن تقدير أشياء لا تقوم الحياة من دونها، مثل الرحمة والتربية والوفاء والحضور.

وقد لخّص أوسكار وايلد مأزق العقل السوقي بقوله:

«يعرف ثمن كل شيء، ولا يعرف قيمة أي شيء».

فالسعر هو ما تدفعه مقابل السلعة، أما القيمة فهي ما يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش…..

والخلط بينهما أنتج عالما يستطيع أن يخبرنا بقيمة شركة إلى آخر سنت، لكنه يعجز عن تقدير ليلة أم عند سرير طفل مريض.

هل الرأسمالية اخترعت الأدوار الجندرية؟

لا. وهذا تصحيح ضروري.

تقسيم الأدوار بين الرجال والنساء أقدم من الرأسمالية الحديثة بآلاف السنين، وله جذور بيولوجية وتاريخية واجتماعية ودينية متشابكة: الحمل والرضاعة، طبيعة العمل الجسدي القديم، الحروب، الملكية، القبيلة، وأنماط الأسرة.

لكن النظام الاقتصادي الحديث لم يخترع هذه الفروق؛ بل تعلّم كيف يستثمر بعضها، ويضخم بعضها، ويبيعنا صورًا جديدة منها.

استثمر استعداد النساء للرعاية، فبنى جزءا من الاقتصاد فوق عملهن غير المدفوع.

واستثمر استعداد الرجال للمنافسة وتحمل المخاطر، فحوّل بعضهم إلى قوة عمل ترى الإنهاك بطولة.

ثم باع المرأة مستحضرات ومنتجات كي تصبح «أنثى حقيقية»، وباع الرجل سيارات وساعات وعضلات واستثمارات كي يصبح «رجلا حقيقيا».

النظام لا يهمه إن كنت تقليديا أو متمردا، ما دام يستطيع تحويل هويتك إلى سوق.

يمكنه أن يبيع المرأة الحجاب والعباءة بوصفهما هوية، ويبيع أخرى التمرد على الحجاب بوصفه هوية كذلك.

يبيع الأولى دورات «كيف تكونين زوجة مطيعة»، ويبيع الثانية دورات «كيف تستغنين عن الرجال»…

يبيع الرجل صورة رب الأسرة، ثم يبيع الرجل الآخر صورة العازب المتحرر…

السوق لا يملك عقيدة ثابتة؛ عقيدته أن يتحول قلقك على هويتك إلى طلب مستمر على السلع.

كلما كنت أقل ثقة بأنوثتك أو رجولتك، كنت مستهلكا أفضل.

**التريليون في الأعلى… والقلق في الأسفل…

بحسب تقرير اللامساواة العالمي 2026، يملك أغنى 10% من سكان العالم نحو ثلاثة أرباع الثروة العالمية، بينما لا يملك النصف الأفقر سوى 2%.

والأشد دلالة أن نحو 60 ألف شخص فقط — أي أغنى 0.001% — يملكون ثلاثة أضعاف ما يملكه نصف البشرية مجتمعة. حسب تقرير اللامساواة العالمي 2026….

لا تثبت هذه الأرقام وحدها أن كل ثراء ظلم، لكنها تفرض سؤالا أخلاقيا وسياسيا: متى تصبح الثروة نتيجة عادلة للابتكار، ومتى تتحول إلى قوة قادرة على إعادة كتابة قواعد اللعبة نفسها؟

فالثروة الضخمة لا تشتري اليخوت والقصور فقط، بل تستطيع شراء المنصات الإعلامية، والتأثير السياسي، وتمويل الحملات، وتوجيه الأبحاث، وصناعة الرأي العام. وحين تتراكم الثروة إلى هذا الحد، لا يعود الحديث عن المال وحده، بل عن السلطة.

وهنا تصبح العلاقة بين أول تريليونير وبين تعريف الرجل والمرأة أكثر وضوحا:

النظام الذي يجمع الثروة في قمته يحتاج في قاعدته إلى أفراد يربطون قيمتهم بالإنتاج والاستهلاك.

يحتاج رجلا يعتقد أن التوقف فشل.

وامرأة تعتقد أن جسدها مشروع تحسين لا ينتهي.

وأما تؤدي الرعاية بصمت.

وأبا يستهلك عمره في العمل ويظن أن غيابه هو البرهان على حبه.

وطفلًا يتعلم مبكرا أن النجاح هو أن يسبق الآخرين لا أن يعرف نفسه.

هذه ليست مؤامرة يجلس فيها بضعة أثرياء لتصميم كل تفصيل؛ بل بنية تتكاثر من تلقاء نفسها لأن كل مؤسسة تكافئ ما يزيد الإنتاج والربح، حتى لو كان الثمن هشاشة الأسرة أو الصحة النفسية.

لماذا قسّموا المعرفة إلى مواد منفصلة؟

ليست المشكلة في تدريس التاريخ والاقتصاد والاجتماع والعلوم بوصفها تخصصات؛ فالتخصص ضروري للتعمُّق….

المشكلة أن التعليم قد يقدمها كجُزر منفصلة، فلا يتعلم الطالب كيف يصل بينها.

يدرس الثورة الصناعية في التاريخ، ولا يربطها بتغير شكل الأسرة.

ويدرس الاقتصاد، ولا يسأل عن عمل الرعاية غير المدفوع.

ويدرس علم النفس، ولا يربط القلق الفردي بساعات العمل والسكن والديون.

ويدرس التربية الدينية، ولا يربط العدل داخل البيت ببنية المجتمع.

ويدرس الإعلام، ولا يرى كيف تصنع الإعلانات تعريفه للرجولة والأنوثة.

وحين تُجزأ المعرفة، يبدو الظلم مجموعة مشكلات منفصلة:

زوج لا يتحدث عن مشاعره.

زوجة منهكة.

طفل قليل الرعاية.

موظف محترق.

أسرة مديونة.

ملياردير تتضخم ثروته…

لكن التفكير المركب يرى الخيوط التي تصل بينها، من دون الوقوع في التفسير الواحد الساذج…

فليس كل صمت رجل سببه الرأسمالية، ولا كل تعب امرأة سببه «النظام الأبوي»، ولا كل ثراء نتيجة استغلال…

لكن العلاقات الاقتصادية والثقافية تتداخل، ويؤثر بعضها في بعض…

الذكاء ليس أن تملك إجابة واحدة لكل شيء؛ بل أن ترى كيف تتشابك أشياء متعددة من غير أن تختزلها في شعار واحد او تبني عليها حُكما تُطلقه في وجه الناس دائما…

أما الإسلام العظيم … فنعم .. لا يريد امرأة مُسترجلة ولا رجلا مُستبدا ..

سنُكمل في المقالة القادمة بإذن الله…

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

تصحيحٌ واجب: ماذا ثبت في رحلة النبي ﷺ إلى الطائف؟

كتبتُ قبل أيام عن رحلة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، واستحضرتُ الصورة المشهورة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *