لا والله بل ضد النسوية…
ويمكن للمرأة أن تكون ضد النسوية بوصفها منظومة أيديولوجية، وأن ترفض تحويل العلاقة بين الجنسين إلى صراع صفري، وترفض التصورات التي تمحو الفروق الفطرية أو تجعل الأسرة مؤسسة استغلال في أصلها؛ ومع ذلك ترى بوضوح أن ظلم النساء موجود، وأن بعض الأعراف تحوّل الدين والأنوثة والأمومة إلى أدوات لإسكاتهن…
ليس كل نقد للظلم نسوية، كما أن رفض النسوية ليس إذنا بإنكار الظلم.
والخطأ الذي يقع فيه بعض خصوم النسوية أنهم يظنون أن عليهم الدفاع عن كل عادة قديمة لمجرد أن النسوية تنتقدها. فإذا قالت النسوية إن امرأة تتعرض للاستغلال، أنكروا استغلالها خشية أن يُحسبوا على النسوية…
وهكذا تتحول الخصومة الفكرية إلى عمى أخلاقي.
يمكننا أن نقول في وقت واحد:
الرجل والمرأة مختلفان في بعض الخصائص، متساويان في أصل الكرامة والتكليف.
الأمومة منزلة جليلة، لكنها لا تبرر استعباد الأم…
القوامة حكم شرعي، لكنها مسؤولية إنفاق وحماية وتدبير بالمعروف، لا تصريح بالاستبداد.
الأسرة سكن ومودة، وليست معسكر صراع طبقي…
عمل المرأة في بيتها عظيم، لكنه لا يجعل الرجل معفيا من الرحمة والمشاركة.
خروج المرأة إلى العمل حق مباح ضمن ضوابطه، لكنه ليس المقياس الوحيد لتحررها أو قيمتها.
الرجولة قوة، لكن القوة ليست قسوة ولا خرسا عاطفيا.
الأنوثة رقة، لكن الرقة ليست بلاهة ولا عجزا ولا سخافة ولا فقدانا للإرادة.
إننا لا نحتاج إلى استيراد كل الإجابات النسوية كي نعترف بأن بعض الأسئلة التي طرحتها حقيقية.
الرجل أيضا يؤدي دورا على مسرح القرية ….
في بعض القرى العربية، وأنا ابنة قرية عربية لا زالت تحتفظ بالكثير من سمات أهل المروءة والرجولة والشهامة.. في بعض تلك القرى لا يُسمح للصبي بأن يكون مجرد إنسان….
منذ طفولته يُقال له:
لا تبكِ، أنت رجل.
لا تشتكِ، الرجال لا تشتكي…
اضرب من ضربك، وإلا ركبك الناس….
لا تساعد النساء في البيت، فهذا ليس عمل الرجال….
لا تُظهر حبك لزوجتك أمام أهلك، كي لا يقولوا إنها تسيطر عليك وتتحكّم فيك..
لا تعتذر إذا أخطأت في حقها أو في حق أختك قبلها أو جرحتها؛ فالاعتذار يُنقص الهيبة.
وحين يكبر، يكون قد تعلم أن الرجولة ليست حقيقة يعيشها، بل عرضا جماهيريا يجب أن يقدمه كل يوم أمام رجال آخرين.
قد لا يريد الشجار، لكنه يخوضه كي لا يوصف بالجبن….
وقد يحب زوجته بوعي، لكنه يقسو عليها أمام الناس كي يحافظ على صورته…
وقد يشتاق إلى ابنه، لكنه لا يحتضنه لأن الحنان في قاموس البيئة “للنساء وحسب”.
وقد يكون مكتئبا ومنهارا، لكنه يرفض العلاج كي لا يقال عنه مجنون أو ضعيف.
فهو لا يعيش رجولته، بل يحرس صورتها في مُجتمع رسمها…
وهنا تتضح حقيقة شديدة الأهمية: كثير من السلوكيات التي نسميها ذكورية لا يفعلها الرجال لإرضاء النساء، بل لإرضاء محكمة الرجال بعضهم على بعض…
الرجل يخشى حكم الجماعة الذكورية عليه:
هل هو قوي؟ هل يسيطر على بيته؟ هل يستطيع الرد؟ كم يكسب؟ هل يخضع له الآخرون؟
الرجل الحقيقي لا يحتاج إلى ضرب رجل آخر كي يثبت رجولته…
ولا يحتاج إلى إهانة زوجته كي يثبت أنه سيد بيته…
ولا يخسر رجولته إذا بكى على أمه، أو اعتذر إلى ابنه، أو قال: أنا متعب وأحتاج إلى مساعدة.
النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أكمل الرجال، بكى، ورَقّ، وشاوَر النساء كما الرجال، واعتذر لأصحابه حين اقتضى المقام، وكان في بيته في خدمة أهله.. سُئلت عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي ﷺ يصنع في بيته؟ فقالت:
«كان يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة»…
صحيح البخاري
فإذا كانت خدمة الرجل لأهله تنتقص من رجولته، فكيف كان سيد الرجال في خدمة أهله؟!
المشكلة ليست في الرجولة، بل في النسخة المشوهة منها؛ الرجولة التي لا تعرف إلا السيطرة، ولا تستطيع التعبير عن الحنان إلا بالإنفاق، ولا تعرف علاج الخلاف إلا بالصوت العالي.
المرأة القروية ليست «ربة منزل» فقط … وأكرر أنا نشأت كما كُل القرويات وعُدتّ الى صفوفهنّ ولكن بنُسخة مُختلفة …
في الخطاب المدني الحديث، وقد لاحظت ذلك من خلال لقاءاتي مع رجال ونساء العاصمة في بلدي وبعض المُدن الأردنية.. لاحظت بأنه يتم رسم المرأة القروية أحيانا كأنها تجلس في بيتها ولا تعمل .. لا تتطوّر .. لا تتعلّم … لا تُحاول التغيّر والتأثير…
لكن من عاش القرية يعرف أن يومها قد يبدأ قبل شروق الشمس:
– تعجن وتخبز، وتحلب، وتطعم الدجاج، وتحمل الماء، وتنظف، وتزرع، وتحصد، وتخزن المؤونة، وترعى الأطفال والمريض والمسن، وتستقبل الضيوف، وقد تساعد في بيع المحصول؛ وقد تُدشّن مُنتزها وتشتري ألعاب أطفال وماكينة صناعة المثلجات وتصبح ( سيدة أعمال) ..
فأستغرب صدقا كيف يوصف الرجل القروي بين رموز مُجتمع أهل المدينة بأنه «يعمل بشقاء» لأن زوجته لا تتقاضى راتبا وليست مسؤولة عن تطوير ذاتها والبحث بين الخيارات عن مصادر رزق ؟!
الفرق ليس دائما أن الرجل يعمل والمرأة لا تعمل، بل أن عمل الرجل له اسم وسعر، أما عملها هي فمُوزع بين عشرات المهام حتى يبدو كأنه طبيعتها لا جهدها.
وفي بعض البيئات يرث الابن الأرض التي عملت فيها أخته سنوات، ثم يقال لها: نصيبك أننا زوجناك….
وقد تسكت أحيانا.. لا لأن الشرع أسقط حقها، حاشا لله.. بل لأن العُرف يهددها بالعصا الاجتماعية: إن طالبت بحقك فأنت جشعة، وتريدين إخراج أرض العائلة إلى رجل غريب…
(أي الزوج ابن قبيلة او عشيرة ثانية)!
هنا لا يكون الدين هو الذي ظلمها، بل العُرف الاجتماعي الذي صادر ميراثها ثم استعان بلغة الشرف كي يمنعها من الاعتراض….
وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن نرسم صورة الرجل القروي دائما مستفيدا جشِعا مُسترخيا يبحث عن امرأة ( حلاّبة) أي لديها مصدر دخل؛ فكثير من الرجال يخرجون إلى الحقول وأعمال البناء والمناجم والسفر الشاق، ويهلكون أجسادهم كي يكفون بيوتهم وأبناءهم…
وقد يعيش الرجل عمره كله بوصفه آلة تمويل، لا يسأله أحد عما يريد أو يشعر به، ثم إذا عجز عن الكسب شعر أنه فقد قيمته ومكانته في بيته.
إن الظلم قد يقع على المرأة في صورة خدمة بلا اعتراف، ويقع أيضا على الرجل في صورة مسؤولية بلا رحمة.
**في المدينة العربية: تحررت المرأة من وظيفة… لتجمع وظيفتين
دخلت المرأة العربية المتعلمة إلى الجامعة والعمل، وهذا مكسب مهم حين يكون باختيارها وفي بيئة تحفظ حقوقها….
لكن المدينة لم تُسقط عنها بالضرورة كل أعباء الدور القديم؛ بل أضافت إليها أعباء جديدة.
تخرج صباحا إلى وظيفة كاملة، وتعود إلى منزل ينتظر منها أن تكون وحدها الطاهية والمُنظفة والمربية والممرضة ومديرة العلاقات الاجتماعية ولازم يكون عندها ذكاء عاطفي لاحتمال كل صنوف البشر والتعامل معهم بحكمة…
ثم يقال لها: أنت مستقلة لأن لديك راتبا، ثم قد يُطلب منها أن تنفق على البيت كما ينفق الرجل، من دون إعادة عادلة لتوزيع العمل المنزلي.
فتصبح مطالبة بأن تنجح كالرجل في السوق، وكأنها بلا أطفال، وأن ترعى أطفالها، وكأنها بلا عمل !!
وفي الطرف الآخر يوجد الرجل المديني الذي ارتفعت تكاليف السكن والزواج والتعليم فوق قدرته، لكنه ما زال مُطالبا ثقافيا بأن يؤمّن وحده منزلا وسيارة وحفلا ومهرا ومستوى معيشة تعرضه الصور يوميا…
فإذا تأخر زواجه قيل إنه غير مسؤول، وإذا قل دخله قورِن بغيره، وإذا فقد عمله اهتز تعريفه لنفسه…
وهكذا يدخل الاثنان البيت منهكين:
هي تشعر أنه يستفيد من عملها غير المرئي…
وهو يشعر أنه يُقاس بما يدفعه لا بما يكونه….
هي تتهمه باللامبالاة….
وهو يفسر حاجتها إلى الحوار بأنها ضغط جديد و ( نكد) بعد يوم عمل طويل….
لكن الخصم الحقيقي قد لا يكون أحدهما….
قد تكون المشكلة في نظام حياة جعل الوقت سلعة، وأطال ساعات العمل، ورفع كلفة السكن، وسحب الأسرة الممتدة من شبكة الرعاية، ثم ترك زوجين مرهقين يتبادلان الاتهام.
**في الغرب: لم تُلغَ الأدوار، بل تغيرت لغتها …
الغرب الحديث أعلن تحرير الفرد من الأدوار القديمة، لكنه لم يحرره من ضرورة الأداء الاجتماعي؛ فقط غيّر الدور المطلوب.
المرأة المثالية في الخطاب الاستهلاكي الغربي مطالبة بأن تكون مستقلة ماليا، ناجحة مهنيا، رشيقة، جميلة بلا جهد ظاهر، أمًا حاضرة، زوجة مثيرة، مثقفة، هادئة، واثقة، وأن تفعل كل ذلك من غير أن تبدو منهكة.
تحررت من صورة «ربة المنزل الكاملة» لتدخل أحيانا في صورة «المرأة الخارقة» التي تعمل كأنها بلا أسرة، وتربي كأنها بلا وظيفة، وتعتني بجسدها كأنها تملك وقتا لا ينتهي للرياضة وترسيخ عادات أهل اللياقة..
أما الرجل الغربي فقد تخففت عنه بعض قواعد الرجولة القديمة، لكنه دخل سباقا آخر: عليه أن ينجح في سوق شديد التنافس، وأن يبني «علامته الشخصية»، ويبدو واثقا، منتجا، لائقا بدنيا، متحررا عاطفيا ولكن غير ضعيف، حساسا ولكن غير محتاج، طموحا ولكن متوازنا.
قال إريك فروم إن الإنسان الحديث يتوهم أنه يعرف ما يريد، بينما يريد غالبا ما يُتوقع منه أن يريده…
وهذا لبّ المسألة: قد لا يجبرك أحد على الدور، لكن المجتمع يزرع فيك الرغبة فيه، ثم يسمي اندفاعك نحوه حرية….
بعض الخطاب النسوي لم يحرر المرأة من مقياس القيمة الذكوري، بل طلب منها التفوق داخله.
قيل للمرأة سابقا: قيمتك في خدمتك للبيت.
ثم قيل لها حديثا: قيمتك في إنتاجك للسوق.
في الحالتين، هناك جهة خارجية تقرر قيمتها….
فإن مكثت في البيت لتربي أبناءها قيل: ضيعت مستقبلك.
وإن خرجت إلى العمل وتركت طفلها طويلا قيل: أمّ أنانية.
وإن اختارت العمل الجزئي قيل: غير طموحة….
وإن وصلت إلى الإدارة قيل: لا بد أنها ضحّت بأنوثتها أو أسرتها.
لم تُمنح حق الاختيار بقدر ما نُقلت من معيار قاسٍ إلى معيار قاسٍ آخر.
والسؤال التحرري الحقيقي ليس: كيف نجعل كل امرأة موظفة؟
ولا: كيف نعيد كل امرأة إلى البيت؟
بل:
كيف نصنع مجتمعا يحترم اختيار المرأة المشروع، ويعترف بقيمة الرعاية، ولا يجعل الأمومة عقوبة اقتصادية، ولا يجعل الوظيفة شهادة الإنسان الوحيدة على قيمته؟
الأمومة ليست «عِشرة» ولا وظيفة متدنية، كما يصفها بعض الخطاب الناقم؛ هي بناء للإنسان والمجتمع…
لكنها ليست مبررا لترك المرأة بلا حماية مالية أو احترام أو وقت أو مشاركة. وتقديس الأمومة بالكلمات، مع استهلاك الأم وإهمال حقوقها، ليس تكريما بل نفاقا اجتماعيا.
ومن الظلم أن يُقال للأم: أنت تصنعين الأجيال، ثم إذا احتاجت إلى مال قيل لها: أنت لا تعملين.
وفق منظمة العمل الدولية، يُنجز البشر يوميًا أكثر من 16 مليار ساعة من العمل المنزلي والرعائي غير المدفوع، وتؤدي النساء عالميًا نحو 76.2% من ساعاته؛ أي أكثر من ثلاثة أضعاف ما يؤديه الرجال.
كما أن مسؤوليات الرعاية غير المدفوعة تُبقي قرابة 708 ملايين امرأة خارج قوة العمل. حسب منظمة العمل الدولية، تقديرات الأمم المتحدة ومنظمة العمل..
هذا لا يعني ضرورة تحويل كل قُبلة للأم وطبخة للزوجة إلى فاتورة؛ فالأسرة ليست شركة مقاولات، والحب يفقد روحه إذا تحول كله إلى حساب بالدقائق.
والرجل أيضا يقدم داخل الأسرة أشكالا من العمل والتضحية لا تُقاس دائما: حماية، ونفقة، وأعمالا شاقة، ومخاطر، وقلقا صامتا على المستقبل.
لكن هذه الأرقام تكشف عيبا في نظرتنا إلى القيمة: السوق لا يعترف غالبا إلا بما يمر عبر المال.
إذا رعت أم طفلها طوال اليوم قيل إنها لا تعمل…
وإذا دفعت لامرأة أخرى كي ترعاه أصبح ذلك عملا يدخل في الناتج الاقتصادي.
الفعل واحد تقريبا، لكن النقود هي التي منحته اعترافا رسميا.
وهنا تظهر محدودية السوق: إنه ممتاز في تسعير ما يمكن بيعه، لكنه عاجز عن تقدير أشياء لا تقوم الحياة من دونها، مثل الرحمة والتربية والوفاء والحضور.
وقد لخّص أوسكار وايلد مأزق العقل السوقي بقوله:
«يعرف ثمن كل شيء، ولا يعرف قيمة أي شيء».
فالسعر هو ما تدفعه مقابل السلعة، أما القيمة فهي ما يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش…..
والخلط بينهما أنتج عالما يستطيع أن يخبرنا بقيمة شركة إلى آخر سنت، لكنه يعجز عن تقدير ليلة أم عند سرير طفل مريض.
هل الرأسمالية اخترعت الأدوار الجندرية؟
لا. وهذا تصحيح ضروري.
تقسيم الأدوار بين الرجال والنساء أقدم من الرأسمالية الحديثة بآلاف السنين، وله جذور بيولوجية وتاريخية واجتماعية ودينية متشابكة: الحمل والرضاعة، طبيعة العمل الجسدي القديم، الحروب، الملكية، القبيلة، وأنماط الأسرة.
لكن النظام الاقتصادي الحديث لم يخترع هذه الفروق؛ بل تعلّم كيف يستثمر بعضها، ويضخم بعضها، ويبيعنا صورًا جديدة منها.
استثمر استعداد النساء للرعاية، فبنى جزءا من الاقتصاد فوق عملهن غير المدفوع.
واستثمر استعداد الرجال للمنافسة وتحمل المخاطر، فحوّل بعضهم إلى قوة عمل ترى الإنهاك بطولة.
ثم باع المرأة مستحضرات ومنتجات كي تصبح «أنثى حقيقية»، وباع الرجل سيارات وساعات وعضلات واستثمارات كي يصبح «رجلا حقيقيا».
النظام لا يهمه إن كنت تقليديا أو متمردا، ما دام يستطيع تحويل هويتك إلى سوق.
يمكنه أن يبيع المرأة الحجاب والعباءة بوصفهما هوية، ويبيع أخرى التمرد على الحجاب بوصفه هوية كذلك.
يبيع الأولى دورات «كيف تكونين زوجة مطيعة»، ويبيع الثانية دورات «كيف تستغنين عن الرجال»…
يبيع الرجل صورة رب الأسرة، ثم يبيع الرجل الآخر صورة العازب المتحرر…
السوق لا يملك عقيدة ثابتة؛ عقيدته أن يتحول قلقك على هويتك إلى طلب مستمر على السلع.
كلما كنت أقل ثقة بأنوثتك أو رجولتك، كنت مستهلكا أفضل.
**التريليون في الأعلى… والقلق في الأسفل…
بحسب تقرير اللامساواة العالمي 2026، يملك أغنى 10% من سكان العالم نحو ثلاثة أرباع الثروة العالمية، بينما لا يملك النصف الأفقر سوى 2%.
والأشد دلالة أن نحو 60 ألف شخص فقط — أي أغنى 0.001% — يملكون ثلاثة أضعاف ما يملكه نصف البشرية مجتمعة. حسب تقرير اللامساواة العالمي 2026….
لا تثبت هذه الأرقام وحدها أن كل ثراء ظلم، لكنها تفرض سؤالا أخلاقيا وسياسيا: متى تصبح الثروة نتيجة عادلة للابتكار، ومتى تتحول إلى قوة قادرة على إعادة كتابة قواعد اللعبة نفسها؟
فالثروة الضخمة لا تشتري اليخوت والقصور فقط، بل تستطيع شراء المنصات الإعلامية، والتأثير السياسي، وتمويل الحملات، وتوجيه الأبحاث، وصناعة الرأي العام. وحين تتراكم الثروة إلى هذا الحد، لا يعود الحديث عن المال وحده، بل عن السلطة.
وهنا تصبح العلاقة بين أول تريليونير وبين تعريف الرجل والمرأة أكثر وضوحا:
النظام الذي يجمع الثروة في قمته يحتاج في قاعدته إلى أفراد يربطون قيمتهم بالإنتاج والاستهلاك.
يحتاج رجلا يعتقد أن التوقف فشل.
وامرأة تعتقد أن جسدها مشروع تحسين لا ينتهي.
وأما تؤدي الرعاية بصمت.
وأبا يستهلك عمره في العمل ويظن أن غيابه هو البرهان على حبه.
وطفلًا يتعلم مبكرا أن النجاح هو أن يسبق الآخرين لا أن يعرف نفسه.
هذه ليست مؤامرة يجلس فيها بضعة أثرياء لتصميم كل تفصيل؛ بل بنية تتكاثر من تلقاء نفسها لأن كل مؤسسة تكافئ ما يزيد الإنتاج والربح، حتى لو كان الثمن هشاشة الأسرة أو الصحة النفسية.
لماذا قسّموا المعرفة إلى مواد منفصلة؟
ليست المشكلة في تدريس التاريخ والاقتصاد والاجتماع والعلوم بوصفها تخصصات؛ فالتخصص ضروري للتعمُّق….
المشكلة أن التعليم قد يقدمها كجُزر منفصلة، فلا يتعلم الطالب كيف يصل بينها.
يدرس الثورة الصناعية في التاريخ، ولا يربطها بتغير شكل الأسرة.
ويدرس الاقتصاد، ولا يسأل عن عمل الرعاية غير المدفوع.
ويدرس علم النفس، ولا يربط القلق الفردي بساعات العمل والسكن والديون.
ويدرس التربية الدينية، ولا يربط العدل داخل البيت ببنية المجتمع.
ويدرس الإعلام، ولا يرى كيف تصنع الإعلانات تعريفه للرجولة والأنوثة.
وحين تُجزأ المعرفة، يبدو الظلم مجموعة مشكلات منفصلة:
زوج لا يتحدث عن مشاعره.
زوجة منهكة.
طفل قليل الرعاية.
موظف محترق.
أسرة مديونة.
ملياردير تتضخم ثروته….
لكن التفكير المركب يرى الخيوط التي تصل بينها، من دون الوقوع في التفسير الواحد الساذج…
فليس كل صمت رجل سببه الرأسمالية، ولا كل تعب امرأة سببه «النظام الأبوي»، ولا كل ثراء نتيجة استغلال…
لكن العلاقات الاقتصادية والثقافية تتداخل، ويؤثر بعضها في بعض…
الذكاء ليس أن تملك إجابة واحدة لكل شيء؛ بل أن ترى كيف تتشابك أشياء متعددة من غير أن تختزلها في شعار واحد او تبني عليها حُكما تُطلقه في وجه الناس دائما…
أما الإسلام العظيم … فنعم .. لا يريد امرأة مُسترجلة ولا رجلا مُستبدا ..
الخطاب القرآني لا يبني العلاقة بين الجنسين على التماثل الكامل ولا على الحرب، بل على وحدة الأصل وتبادل الولاية:
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.
لم يقل الله سبحانه: الرجال أولياء المجتمع والنساء مُلحقات به، بل جعل المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض في إقامة الخير ومقاومة الشر.
وحين أثبت القوامة للرجل، ربطها بالتكليف والإنفاق:
﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾….
فالقوامة ليست امتيازا مجانيا ولا تفوقا في الإنسانية، وإنما مسؤولية تزداد معها المحاسبة….
القوامة تكليف للرجل وتشريف للمرأة وقد كتبتُ عن هذا الملف سابقا ..
والمرأة في الإسلام ذمة مالية مستقلة؛ مالها لها، وميراثها لها، ومهرها لها، وعملها المشروع لها….
قال تعالى:
﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾.
ولم يجعل النبي ﷺ معيار الرجولة كثرة المال ولا القدرة على إخضاع المرأة، بل قال:
«خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». حسب سنن الترمذي…
فالرجولة في الميزان النبوي لا تُختبر أمام الرجال في المجالس، بل في البيت، حين تسقط الأقنعة ولا يبقى جمهور للتصفيق…..
والأنوثة في الإسلام ليست زينة بلا عقل؛ فقد ناقشت خولة بنت ثعلبة قضيتها حتى أنزل الله في شأنها قرآنا يُتلى، وكانت عائشة رضي الله عنها من كبار علماء الأمة، وكانت خديجة رضي الله عنها تاجرة وناصِرة وموطن سكينة للنبي ﷺ…
لم تحتج الواحدة منهن إلى التنكُّر لأنوثتها كي تكون صاحبة عقل وموقف.
كما لم يحتج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى قسوة دائمة كي يكون رجلا، ولا أبو بكر إلى إخفاء رقته،رضي الله عنهما.. ولم يحتج النبي ﷺ إلى الامتناع عن خدمة أهله كي يحافظ على هيبته….
لقد جمع النموذج الإسلامي بين الحزم والرحمة، وبين العقل والعاطفة، لأنه لم يحصر هذه الصفات حصرا مطلقا في جنس واحد.
الأمومة من أعظم وظائف الوجود الإنساني.. ومن السطحية وصفها بأنها مجرد عمل غير مدفوع؛ فهي علاقة حب وعبادة وامتداد، لا يمكن اختزالها اقتصاديا.
لكن تعظيم الأمومة لا يعني أن تُترك الأم وحدها….
حين يقال للمرأة: الأمومة أعظم رسالة، ثم لا تحصل على نوم أو مساعدة أو تقدير أو أمان مالي، فالمشكلة ليست في تعظيم الأمومة، بل في تحويل كلمات التعظيم إلى بديل عن تحمل المسؤولية.
قد يمدح المجتمع الأم كي يوفر تكلفة خدمتها…..
يقول لها: الجنة تحت قدميك، ثم يتركها تحمل البيت وحدها.
يقول: أنت مدرسة، ثم لا يمنحها وقتا تتعلم فيه أو تتطوّر أو تستريح.
يقول: الأم تضحي، ثم يحول التضحية من فضيلة اختيارية إلى التزام بلا حدود.
فإذا انهارت قيل لها: أين صبر الأمهات؟
التضحية فضيلة حين تكون صادرة عن حب وقدرة، لكنها تصبح ظلما حين يستخدمها الآخرون لإسقاط واجباتهم.
وليس مطلوبا أن يدفع الزوج لزوجته أجرا عن كل طبق تغسله؛ لكن مطلوب منه أن ينفق عليها بالمعروف، ويحفظ مالها، ويقدر جهدها، ويشاركها حين تحتاج، ولا يتصرف كأن البيت فندق وهي طاقم الخدمة.
والرجل ليس محفظة نقود تمشي …
ولا يجوز أن نحرر المرأة بتحويل الرجل إلى أداة تمويل.
الرجل ليس راتبه…
فإذا تعطّل أو مرض أو خسر تجارته، لا تسقط رجولته…
والنفقة واجب شرعي بحسب الاستطاعة، لكنها لا تبيح تحقيره إذا ضاقت يده، ولا مقارنته المستمرة بمن هو أغنى منه.
كم من رجل خرج قبل الفجر، وعاد بعد نوم أطفاله، وظن أنه أدى واجبه كاملا لأنه دفع الفواتير، ثم اكتشف متأخرا أن أبناءه كانوا يحتاجون إلى أب لا إلى ممول فقط.
وكم من زوجة لم ترَ أن زوجها ينهار؛ لأنه لم يملك اللغة التي يقول بها: أنا خائف ومتعب…
لقد تعلم أن الحزن ضعف، فترجم خوفه غضبا، ووحدته صمتا، واحتياجه انشغالا ورُبما هروبا…
قد يكون الرجل مستفيدا من عمل زوجته في المنزل، لكنه قد يكون أيضا مستعبدا لتوقع أن عليه وحده إنقاذ الجميع…
والبيت العادل لا يتجاهل تعب المرأة ولا يسخر من هشاشة الرجل؛ بل يوزع الأعباء بالمعروف والقدرة والاتفاق.
ماذا يعني أن تكوني أنثى حقيقية؟
الأنثى الحقيقية ليست قالبا واحدا.
ليست بالضرورة امرأة بالكعب العالي والغرة المُسرّحة، ولا امرأة تكره الزينة كي تثبت استقلالها…
ليست ناقصة إذا أحبت المنزل والأمومة، ولا مسترجلة إذا أحبت الرياضيات والهندسة والسياسة.
أنوثتك لا تُقاس بمقدار إعجاب الرجال بك، ولا بمقدار قدرتك على هزيمتهم في لعبتهم….
ولا تحتاجين إلى احتقار النساء كي يصدق الرجال أنك ذكية ومُختلفة…
أن تكوني أنثى حقيقية يعني أن تتصالحي مع تكوينك من غير أن تسمحي لأحد باختزالك فيه؛ أن تكون عاطفتك مصدر معرفة لا سيدا أعمى، وأن يكون عقلك قوة لا وسيلة للتنكر من جنسك…
أن تختاري ثوبك وعملك وأمومتك ومواقفك داخل حدود الله، لا داخل خوفك من حكم الجمهور.
المرأة الحرة لا تقول: أنا أفضل لأنني لست كالبنات.
بل تقول: لا توجد صورة واحدة تختصر النساء جميعا.
وماذا يعني أن تكون رجلا بحق؟
أن تكون رجلا يعني أن تكون مسؤولا من غير استبداد، قويا من غير قسوة، رحيما من غير ضعف، قادرا على حماية من تحب من غير امتلاكهم.
الرجولة أن تذهب إلى عملك، وأن تعرف متى تعود إلى بيتك…
أن تنفق، ولكن أيضا أن تحضر…
أن تتحمل، ولكن أن تطلب المساعدة قبل أن يتحول ألمك إلى أذى للآخرين.
الرجل الذي يعتذر لا يفقد رجولته؛ بل يثبت أن ضميره أقوى من غروره…
والذي يحمل طفله ويخدم زوجته لا يصبح أقل هيبة؛ بل يقتدي بنبي كان في في خدمة أهله.
تحويل كل معاناة نسائية إلى اتهام للرجال ظلم، وتحويل كل نقد لأعراف الرجال إلى مؤامرة نسوية هروب من الحقيقة.
ليست المرأة عدو الرجل، ولا الرجل عدو المرأة. وقد لا يكون عدوهما دائمًا «الرأسمالية» بوصفها شيطانًا مطلقًا؛ فالسوق أتاح لناس كثيرين الخروج من الفقر، ووسع الابتكار والاختيار. لكن السوق حين يصبح المرجع الأعلى للقيمة، ويُترك بلا أخلاق ولا عدالة ولا ضوابط، يحول الإنسان إلى مورد، والأسرة إلى وحدة استهلاك، والوقت إلى مال، والجسد إلى إعلان.
والإسلام لا يلغي السوق، لكنه يمنعه من أن يصبح إلهًا. يقر الملكية والتجارة والربح، ثم يفرض الزكاة، ويحرم الربا والاحتكار والغش، ويقرر حق الفقير، ويجعل المال وسيلة للقيام بالحياة لا معيارًا لقيمة الإنسان.
قال تعالى في فلسفة توزيع المال:
﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾.
فالمشكلة ليست أن يوجد غني، بل أن يدور المال والفرص والنفوذ في حلقة مغلقة، بينما يُطلب من الباقين أن يعملوا ويستهلكوا ويصمتوا.
الخاتمة: الحرية أن تتوقف عن التمثيل
ربما أخطر سجن نعيش فيه ليس أن يمنعنا أحد من أن نكون أنفسنا، بل أن ننسى أنفسنا لكثرة ما أدينا الأدوار.
المرأة تمثل الأنوثة التي يريدها الرجل، أو تمثل الذكورة التي يكافئها السوق.
والرجل يمثل القوة التي تريدها القرية، أو النجاح الذي تريده الشركة.
ثم يعود الاثنان مساءً منهكين، لا من العمل وحده، بل من حمل الشخصيات التي كان عليهما تمثيلها طوال اليوم.
في القرية قد تخشى المرأة أن يقال إنها متمردة، ويخشى الرجل أن يقال إنه ضعيف.
وفي المدينة تخشى المرأة أن يقال إنها غير ناجحة، ويخشى الرجل أن يقال إنه غير قادر.
وفي الغرب يخاف الاثنان أن يفشلا في صناعة «أفضل نسخة» قابلة للعرض والتسويق.
تختلف اللغة، لكن المحكمة واحدة: الناس والسوق والصورة.
ولا تبدأ الحرية بأن تكره المرأة أنوثتها، ولا بأن يبالغ الرجل في رجولته، ولا بأن يعلن الجنسان حربًا طويلة على بعضهما. تبدأ حين يسأل كل واحد منهما:
من أنا أمام الله، قبل أن أكون دورًا أمام الناس؟
ما الذي أفعله لأنه حق، وما الذي أفعله خوفًا من السخرية؟
هل اخترت حياتي، أم اخترت الدور الذي يمنحني أكبر قدر من التصفيق؟
هل أعمل لأعيش، أم أعيش كي أثبت أنني أستحق الحياة؟
هل أحب أسرتي، أم أؤدي أمامها صورة الزوج أو الزوجة المثاليين؟
وهل ما أسمّيه «طبيعتي» طبيعة فعلًا، أم عادة ورثتها ولم أجرؤ على فحصها؟
ليس المطلوب أن تتحول المرأة إلى رجل كي تتحرر، ولا أن يتحول الرجل إلى حجر كي يحافظ على رجولته.
نحن لا نحتاج نساءً يعتذرن عن رقتهن، ولا رجالًا يخجلون من دموعهم. لا نحتاج أمًا تُستنزف حتى الموت ثم نمدح تضحيتها، ولا أبًا يغيب عمره كله ثم نضع المال على قبره ونقول: لقد أدى واجبه.
نحتاج امرأة تعرف أن عقلها لا ينتقص من أنوثتها، ورجلًا يعرف أن رحمته لا تنتقص من رجولته. نحتاج أسرةً لا تُدار بمنطق السيد والخادم، ولا بمنطق الخصمين المتفاوضين، بل بمنطق قوله تعالى:
﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾.
لقد بلغ إنسان واحد تريليون دولار، ولو أيامًا قليلة، بينما لا تزال أم في قرية تحمل الماء والحطب والطعام والطفل ولا يقال عنها إنها تعمل، ولا يزال رجل في مدينة يبتلع اكتئابه لأنه يخشى أن تسقط رجولته إذا قال: أنا لا أستطيع.
وليس المطلوب أن نحقد على الناجح، بل أن نعيد السؤال عن معنى النجاح نفسه.
فأي حضارة هذه التي تعرف كيف ترسل صاروخًا إلى الفضاء، ولا تعرف كيف تمنح الأم وقتًا للنوم؟ وأي تقدم هذا الذي يضاعف ثروة القمة، بينما يطلب من الرجل في القاعدة أن يستهلك جسده كي يثبت قيمته، ومن المرأة أن تستهلك روحها كي تثبت حبها؟
إن أعظم تحرير للمرأة ليس أن تصبح نسخة من الرجل الذي أنهكه النظام، وأعظم تحرير للرجل ليس أن يظل سيدًا في بيت تحوّل أهله إلى خائفين منه.
التحرير الحقيقي أن يسترد كلاهما إنسانيته:
أن تكون المرأة أنثى من غير أن تكون سلعةً أو خادمة.
وأن يكون الرجل رجلًا من غير أن يكون مستبدًا أو آلة إنتاج.
وأن يصبح البيت مكانًا للسكن، لا فرعًا من فروع السوق.
وأن يعود المال خادمًا للحياة، لا إلهًا يقرر مَن يستحق الاحترام.
فالمرأة ليست ما يريده الرجل منها، والرجل ليس ما يريده السوق منه.
وكلاهما، قبل كل الأدوار والتعريفات، عبدٌ لله، وإنسانٌ مكرّم، لن يسأله الله يوم القيامة: هل أديت الدور الذي صفق له الناس؟
بل سيسأله:
هل كنت عادلًا؟ هل حفظت الأمانة؟ وهل عشت بالحق الذي عرفته، أم بالشخصية التي كوفئت على تمثيلها؟
سنُكمل في المقالة القادمة بإذن الله.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة